الفصل5:رماد الماضي وطين الحاضر
[في قصر الهواري - الساعة السادسة مساءً]
كانت الشمس تغرب خلف تلال المدينة، تاركةً وراءها خيوطاً حمراء تشبه الدماء على نوافذ قصر "آسر الهواري". في مكتبه الواسع، كان آسر يجلس وخلفه لوحة ضخمة لأخته الراحلة. كان يمسك بيده ولاعة ذهبية، يفتحها ويغلقها بإيقاع منتظم.. تك.. تك.. تك.
دخل مساعده الخاص بخطوات حذرة: "سيدي، منصور اختفى تماماً كما توقعنا.. لكننا وجدنا الطرف الآخر من الخيط."
وضع المساعد ملفاً باهتاً على المكتب الرخامي. فتحه آسر ببرود، لتستقبله صورة لفتاة بملامح هادئة، وشعر متموج، وعينين تلمع فيهما عزة نفس لا تخطئها عين.
آسر (بصوت رخيم وبارد): "سارة.. ابنة أخيه. هل هي متورطة معه؟"
المساعد: "لا يا سيدي، هي تعيش في أقصى حي (السبت)، تعمل خياطة وتكاد تجد قوت يومها. منصور ترك لها الديون وهرب."
أغلق آسر الولاعة بقوة، ونهض ليتطلع من النافذة نحو المدينة القابعة تحت قدميه.
آسر: "الديون لا تموت بهرب صاحبها.. سأجعلها الثمن الذي يدفعه منصور مقابل كل قطرة دم سقطت من أختي. أريدها هنا قبل الفجر."
[في حي "السبت" - في نفس التوقيت]
على الجانب الآخر من المدينة، كانت سارة تجلس خلف ماكينة الخياطة القديمة. صوت الماكينة الرتيب كان يملأ غرفتها الصغيرة. كانت تحاول إنهاء "فستان زفاف" لفتاة من الحي، رغم أن عينيها كانت تؤلمانها من قلة الضوء.
توقفت للحظة، ونظرت إلى صورة والدتها المريضة النائمة في الغرفة المجاورة. تنهدت سارة وهي تحسب ما تبقى معها من مال؛ بالكاد يكفي لثمن الدواء وإيجار هذا الجحر الذي يسمونه بيتاً.
فجأة، انقطع التيار الكهربائي. ساد ظلام دامس، ولحقه صمت غريب في الزقاق الذي لا يهدأ عادةً. شعرت سارة بقلبها ينقبض. لم يكن انقطاعاً عادياً.. كان هناك شعور بالخطر يحوم حول الباب الخشبي المتهالك لشقتها.
قامت سارة وأمسكت بمقص الخياطة الكبير كنوع من الدفاع عن النفس، واقتربت من النافذة لتشاهد سيارات سوداء ضخمة لم يشهد الحي مثيلاً لها، تقتحم زقاقهم الضيق.
هذه هي البداية الحقيقية.. عالمان متباعدان، وقدر واحد يجمع بينهما.