يوم الدفن ... حزن عميق/ 4
لم أستطع النوم ، لقد كان كابوسًا بالنسبة لي ، انتظرتُ أختي طويلًا ... ثم اسمع أنها عادت.. لكن عودتها لم تكن إلا عودةً ميتة ! مازلتُ غير قادرة على استيعاب هذا!! تجمعت الدموع في مقلتا عينيّ ، و بدأت تنهمر ، و أنا انظر للقمر منظره جميل لكن داخلي.. حزين ، مسحتُ آثارها لكنها لم تتوقف ظلت تنهمر و تنهمر آه ميلا مالذي فعلتيه بي ؟ لقد تركتيني وحدي ألم تقولي لي يومًا: أنكِ ستعودين ؟! هل هذه عودتكِ ماذا أفعل الآن بدونكِ ؟ غدًا يوم دفنكِ هل لي أن أتحمل هذا المنظر ؟ يا الله أثق بك أنكَ لن تضيعني مالذي أفعله ؟ ههه أتصرف بالسخافة! لعلكم تقولون الآن أنا ضعيفة ، نعم أنتم محقون أنا ضعيفة ، و سأبقى وحدي
في اليوم التالي تجهز كل من في الحي ؛ لمراسيم العزاء ، ارتديتُ الأسود ، لم أتخيل يومًا أنني سأعيش حزنًا أكبر من وفاة.. أمي ، و أبي
نظرتُ لنفسي في المرآة ، وجه كئيب ، عينانِ ذابلة ، كأني بلا روح ، و الأسود زاد من طلتي كآبة ، دخلت عليّ عمتي ، لنخرج.
خرجتُ معهما نمشي في الوسط بينما يحملون التابوت ، كلهم حمل حزنًا ،
بعضهم حزنوا لوفاة أختي فقد كانت طيبة ... و أستطيع أن أرى الفزع على البعض لعلهم لا يصدقون بعد كحالي تمامًا ، و رأيتُ البعض يشفق على حالي لم أهتم كثيرًا بنظراتهم فشعوري الآن أصعب من أن أهتم لشيء حتى.
كانت عمتي منى تبكي ، و تمسح عيناها بصمت ، أحزنني منظرها ، و عمي كان هادئًا ، أظنه يحاول إخفاء حزنه.. أما أنا فظللتُ صامتة أكاد أن أجزم أنها جافة من فرط بكاء البارحة.
وصلنا آخيرًا للمقبرة.
عندما بدأوا بانزال الجثة ،
توقفتُ حينها ، عينيّ توسعت من الشوق ، و أنا أرى ميلا بجسدها ، بعيناها المغمضة، ابتسامتها مازالت حتى بعد أن فارقت الحياة ! ، قلبي حنّ ، لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أسرع ، و أعانقها ، عانقتها و أنا أبكي أعرف كنتُ أصرخ بهستيرية و لكن .. ليس بيدي حيله فها أنا أراها بعد ثلاث سنوات ، اشتقتُ لها ، حاولوا أيقافي ، لكن هذا زاد تشبثي بها ، بعد برهة تركتها ، و أنا أشعر و كأني أودعها رمشت عينيّ بهدوء ، و شعري يتطاير في الهواء ، و فمي مفتوح نصفه ، تظهر على ملامحي الحنين ، و الرجاء ، نهضتُ ، و ابتعدتُ، و هم يضعوا الجثة الهامدة داخل التابوت ، نظرتُ لهم بصمت ، أضع يدي على منطقة قلبي ، أشعر يدق بسرعة ، فلتهدئي يا أنفاسي! إنها لحظتي الآخيرة ، كنتُ أنظر لهم و أنا اسمع للخطيب و هو يخطب:
_ " سيداتي ، و سادتي ، اليوم نجتمع لنخلد ذكرى ميلا ،
التي كانت دومًا هنا ... كانت تساعد ... تبتسم ... غابت عنها لمدة سنين ... و من المؤسف ، من المؤسف أن تعود إلينا هكذا ... تحياتي للسيد كريم الذي وجدتها ملقاةً على النهر"
توقف ، لينظر للعم كريم كان رجل في عقده الخمسين ، لوح ببعض الحزن ، ماذا ؟ هل وجدوا ميلا ملقاةً على النهر ؟ ماذا كانت تفعل هناك ؟ لماذا لم تعد مباشرةً ؟ يجب أن أتوقف نظرتُ للخطيب الذي انهى الخطبة بقوله :
_ " ادعو لها بالمغفرة والرحمة "
أخفض عينيه ، و بدأنا بصلاة الجنازة ، بعد أن انتهت المراسيم ، و غادر البعض حزينًا ، أما أنا فقد تقدمتُ أخيرًا نظرتْ إليّ عمتي منى بتفاجؤ ، و تحولت إلى نظرة قلق عليّ ، رأيتُ نُهى أرادت التقدم لكن تراجعت و هي تضع يدها على صدرها ، وقفتُ أنا أمام القبر ، انظر إليه ، وضعتُ يدي عليه ، و أغمضتُ عينيّ لأتذكر لحظاتي معها .