رحلة بلا عودة - الاشتياق للوطن - بقلم محمود نادر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رحلة بلا عودة
المؤلف / الكاتب: محمود نادر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الاشتياق للوطن

الاشتياق للوطن

قرر أحمد أن يرحل بأي ثمن، حتى لو كلفه ذلك حياته. لم يعد يحتمل البقاء على هذا الكوكب الأحمر لحظة أخرى. فكر في بناء مركبة فضائية بدائية بيديه، لكنه سرعان ما أدرك أنه لا يستطيع جمع المواد اللازمة بمفرده. كانت تلك المواد مخزنة في مناطق خطرة جنوبية، تسكنها وحوش مفترسة لا ترحم. ذهب أولاً إلى أصدقائه من «الأرقام»، يطلب مساعدتهم. لكنهم رفضوا جميعًا. بعضهم اعتذر بلباقة، والبعض الآخر نظر إليه نظرة الشفقة الممزوجة بالاستنكار. شعر أحمد بالوحدة تضغط على صدره، فقرر أن يذهب بنفسه. تجهز في الليل، حمل سلاح الشحنات، وأدوات حفر خفيفة، وحقيبة كبيرة متينة تستطيع حمل ما يجمعه من مواد. وفي ليلة هادئة، حالكة الظلام، انطلق جنوبًا، ومعه مصباح صغير لا يكاد يضيء سوى خطواته. كان الظلام كثيفًا، يحيط به من كل جانب. وفجأة شعر أحمد أن أعينًا خفية تراقبه من الظلام. أمسك بسلاح الشحنات بحذر شديد، وأخذ يتلفت يمينًا ويسارًا. لكن الهجوم جاء من الخلف. انقضَّ عليه كائن مظلم ضخم بسرعة مذهلة، فسقط سلاح الشحنات بعيدًا عن يده. بدأ الوحش يهاجمه بعنف، وكان لعابه يسيل من فمه كأنه وجد وجبة شهية انتظرها طوال عمره. أمسك أحمد بعصا صغيرة كانت في حقيبته، يحاول بها صد الانقضاضات المتكررة. دار الصراع العنيف بضع لحظات، ثم انكسرت العصا. انقض الوحش على رقبة أحمد مباشرة. وقبل أن تغلق أنيابه على حلقه، سقط الكائن فجأة على الأرض. أطلقت شحنات نارية قوية من بعيد، أنهت حياة الوحش على الفور. وقف سبعة عشر في الظلام، يمسك بسلاحه، وعيناه مليئتان بالغضب الممزوج بالحزن. اقترب من أحمد الذي كان لا يزال ملقى على الأرض، ومد يده ليساعده على النهوض، ثم قال بصوت حزين عميق: «لماذا تريد أن تقتل نفسك؟» أجاب أحمد وهو ينفض التراب عن ملابسه: «لم يرد أحد أن يأتي معي… فذهبت وحدي». نظر إليه سبعة عشر طويلًا، ثم قال بصوت مكسور: «ولماذا تريد الرحيل؟ لماذا تريد أن تتركنا وتعود إلى وطنك… الذي دُمِّر؟» رد أحمد بنبرة تحمل كل الشوق والألم المكبوت: «أنت لن تشعر بي… لن تشعر بمن رحل عن وطنه منذ ثلاثة أعوام كاملة. كل يوم يمر عليّ هنا يشبه الموت البطيء». سكت سبعة عشر لحظات، ثم تنهد وقال: «حسنًا… عد معي. سأعطيك مركبة. لكن بشرط واحد: يجب أن نخطط لحل يسمح لنا بالتواصل معك». فكر أحمد في الأمر، ثم صنعا معًا جهازًا غريبًا يشبه الهاتف، لكنه يستمد طاقته وشبكته من ضوء القمر. وافق سبعة عشر على إعطائه المركبة، بشرط أن يضمن سلامته، وأن يعد بالعودة سالماً يومًا ما. وعد أحمد بأنه سيعود قريبًا. ثم رفع أحمد بصره إلى السماء، يبحث عن الكوكب الأزرق البعيد. كانت عيناه تلمعان مثل الذهب تحت ضوء القمر الخافت، مليئتين بالأمل والخوف معًا. وبقي السؤال يتردد في ذهنه دون إجابة: كيف سيعيش على أنقاض وطنه المدمر؟