الفصل السادس : ميثاق الوجع
دخلت يارا إلى غرفة والدتها بخطوات مثقلة، كان الصمت في الغرفة يمزق الروح، ورائحة الأدوية تملأ المكان. نظرت إلى وجه أمها الشاحب، تلك المرأة التي كانت يوماً تضج بالحياة، والآن تذبل أمام عينيها كالوردة التي انقطع عنها الماء. كل شهيق تسحبه والدتها كان يبدو وكأنه صراعٌ أخير مع الموت.
أغمضت يارا عينيها بقهر، وكلمات أمير القاسية تتردد في أذنها كالسياط: "اعتبري أنكِ وقعتِ على شهادة وفاتها بيديكِ". مسحت دمعة هربت من عينيها، وحسمت أمرها؛ فلتذهب كرامتها إلى الجحيم، وليحترق كبرياؤها، المهم أن تبقى أمها تتنفس.
خرجت من الغرفة بخطى ثابتة، وجدت أمير واقفاً في الممر ببروده المعتاد، يسند ظهره إلى الجدار وينظر إلى ساعته الفاخرة وكأنه ينتظر استسلام فريسته.
وقفت أمامه، ورفعت رأسها لتنظر في عينيه مباشرة، وقالت بنبرة جافة وقاطعة:
"أنا أقبل.. سأتزوجك."
ا
رتمت ابتسامة نصر باردة على شفتي أمير، لكنها سرعان ما اختفت حين تابعت يارا بلهجة حادة وقوية:
"ولكن.. بشروطي أنا. هذا الزواج سيكون على الورق فقط. سأكون زوجة أمام والدك وأمام الناس، لكنك لن تلمسني أبداً يا سيد أمير.. لا يدك، ولا ظلك، ولا حتى نظرتك. هل فهمت؟"
ضاقت عينا أمير وهو يحدق في وجهها، واقترب منها خطوة واحدة ليفصل بينهما إنشات قليلة، ثم قال بصوت ممتلئ بالغرور والقسوة:
"ثقتكِ بنفسكِ مضحكة يا يارا.. لا تتوهمي كثيراً، فأنا لن أعجب بكِ أبداً. لستِ من النوع الذي يفتن رجلاً مثلي، وزواجي منكِ ليس إلا وسيلة لإنقاذ والدي. لذا، وفّري شروطكِ لنفسكِ، لأنني لا أرى فيكِ سوى صفقة قمتُ بشرائها."
نزلت كلماته عليها كالصاعقة، لكنها لم ترفّ لها جفن، بل ردت ببرود أشد:
"ممتاز.. اتفقنا إذاً. الآن، أريد أن أرى أمي في أفضل جناح في هذا المستشفى."
أخرج أمير هاتفه ببرود وبدأ بإجراء مكالمة فورية لنقل والدتها، بينما كانت يارا تشعر ببرودة تسري في قلبها؛ لقد أنقذت أمها، لكنها للتو باعت ستة أشهر من عمرها لرجل يرى كرامتها مجرد سلعة.