اللقاء
السماء فوق القرية كانت رمادية كأنها فقدت لونها، والدخان يرتفع من عدة جهات ليغطي الأزقة الضيقة. الأرض اهتزت تحت وقع الأقدام والمخالب، وصوت العواء امتزج بصراخ الناس حتى صار كل شيء فوضى واحدة لا يمكن تمييز بدايتها من نهايتها.
توقفت للحظة عند المدخل…
ثم دخلت.
لم يكن هناك وقت للتفكير. كل ما رأيته كان انهيارًا كاملًا: أبواب تُكسر، حراس يتراجعون، وأطفال يركضون بين الأزقة بحثًا عن أي مكان آمن.
الذئاب لم تكن مجموعة واحدة.
بل مجموعتان واضحتان:
إحداهما تهاجم بعنف أعمى، تقطع الطريق على كل شيء حي دون تمييز.
والأخرى تتحرك بطريقة مختلفة… منظمة، سريعة، كأنها تدفع الفوضى بعيدًا عن قلب القرية بدل نشرها.
لكن هذا لم يخفف من الخطر… بل زاد من الارتباك.
“ابتعدوا عن الطريق!” صرخت وأنا أندفع.
انقضّ ذئب من جهة اليسار، لم أمهله. رفعت سيفي بسرعة وصددت ضربته، ثم دفعت جسده بعيدًا بحركة قوية جعلته يتراجع.
لم أتوقف.
اندفعت نحو مجموعة من الذئاب كانت تحاصر أحد الحراس عند زاوية منزل محترق. صوت احتكاك السيوف بالمخالب ملأ المكان، والغبار بدأ يعلو مع كل حركة.
“احموا الأطفال! لا تتركوهم في الأزقة!” صرخت للحارس.
أومأ بصعوبة، ثم اندفع ليغطي طريق الهروب.
لكن الذئب الآخر لم ينتظر، قفز نحوي بسرعة. انحنيت في اللحظة الأخيرة، وشعرت بمرور الهواء فوق رأسي، ثم استدرت وضربته في كتفه، فأجبرته على التراجع خطوة.
اندفعت نحو قلب الفوضى.
كل خطوة كانت قتالًا.
كل زاوية كانت هجومًا محتملًا.
كل نفس كان قرارًا سريعًا بين الدفاع أو الإنقاذ.
ضربة… أوقفت اقتراب ذئب من امرأة كانت تسقط أرضًا.
حركة دوران… فتحت طريقًا لطفلين يهربان بين المنازل.
صدّ سريع… منع هجومًا كان سيصل إلى ظهري.
لكن العدد كان يتزايد، والضغط يزداد.
شعرت بخدش حاد على ذراعي، لكني لم أنظر إليه حتى
ومع ذلك، لم يكن لدي ترف الاختيار.
“الناس أولًا…”
شدّدت قبضتي على السيف، واندفعت من جديد داخل ساحة المعركة.
فجأة، سكنت الأصواتُ كلُّها وكأن الزمن قد توقف. كان أحد الذئاب من المجموعة المنظمة يقف قبالتي، يحدق فيّ بتلك الأعين الزرقاء النافذة؛ كان فراؤه أسود كالفحم، وحجمه يفوق بقية الذئاب بشكل ملحوظ، مما جعله ملفتاً للانتباه بحضورٍ آسرٍ ومزعجٍ في آن واحد. لثوانٍ؟ لـدقائق؟ لا أعرف.. كل ما أعرفه أن عينيه كانتـا كالمحيط، وأنا قد غرقت فيهما بالفعل.
وبدون سابق إنذار، قطع ذلك الصمت هجومُ ذئبٍ آخر، ذو فراء بني فاتح وأعين سوداء حالكة، اندفع نحوي مستهدفاً بطني. سقط سيفي من يدي من أثر المفاجأة، وقبل أن أتمكن من الرد، غرس أنيابه في أحشائي. وبسرعة خاطفة، سحبتُ أحد السهام من الكنانة التي خلف ظهري، وغرسته بكل قوتي في عينه، ليرتدّ عني وهو يطلق زمجرة متألمة وغاضبة. وقبل أن يستعيد توازنه، انقض عليه الذئب الأسود بقوة، مجبراً إياه على التراجع بعيداً.
كانت دمائي تنزف بغزارة من بطني، فمزقتُ قميصي الأبيض بسرعة ولففتُ الجرح لأوقف النزيف مؤقتاً. وفجأة، شقّ سكون المكان صراخُ فتاة صغيرة؛ أسرعتُ نحوها دون تفكير، رفعتها من خصرها واحتضنتها، ثم ركضتُ بها نحو "مجلس القرية" حيث يختبئ الناجون. هرعت والدتها نحوها وخطفتها من يديّ الملطختين بدمائي القانية. قلتُ لها محاولاً طمأنتها وأنا أمسح الدماء بسرعة: "لا تقلقي، هي بخير.. هذه ليست دماؤها".
وقبل أن أنتظر رداً، عدتُ إلى ساحة المعركة. كانت النتيجة قد حُسمت تقريباً؛ فلم يتبقَ من الذئاب العشوائية سوى خمسة، أما الذئاب المنظمة فكانت الأكثر عدداً وعدة، يتقدمهم ذلك الذئب الأسود ذو العيون الزرقاء، يقود القطيع بزمجرة حادة أرعبت الخصوم. بدأت الذئاب المهزومة تزمجر بدورها كأنها ترفض الاستسلام، لكن الذئب الأسود لم يهتم؛ لمحني ونظر إليّ بطرف عينه قبل أن يوجه نظره مجدداً نحو الأعداء الذين استسلموا وبدأوا بالانسحاب الفعلي خارج القرية.
بعد خروج الذئاب الخمسة، بدأ الذئب الأسود يقترب مني بخطوات وئيدة. كنتُ أتراجع مع كل خطوة يخطوها نحوي، حتى شعرتُ بدوارٍ مفاجئ يغزو رأسي. تذكرتُ حينها: "نعم، بالطبع.. أنا أنزف منذ مدة، ومن الطبيعي أن ينهار جسدي الآن". وقبل أن أدرك ما يدور حولي، غرق كل شيء في ظلام دامس.. نعم، لقد فقدتُ الوعي تماماً.