الفصل 6
مرّت أسابيع، بدأت فيها لميس تعتاد أو تحاول أن تعتاد على تنمّر جابر و سخريته المستمرة منها. لم تكن كل مرة تمر بسلام، لكنّها كانت تبتلع ردودها، تُقنع نفسها أن الصمت أهون من المواجهة معه. إلى أن جاء ذلك اليوم… اليوم الذي لم يكن كغيره.
خرجت من القاعة بهدوء، تحمل كتبها بين ذراعيها، و حقيبتها تتدلى على كتفها. كانت خطواتها متزنة و هي تشق طريقها في الممر، عيناها تبحثان عن تيا بين الوجوه.
مرّت بجانب مجموعة من الشباب، لم تعرهم اهتمامًا، حتى شعرت فجأة بشدّة تُسحب من كتفها.
حقيبتها.
اختل توازنها و كادت تسقط، لكنها تماسكت بسرعة، و استدارت بغضب. وجدت شابًا يمسك بحقيبتها، ينظر إليها بسخرية مستفزة.
اقتربت منه بخطوة، و صوتها ارتفع دون تردد
"هل جننت؟ أم أنك لا تعرف مع من تعبث؟"
ابتسم باستهزاء
"مع من، يا ترى؟"
سحبت حقيبتها من يده بعنف، لكنّه لم يتركها تمر. فجأة شدّها نحوه بقوة، فاختل توازنها و سقطت أرضًا.
رفعت رأسها بسرعة، و الغضب يشتعل في عينيها، تستعد لتصرخ
لكن المشهد أمامها تغيّر في لحظة.
الشاب نفسه سقط أرضًا.
و شخصٌ آخر فوقه.
تجمدت.
تمعنت بالنظر…
جابر.
كان فوقه، يبرحه ضربًا بعنفٍ حقيقي، لا يشبه أي شجار عابر. قبضته كانت قاسية، سريعة، و كأن كل ضربة تحمل غضبًا مكبوتًا منذ زمن.
تسارعت أنفاسها، و عيناها اتسعتا بدهشة.
لم تتكلم…
لم تتحرك…
فقط بقيت مكانها، تراقب
و كأنها ترى وجهًا آخر له… لم تكن تعرفه.
طالت المشاجرة، و تجمّع حولهما عدد من الطلاب، بين من يراقب بصمت و من يحاول التدخل دون جدوى. كانت ضربات جابر قاسية، متتالية، و كأنها تخرج شيئًا أعمق من مجرد غضب لحظي… إلى أن اخترق الصوت الحاد الفوضى.
"توقفوا!"
اندفع أحد المعلمين نحوهم، أمسك بجابر بقوة و ابعده عن الشاب، ثم صرخ بغضب
"هل تظنون أنفسكم في الحضانة؟!"
تراجع جابر خطوة، صدره يعلو و يهبط بسرعة، لكنه لم يبعد نظره عن الشاب الملقى على الأرض. كانت عيناه مشتعلة، تحملان تهديدًا صريحًا لا يحتاج إلى تفسير.
اقترب منه قليلًا، صوته منخفض لكنه حاد كالسكين
"إياك… أن تقترب منها مرة أخرى. أحذرك حفاظًا على حياتك، هل تفهم؟"
رفع الشاب رأسه بصعوبة، و مسح الدم عن شفته، ثم ابتسم بسخرية رغم حالته
"أليس أنت من يتنمّر عليها طوال الوقت؟ ما بك الآن تحميها؟"
اشتدّ فك جابر، و صوته خرج أكثر حدّة
"هذا لا يعنيك. لا تتدخل بيننا."
اقترب الشاب قليلًا، صوته انخفض كأنه يهمس ليستفزه
"أم أنك تفعل هذا… لأنك تحبها مثلًا؟"
لم يحتج جابر لأكثر من ذلك.
انفجر غضبه من جديد، اندفع نحوه، أمسكه من رقبته بقوة، و أعاده إلى الخلف، و عيناه مظلمتان بشكل مخيف.
"لا أحب إعادة كلامي…"
قالها ببطء، كل كلمة أثقل من التي قبلها
"إن رأيتك تقترب منها مرة أخرى… سأقتلك."
ساد صمت ثقيل.
حتى الهواء بدا و كأنه توقف.