الفصل 20
الجزء العشرون
دخل مكتبه الخاص فيه فــ المستشفى ..
علق جاكته ع المشجب وارتدى المعطف ..
واتخذ مكانه ع الكرسي خلف الطاولة ..
ليلة أمس لم يذق للراحة ولنوم طعم ..
شيء طاغي ومستحل ع تفكيره ..
نهى هي اللي أشغلت باله وأخذت الحيز الأكبر من تفكيره .. لازم ينقذها من ظلم وجبروت أبوها ..
ويوقف المهزلة هذي بأسرع وقت ممكن ..
ناظر الساعة لازالت الثامنة والنصف ..
مازال أمامه الوقت ليقوم بجولته اليومية ومروره ع قسم التنويم وتفقد أحوال المرضى .. مزاجه بحالة سيئة منذ مدة... وموضوع نهى زاد الطين بله ..يخاف أنه ما يقدر يفي بالوعد ..ويحررها من الأسر الذي يكبلها ..
لكنه سيحاول .. والتوفيق من رب العالمين ..
ومن توكل ع الله كفاه !..
ترن .. ترن ..
ما هذا الصوت المزعج الذي أقتحم أذنه وسبب زوبعة .
أستوعب الأمر أنه جرس هاتف مكتبه .
.هذا ما كان ينقصني .. همهم بها في سره ..
ورفع السماعة ليكف هذا المزعج عن صخبه !..
"هلا .. وعليكم السلام ورحمة الله ..إن شاء الله ..كلها دقيقتين وأكون عندك ..هــا ..ههه .. لا ما راح أتأخر ..سلام .."رئيس القسم يطلبه فــ مكتبه ..ماذا يريد منه .. سيذهب إليه ليستكشف جلية الأمر !..*
دخل د/ فارس مكتب رئيس القسم ليجده خلف طاولته يعبث بأوراقه .. وع الكرسيين الذين أمام الطاولة تجلس فتاتان ترتديان ملابس الأطباء "معطف أبيض ..وتلفان ع رأسيهما حجاباً أسود فقط .. بينما دعتا الوجه مكشوف" !...
تقدم فارس نحوهم وألقى التحية :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته !..
ردوا عليه جميعاً:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته !.
أشار رئيس القسم بيده ع الفتاتان وبلهجة جادة ونظرة ثاقبة :الدكتورة بشاير .. والدكتورة إلهام موظفات جدد .. أمس بس وصل خبر تعينهم عندنا بالمستشفى .. ونظراً لأن دراستهم مختصة بأمراض القلب .. راح يكونون معنا بالقسم .. وأنت المشرف عليهم يا د/ فارس وع تدريبهم هنا بالمستشفى إلى أن يعتمد تثبيتهم !..
هز فارس رأسه باهتمام لما يسمعه من حديث رئيسه ولم يكلف نفسه عناء التفات نحوهما !..
بينما تابع الرئيس كلامه :خذهم الآن في جولة وأطلعهم ع المرافق المهمة بالمستشفى والوحدة الخاصة لأمراض القلب ..اليوم بس إطلاع .. وبكرى تبدأ معهم التدريب العملي وتوافيني بتقاريرهم كل نهاية أسبوع !.
أدخل فارس يده في جيب معطفه :إن شاء الله ..الحين ببتدي معهم الجولة وبتكون سريعة لأن بعد ساعة تقريبا بيكون عندي الجولة اليومية اللي أمر فيها ع المرضى !.. وبكمل معهم فــ وقت ثاني من اليوم أو أأجله لـ بكرى ...فيه شيء ثاني تأمر فيه !..
قطب الرئيس حاجبيه :أي صح ..إذا انتهيتم من الجولة خذهم لمكتبهم ..المكتب المجاور لمكتب د/ زينة !..
ضيق فارس عيونه:إن شاء الله .. تفضلوا معي قالها وهو يدير ظهره ويخرج من الغرفة ولم يطلق بصره ناحيتهما !..
خرج فارس من المكتب بصحبة الفتاتان تجول الثلاثة ع المرافق وهو يشرح لهم بكل تفصيل وإيجاز.. يقف عند أسئلتهم .. ويعلق عليها بما يراه مناسباً!..ولازال يحافظ ع هدوئه وهيبته سمته ووقاره جديته ورسميته .. لم يتجاوز حدوده معهما .. فوضعه الاجتماعي وشخصيته هي من وضعت هذه الحدود فــ معاملته مع زميلاته فــ العمل من الإناث !..يريد أن يتملص منهما فوقت جولته الخاصة ع المرضى قد أزف ..أخذهما إلى مكتبهما الخاص!.
وقف فارس عند باب المكتب :هذا المكتب الخاص فيكم الحين أنا مضطر انسحب .. عندي مرور ع المرضى !..
أحدهما لم يعجبها انسحابه فـ غير وقته !..
ابتسمت بشاير وبنبرة مليئة بالدلع والرقة والغنج :ما تقدر تأخر جولتك لساعة ثانية .. إلى الحين ما أحس أني استفدت من الجولة اللي قمنا فيها !..
نزل فارس رأسه يسمعها ..باهتمام .. وينتظر بيت القصيد .. والمهم .. من هذه المقدمة !..
انتظرت بشاير فارس يعلق ولما طال سكوته كملت بذات نبرتها:طيب ممكن نروح معك أثناء مرورك ع المرضى ..ع أقل نستفيد بدل جلستنا فاضين !...
رفع فارس رأسه شتت نظراته بعد ما وصل إلى ما ينتظره :ما أقدر أتأخر ع المرضى أكثر من كذا .. واليوم هو أول يوم لكم يكون بس إطلاع ع المرافق ومعرفة الأشخاص المتعلق عملكم فيهم .. وبكرى بيكون كل شيء عملي ..وإذا استوعبتم العمل يكون تطبيقي ..أيضا!..
كتفت إلهام يدينها :والله يا دكتور إحنا متحمسات كثير !
انفعلت بشاير بحماس :من جد والله يا دكتور ..حتى لو كان عندك عميلة عادي ندخل نشاهد ونتدرب !...
تنهد فارس بملل :"ماذا فعل فــ حياته لتكافئه الدنيا بهذه المصيبة ":أنا استأذن الحين ..وبخليكم ..وأي حاجة تحتاجونها .. عندكم الدكتورة زينة . هي دكتورة مصرية من باب العلم بشيء..وإن شاء الله تفيدكم وهذا مكتبها ..أشر ع مكتبها ...تأمرون ع شيء !..
ناظرته بشاير بتفحص وبرقة وغنج مو لايقين عليها:دكتور .. ما غيرت رأيك يعني .. ما راح تخلينا نروح معك فـ جولتك !..
قطب فارس بحواجبه :"من فاكره نفسها الأخت مطيحة الميانة معه هو ما يسمح لأي أحد يحاججه أو يعانده ويرادده تجي هذي ع أخر عمره تكلمه بذا الطريقة ..من تكون .. ومن متى يفرض قرار ويرجع فيه!.."بنبرة هادية :لو سمحتي يا أخت أنا إذا قلت شيء وقررت قرار ما أحب أحد يناقشني فيه ..أو أتراجع فيه .. قلت بكرى نبدأ العملي .. وجولتنا اليوم انتهينا منها .. ودوري معكم خلص الحين ..وع شان أكون معكم واضح وصريح أبيكم تعرفون اللي لي واللي لكم ..ما أحب أحد يعارضني أو يحاججني ..قرار واحد أفرضه عليكم يتنفذ ..بدون جدال أو مناقشة ..أعجبتكم طريقتي أهلا وسهلا ..ما أعجبكم تقدرون تكتبون احتجاج وتسلمونه لرئيس القسم ..تطلبون مدرب غيري !..
ناظروا بعضهم بدهشة وغرابة وتعجب ...
فركت إلهام يدها بتوتر:عذرا دكتور ما كان القصد .. بس يمكن حماسنا زاد حبتين .. ع العموم راح ننتظر وإن شاء الله يكون خير!..
هز فارس أكتافه بعد اكتراث :أتمنى أنه يكون خير ..كلها فترة أسبوعين تتدربون فيها وتعدي .. وتكونون قد المسئولية وقادرين ع حملها ...ما أطول عليكم أنا أستأذن الآن !..
انسحب واتجه إلى مكتبه يأخذ ما يلزمه وما يحتاجه فــ جولته ع المرضى ..
وهو يفكر فـ المعضلة الجديدة التي أضيفت إلى رصيده الوافر من المعضلات!..
وكأنه ناقص هم جديد !...
دخلت الفتاتان مكتبهما وحدة منهما ترعد وتزبد والأخرى غير مبالية !..
رمت بشاير نفسها ع الكرسي :يا ربي وش ذا الدكتور ..مستشفى طول بعرض ما لقوا يحطون لنا إلا هذا ..نفسه فــ خشمه ..لا وفوق كذا مغرور وشايف نفسه !
هزت إلهام أكتافها بلا مبالاة وهي تجلس ع الكرسي مقابلها :ليه وأنتي بتناسبينه!..
هزت بشاير رجلها بتوتر :أنتي ما شفتي كيف كان يكلمنا ..ولا كلف نفسه حتى يشوفنا ..تقولين مغصوب
رفعت إلهام حاجبها مستنكرة :وش دخلك أنتي فيه ..الرجال محترم واضح من شكله وثقيل بالمرة ...بالعكس أنا أعجبني التعامل معه !..
صدت بشاير بوجهها :أنتي أعجبك كيفك أنا ما أحب أحد يسفهني أو يتجاهلني !..لا واللي قهرني زيادة أنه ما وافق أن إحنا نروح معه نمر المرضى ..وش بيخسر
وقفت إلهام :هذا جزاه ما يبي يتعبنا ويبي كل شيء بالتدرج ..بس أنتي الكلام ضايع معك ..أنا رايحة أشوف الدكتورة زينة وأتعرف عليها.. تبقين تروحين معي ..تعالي !..
تأففت بشاير:لا ما أبقى أروح لأحد أوأشوف أحد !..
أعطتها إلهام ظهرها :كيفيك أنتي حرة!..
طلعت إلهام من المكتب تستكشف بنفسها باقي الأوضاع وتركت خلفها بشاير تقلي وتفور من شدة الغيظ والقه
كان فــ محله ومتخذ مكانه فــ الإدارة ..
يراقب سير العمل والعمال ..
أي أحد يشوفه يتوقع أن عقله وفكره وجميع حواسه مع عماله وعمله ..
لكن اللي حصل هو العكس ..
قاعد معهم بجسده ..لكن عقله وأفكاره في مكان أخر ...
تغرب ساعة .. وتشرق ساعات ..
يفكر بالأحداث اللي صارت فــ ثمانية أشهر ماضية ..
خيانة نسيبه وسرقته لهم ..
صلحه مع أخته بدرية ورفض منى وراشد عقد الصلح معه من جديد ..
خروج حمود لــحياتهم من جديد ..
والخبث اللي يحمله فـ قلبه والنوايا الشريرة التي يترصد هم بها ..
أموره المادية مستقرة أموره العائلة فــ تحسن حتى لو كان بمقدار بسيط ..
ومن طرف واحد..موقف بدرية الجيد الذي قامت به بتحسين العلاقة ..وأمنيتها بأن إخوتها يجتمعون قلبا وقالبا ..
يعتبر موقفاً نبيلاً يُشهد لها به ..ويُثنى عليها بسببه ..
ليه يكون موقفه سلبي ضد أخوه راشد .. وأخته منى ..
ليه ما تأتيه الجراءة ليعيد بناء العلاقة من جديد ..
حتى لو ارفضوا قربه منهم يحاول مره واثنتين وثلاث وعشر إلى أن يحنن ربي قلوبهم عليه...
ولولا فضل بدرية بعد الله فــ إعادة العلاقة وبنائها من جديد ..
ما فكر أبداً أن يصالحهم ..ولضلت العلاقة مقطوعة أبد الدهر ..
محاولة بدرية فتحت له المجال أن يحاول هو أيضا فــ إعادة علاقته المقطوعة بأخته منى وأخوه راشد ..
يعرف أن منى وراشد مختلفون دائما ..
وعمرهم لم يتفقوا .. والأمر الوحيد .. الذي اتفقوا عليه ..أو المرة الأولى التي اتحدوا فيها هو شن الحقد والكره عليه وقطع أي علاقة تربطهم فيه!...
سيحاول فــ منى أولا ..فهي ضعيفة وغبية ..
وغرورها هو ستار تحجب به ضعفها وغبائها..
كبرها وحقدها عليه وع زوجته وابنه وبناته ..
ما هي إلا برتوكولات مزيفة !.. وعلاقته بزوجها ع أتمها وهذا سيسهل مهمته ..
وسيتعين فيه بعد الله فــ إصلاح الأمور ..وإعادة بنائها وإقامتها من جديد ..
والعمل ع ترويض منى وإعادتها إلى جادة الصواب..
لن يتوانى فــ هذا الأمر .. فسيقُدم عليه ..فــ أول فرصة تتاح له !..
لما عرفت بما أصابها وبما حل بها من أزمة مرضية مفاجئة قدمت لمنزلها تزورها وتطمئن عليها بنفسها .. وها هي الآن تشاركها الجلسة .. وكعادتها فتحت قلبها تفضفض لها عما يحزنها وما يكدرها وما يجول بخاطرها .. وهي تسمع بكل انتباه وتخفف عليها وتبعد عنها حزنها وضيقها !...
تناولت أم بندر فنجال القهوة الموضوع ع الطاولة وارتشفت منه:سلامات يا الغالية .. وش أصابك كنت عندك قبل أمس ما فيك شيء !..
وضعت أم ناصر يدها ع قلبها كأنها تذكرت الوخز الذي تحس فيه :قلبي مقبوض ..وأنا ماني مرتاحة من طلعتي من بيتنا إلى الحين أحس فيه !..
قطبت أم بندر حواجبها :طيب وش السبب !..
هزت أم ناصر أكتافها :مدري يا أختي !..
ناظرتها أم بندر بتفحص :كان خليتي ناصر يأخذك للمستشفى وهناك يشخصون حالتك!..
هزت أم ناصر رأسها :ما راح أستفيد بشيء إذا رحت هناك !..
قطبت أم بندر حواجبها :ليه ما راح تستفيدين ..الأطبة وش وظيفتهم غير التخفيف ع المرضى !...
تنهدت أم ناصر بكدر :اللي أحس فيه داخلي نفسي .. ما هو عضوي ما تنفع معه العلاجات والأدوية !...
ارتشفت أم بندر المزيد من القهوة وبعد تفكير :تذكرين طيحتك الأولى وش كان سببها التوتر والتفكير والغلق .. والضغوط النفسية اللي تمرين فيها فـ الفترة الماضية ..الحين أمورك زانت ..أبو ناصر ورضا عليك تمام الرضا .. وعيالك وما عليهم شر .. وش اللي يكدر خاطرك !..
قلبت أم ناصر الكلام برأسها والحيرة تتملكها وبعد تردد: أهلي !..
قاطعتها أم بندر مستغربة:أهلك وش فيهم !...
تنهدت أم ناصر بضيق : أنتي تذكرين الفترة اللي أهلي يتصلون فيني يبغون أبو ناصر يرسل لهم المبالغ المتعود يعطيهم إياه لكنه بعد ما سرقه أخوي ..رفض وقطع المعونة اللي يرسلها لهم ..هم طبعا كلموني أتوسط لهم ..لكن أنا خفت من أبو ناصر لأنه لو عرف .. ما راح يعدي الموضوع ع خير ..وطلبت من ناصر ورفض هو الثاني ..و ما صار فـ يدي حيلة فقلت لهم ما أقدر أعطيكم أي شيء ..بعدها ناصر غير أرقام التليفون وانقطعت أخبارهم عني ..وأنا ما اتصلت فيهم بعدين!
هزت أم بندر رأسها :بالك مشغول عليهم اتصلي فيهم واسألي عنهم !..
أخذت أم ناصر نفس :مو هنا المشكلة ..الشغالة قالت لي أنها إذا طلعت من البيت ترمي الزبالة بالليل تشوف رجال غريب واقف عند البيت ولما يشوفها يحرك سيارته .. ومرة نزل وكلمها وسأل عنا كلنا !..
لوت أم بندر فمها :طيب وش دخل الغريب فــ أهلك !..
كتفت أم ناصر يدها :أنا شاكة أنه واحد منهم ..يعني واحد من أخواني .. وما هو بعيدة يكون أخوي وحيد !..
أسندت أم بندر ظهرها ع الكنب:طيب والشغالة ما تعرف أخوك وحيد ..أو تتذكره أكيد شكله مر عليها من قبل !..
حطت أم ناصر يدها ع ركبتها :لا هذي الشغالة الجديدة ما تعرفه !....
مررت أم بندر يدها فــ شعرها :ما أعتقد أنه أخوك وحيد ..أكيد راح يخاف من أبو ناصر بعد اللي سواه فـيه .. وماله وجه يقابله !..
رفعت أم ناصر حاجبها الأيمن مستنكرة :طينت وحيد نفس طينت حمود يخوفون بلد ما يخافون وهذا حمود رجع بعد أفعاله وما أهتم بحد !..
حكت أم بندر جبينها بتوتر :يمكن حمود هو اللي يوقف سيارته قدام البيت !..
أشرت أم ناصر أصبعها :لا يا هند ..حمود كلنا عرفنا أنه رجع لديرة ودخل علينا من الباب وما تخفى ... ما فيه إلا هم أخواني !..
ضيقت أم بندر عيونها :وإخوانك من وين يعرفون البيت ومن وين لهم السيارات !..
أسندت أم ناصر ظهرها ع الكنب :وحيد أنت عارفة كان عايش عندنا ومعنا وعارف كل صغيرة وكبيرة عنا ..وأخوي الثاني أكبر باشا يشتغل ممرض بمستشفى بالرياض ومن فترة لفترة يطل علينا ..ومن بعد موضوع وحيد ما حد فيهم تجرأ وجاء أو كلم غير أبوي
تنهدت أم بندر بحزن :طيب أبو ناصر وناصر عندهم خبر بالموضوع !..
هزت أم ناصر رأسها بيأس :علمت ناصر وقال انتبهوا ولا تفتحون الباب لـــأي حد غريب وهو بــ يتصرف بنفسه .. بس ما قلت له اللي أحس فيه تجاه الغريب ومن اللي أتوقع يكون .. لأني شاكة!..
حطت أم بندر يدها ع كتف أم ناصر :لا تكدرين نفسك ولا تضايقنها وكل عقدة لها حلال وربك يفرجها من عنده !..وما دام أنك قلتي لــ ناصر ارتاحي وهو يشوف الموضوع بنفسه !..
هزت رأسها وتنهدت براحة بعد ما طلعت كل اللي يجول بخاطرها لصديقتها ورفيقة عمرها وأختها اللي أمها ما جابتها ..
وهناك خلف الباب سمعت بكل الحوار..
لم يكن ذلك بقصد منها...
كانت تنوي الدخول عليهم وأطراف حديثهم وصل لسمعها...
وقفت مذهولة تستعيد كل ما سمعته وبرمجته عدة مرات في رأسها ..
ولم تعي شيئا ربما لأن ذهنها لازال مشوشاً ..
حارت فــ أمرها تكمل طريقها إليهم ..أم تعود أدراجها من حيث أتت !...
دخل بيتهم راجع من المسجد بعد ما صلى العصر ..
قطع الفناء الخارجي ودخل الصالة الخالية ..
أمه أكيد فــ غرفتها تصلي ..
قرر يطلع لها ويقعد معها شوي قبل ما يطلع للمحل .. طن.. طن ...
تأفف بداخله من ذا الإزعاج ..
جرس الباب يرن ..
من القادم إليهم فــ وقت مبكر مثل هذا ..
ماله خلق يقابل أحد وهو الحين سيتجه للمحل ..
ما شاء الله عليك يا بندر ..
واثق من نفسك بزيادة أن القادم لك ..
يمكن يكون لأمك ..
توجه للخارج يفتح الباب ويشوف من اللي جايهم ..
فتح الباب وما شاف أي شخص واقف قدام الباب ..
سكر الباب ورجع يدخل الصالة من جديد ..
طن ..طن ..
تأفف بضجر من هذا ..
عديم الإحساس والشعور..
يزعج الناس ..
فــ أوقات راحتهم ..
فتح الباب مره أخرى ..
ولم يشاهد أي شخص يقف أما الباب ...
لا الظاهر أنهم مسخوها زيادة عن اللزوم ..
سكر الباب بأقوى ما عنده ..
ورجع يدخل الصالة إلا أمه تطلع فــ وجهه !..
وقفت أم بندر عند باب الصالة:من اللي يدق الباب يا بندر !..
هز بندر أكتافه :ما دري واحد فاضي قال يتسلى ويزعج الناس فــ بيوتهم !..
ناظرته أم بتفحص و"تذكرت أمر الغريب الذي أخبرتها أم ناصر عنه ":ما رحت للمحل !..
تقدم بندر بخطواته لأمه :الساعة أربع ونص بمشي !..
هزت أم بندر رأسها وبعدت عن الباب تدخل الصالة وضع بندر قدمه اليمنى عند مدخل الصالة ..إلا ذاك الطنين المزعج يعاود عزف سيمفونيته "طن .. طن ..
تضجر وتذمر بندر من هذا المزعج الذي لا يكف عن صخبه :يا ربي ما يتعب هذا من إزعاجه !
مسكت أم بندر كتفه :خله يولي لا تتعب نفسك وتروح تفتح له !..
هز بندر رأسه معارض :بروح أشوف من عند الباب ... بس خليني أعرف من هو لأذبحه وانهيه من الوجود!..
ارتاعت أم بندر :مجنون أنت تتهور ... بطقاق اللي يطقه .. خله يولي وينقع بره .. ما راح يتعب إلا هو!..
تجاهل بندر كلام أمه ...وعاد من حيث آتى ..
توجه وفتح الباب ..
لكنه ..
لم يقف كالمرة السابقة في وسط داره ويشوف القادم ..
هذه المرة خرج ونزل عتبات الباب ..
ولف يمنة ويسرة يترصد قادما ...
لكن الزمن توقف بتوقف نظراته عليها ..
أن بصره معلق عليها ..
أن رموشه لا ترف ..
وأنفاسه تعلو وتهبط ..
لم يتمالك نفسه ..
أن يراها ..
ولا يرتشف ملامحها فــ حضورها ..
أنه يتلمس أطيافها فـ غيابها ..
فماذا عساه يفعل فــ حضورها ..
ترجل مسرعاً إليها ..
أنه يحلم أن يمتلك مثلها ..
هنيئا لصاحبها بها ..
نظر إليها مليا ..
الهمر أمامه ولا يصنع شيئا ..
فتح بابها ..
وكانت الصدمة الكبرى حينما رآه متربع ع كرسي القيادة !..:
حط بندر يده ع خصره :وش ذا الخيانة ..تشتري همر ولا تقول لي !..
لف ناصر يناظره :ومن تكون ع شان أقول لك !..
قطب بندر حواجبه :لا وهذي اللي ما هي معجبته وراح الوكالة واشتراها لنفسه !.. وقلد ناصر :الهمر ما هي عملية أنت وأمك اثنين .. انتظر لما تتزوج وهذا أنت اشتريتها وما افتكرت بحد !..
هز ناصر أكتافه بعد اكتراث: ومن قال أني اشتريتها لأن نفسي فيها ..اشتريتها نكاية فيك !..
عطاه بندر ظهره بـ يرجع بيتهم:ما كان العشم فيك .. يا من كنت أعتبرك أخوي !..
رفع ناصر حاجبه :كنت تعتبرني أخوك يعني الحين ما ني أخوك !...
تراجع بندر بخطواته لبيتهم :الأخ ما يسوي كذا بـ أخوه!..
لكنه وقف لما سمع :هـــا يا بندر وين رايح !..
لف بندر وطالع فــ أبو ناصر :أبد يا عمي رايح البيت ..أتجهز للمحل !..
ابتسم أبو ناصر بهدوء :عسى أعجبتك السيارة !..
رفع بندر يطالع السيارة وبالمرة شاف ناصر نزل عيونه لــ أبو ناصر :أكيد ما عليها كلام !..
مد أبو ناصر مفتاح للبندر : خذ هذا مفاتيحها .. مبروك عليك السيارة ..والله يعطيك خيرها وكافيك شرها !..
قطب بندر حواجبه مستغرب :السيارة ما هي لناصر !..
تفحصه أبو ناصر بنظراته :لـ ناصر من اللي قال!..
لف بندر يطالع ناصر اللي ما زال بالسيارة ولا يسمعهم :هو قال أنه اشتراها لنفسه !..
طالع أبو ناصر.. ناصر وضحك : الظاهر أن هذا مقلب من مقالبه .. خذ مفاتيح السيارة ..وهذي هدية نجاحك .. مع أنها جت متأخرة !..
نطق وجه بندر بالبشر والسعادة تقدم لــ أبو ناصر وقبل رأسه :تسلم يا عمي ..ليه كلفت ع نفسك .. رضاك على هذا أحسن هدية !..مشكور يا عمي عسى عمرك طويل
حضن أبو ناصر بندر :لا تقول الكلام مرة ثانية حالك حال ناصر واللي أسويه لناصر أسوي لك مثله .. وناصر لما تخرج من الثانوية أهديت له سيارة ..ولما قال لي ناصر أن نفسك في ذا السيارة قلت ما يبقى لها كلام ..تكون عنده .. مدام أنها فــ نفسه ..وأنا كذا ..كذا بأخذ له سيارة أي نوع !..
ابتعد بندر عن حضن أبو ناصر :يا عمي مهما قلت ومهما سويت .. ما قدر أوفيك بحقك .. جميلك مغرقني من رأسي لـ رجليني !..
اشر أبو ناصر بأصبعه لبندر : لا تزعلني منك ..أسكت لا تقول ولا شيء .. ما في أي ولد يشكر أبوه ع القيام بواجبه ..وما في أي جمايل بين الأب وعياله !..
ابتسم بندر وسكت ...... ما عنده تعليق !..
حط أبو ناصر يده ع كتف بندر :يله رح شف سيارتك عن قرب .. وأنا بسبقكم للمحل .. لا تتأخرون ..قل لـ ناصر ذا الكلام .. تبقى شيء قبل ما أروح !..
هز ناصر رأسه :لا مشكور يا عمي .. سلامتك ورضاك عندنا بالدنيا !..
راح أبو ناصر يركب سيارته ..متجه لمحله !..
بينما بندر هجم ع ناصر :أقول أنزل بسرعة عن سيارتي يا الكذاب!..
استمر ناصر بقيامه فـ ضبط محطات الراديو :خلصتم فليمكم الهندي ولا بعدكم !..
ناظره بندر بغيظ :ناصر أنزل خل أجرب سيارتي .. وأملا عيني منها !..
ناظره ناصر بطرف عينه :يا أخي ما تفهم السيارة أعجبتني وبأخذها .. وأنت خلك ع نيتيك الأولية .. وخذ لك وحدة من الوكالة !..
تخصر بندر :آسف الهدية لا تهدى ..أقول لا يكثر عندك خمس ثواني تنزل من السيارة !..
قاطعه ناصر ببرود :وإذا ما نزلت وش بتسوي !..
شد بندر ع أسنانه من الغيظ :بتشوف بندر ثاني غير اللي تعرفه!..
ربت ناصر ع كتفه :أعصابك ..أعصابك لا ينط لك عرق ..بس تصدق ودي أشوف بندر اللي تقول عنه !...
أبعد بندر يد ناصر عنه :أنزل الحين ما دام النفس عليك طيبة !..
ضحك ناصر وانتقل للمقعد المجاور :تفضل خذ مكانك ورنا الفيلم الهندي اللي بصير الحين !...
تجاهله بندر وأخذ مكانه يشوف السيارة اللي تمنى أن يمتلكها فــ يوم من الأيام .. وربي من عليه وأعطاه أمنيته !..
ناظره ناصر بتفحص وقطع اندماجه فـ التأمل :الحين أنت ما تعلمني شـ لون تفتح سيارات العالم بدون أذنهم
قطب بندر حواجبه بعد فهم ولف يناظره :أنا متى صار
حرك ناصر يده :علينا ..نسينا ما كلينا .. ومن طلع من بيتهم وجاء يركض يفتح باب السيارة بدون أحم أو دستور !...
حك بندر جبينه وتذكر السبب اللي طلعه من بيتهم :أنا طلعت من بيتنا أشوف اللي ... وسكت وكأنه استوعب ..ناصر أنت اللي ترن جرس بيتنا وتنحاش عقب ولما أطلع ما أشوفك !..
مثل ناصر الارتباك :أنا ..أنا أصلا كنت فـ بيتنا وما طلعت ..أي صح ما طلعت .. وش يجيبني عند بيتكم !..
رفع بندر حاجبه الأيمن :بزر تكذب على .. صدقتك أنا الحين ..يله أنزل عمي ينتظرك بالمحل .. وقال لي قول لناصر لا يتأخر عندنا اجتماع مهم !..
ما مشى الكلام ع ناصر :الكلام كان موجه لك وليس لي فقط ...وأبوي قال لي لا تتأخرون عندنا جرد بالبضاعة
لوا بندر فمه :يعني ضروري اليوم أداوم !...
هز ناصر رأسه بخبث :أكيد ضروري تداوم .. ما هو أنت شريك معنا .. أنا بنزل أخذ شماغي من البيت وراجع بسرعة ..أجي وألقاك متجهز ومستعد !..
لم يكلف بندر نفسه أن يلتفت عليه :أنا مستعد من زمان ..أنتظرك هنا بنروح بسيارتي الجديدة !..
توجه ناصر بيتهم وترك بندر يتأمل سيارته ويستكشفها ويشوف مميزاتها وخصائصها وأوضاعها...
تذكر ناصر كلام أمه عن الغريب مجهول الهوية ..
وإلى الحين ما وصلوا له ..
شغل حواسه كلها فـ دخوله وخروجه عله يلقى أحد غريب عند المحل أو عند البيت ..
لكنه إلى الحين ما حدد أي شخص يتميز بهذه الصفات .
شخص غريب متخفي أو سيارة غريبة..
أخذ أغراضه من بيتهم وطلع مره ثانية ..
ووقف عند باب البيت تلفت فـ اتجاهات الحي جميعها لعله يلمح أي طيف غريب ..
لكنه لم يوفق ...
ولم يرى ظل لأي إنسان ..
الله يعينهم جميعاً ع الأيام المقبلة ..
وإن شاء الله يكون القادم أفضل ..
ولا يصيبهم مكروه من تتبع الغريب لهم ..
وخاصة أنه لم يتخذ أي خطوة للأمن والسلامة ..
أو يتخذ الاحتياطات اللازمة التي ستفيده لو داهمه الغريب فـ حين غرة!..
ركب سيارة بندر الذي لا زال ع وضعه ..
ولما استوى بجلسته ع الكرسي ..
حرك بندر الساهي سيارته متجهين للمحل بصمت مطبق !.....
فـ غرب المملكة تحديداً .. وفـ مكان يدعى جدة أم الرخى والشدة..
كانت جالسة لحالها فـ صالة بيتها الكبيرة ... وطبعا هي متعودة أنها تقضي الوقت فـ بيتها لحالها ..إذا كانت موجودة فــ بيتها أما إذا كانت غير موجودة فـ بيتها فالحال يتغير ..ما حد يفقدها أو يهتم بغيابها ..حالها حال رجل أي كرسي في البيت ..زوجها وولد زوجها ما يستمتعون بجلوسهم معها ..اليوم ما طلعت من البيت كعادتها كل يوم ..لأنها لاحظت أن زوجها وولده عندهم مؤامرات وأسرار وهي ما عندها خبر ما هو من اليوم بس إلا من فترة ماضية .. لكن اليوم زاد الوضع وزاد الأمر سوء..مستحيل تسأل زوجها لأنه بكل بساطة ما راح يبرد قلبها ويسكت فضولها ...أما ولده فعلاقتها به رسمية وفــ حدود ..من بعد معرفته أنها تكذب عليه وتخدعه فــ موضوع خطبته لنهى ... فصار يتجنبها .. ويتجنب الحديث معها ..و يتجنب حتى مشاركته لها المكان نفسه... الفضول يذبحها وهي تشوف زوجها اليوم ملازم الجوال بشكل غير طبيعي ومكالمة صادرة ومكالمات واردة ...ومكوثه فــ غرفة ولده بساعة والساعتين وغير كذا دوامهم بالشركة كانت فـ فترة الصباح بس واللي كانت الساعات الأولى تقريبا إلى أذان الظهر ..أما الفترة المسائية كانوا فــ البيت وطلعوا قبل المغرب بساعة ورجعوا بعد ما صلوا وبدأ عالمهم الغريب اللي تجهله كــغرابتهم !...
انتبهت من التفكير والسرحان ع صوت ولدها معاذ اللي يهزها :نعم حبيبي معاذ شــ فيك !..
لازال معاذ حاط يده ع ركبة أمه :ماما أبغى ألبس ثوب وشماغ مثل هشام !..
ناظرت خلود معاذ اللي كان لابس تي شرت وبرمودا:حبيبي ملابسك حلوة ليه تبقى تغير !..
حرك معاذ يده وبلهجة الطفولة :ماما هشام قال ملابسي هذا ما تصلح أروح معهم وأطلع فيها لرجال ..أنا لازم ألبس ثوب وشماغ ع شان أكون مثل بابا وهشام !...
تأملت خلود كلامه وفكرت "ليه ما أسأل معاذ أكيد يعرف وش فـ أبوه وأخوه ":طيب أنتم وين راح تروحون !..
حط معاذ يده ع فمه فـ محاولة منه منع ضحكته :مدري .. بس هشام يقول اليوم بيتزوج !...
"يتزوج" كررتها فـ نفسها عدة مرات وقامت تستطلع جلية الأمر بعد ما نادمت الشغالة الخاصة لـ معاذ ..تغير ملابسه !..
دخلت خلود غرفة هشام بعد ما استأذنت منه شافته واقف يتطيب بدهن العود وشكله وهيئته تدل ع أنه فعلاً معرس :مبروك يا ولدي .. قال لي معاذ اليوم زواجك .. يعني اليوم ملكتك صح !..
لف هشام وأعطاها ظهره ما وده يشوفها وبدون نفس :الله يبارك فيك .. أي صح!..
لوت خلود فمها :طيب ليه ما خبرتوني أن الملكة الليلة ع شان أستعد.. وأروح معكم وأقوم بالواجب!..
قطب هشام حواجبه :تستعدين !!...وجودك غير مرحب فيه الليلة ..وأصلاً وجودك فــ حياتنا أكبر غلطة !...
فتحت خلود عيونها ع أخرها بدهشة ممزوجة باستنكار :كذا يا هشام أنا فــ مقام أمك ..أنا اللي ربيتك بعد وفاة أمك لما كنت صغير عمرك ما تجاوز اثني عشر سنة..أنا اللي عمري ما فرقت بينك وبين معاذ .. تقول لي كذا .. ما كان هذا العشم يا ولدي !..
أصر هشام ع أسنانه بغيظ :لا تقولين ولدي ..أنا ما يشرفني أنك تكونين أمي ..الأم ما تكذب ع ولدها ولا توهمه ..وتعيشه فـ سراب !... أطلعي بره ما دام النفس عليك طيبة !..
حاولت خلود تستعطفه ويحن قلبه عليها :بس يا هشام أنا جاية أبارك لك وأهنيك ع الملكة كذا تسوي فيني .. أنا غلطت فعلا لكن بحسن نية أنا ودي أن نهى تكـــ !..
قاطعها هشام وعلا صوته : ما أبقى أسمع شيء ...أنتي لو عندك ذرة كرامة ما فاتحتي الموضوع من جديد .. ولا وقفتي بعد ما طردتك ...أطلعي بره !...
اكتأبت خلود وتكدرت وطلعت تجر أذيال الخيبة والحزن والضيق توجهت لزوجها تكمل معه الحوار والمجادلة:
دخلت خلود جناحها الخاص وكان زوجها جالس فــ الصالة يكلم جوال وشكله يوصي اللي يكلمه ع ترتيبات الملكة والعشاء ......."
أنهى مكالمته وشافها تناظره بغيظ استغرب منها :ليه تناظريني كذا !..
شدت خلود ع أسنانها بغيظ :ممكن أعرف ليه ما خبرتني أن الليلة ملكة هشام !..
رفع أبو هشام حاجبه الأيمن باستنكار:أخبرك !.. بأي صفة !..
تنهدت خلود بضيق:أنا زوجة أبوه وفـ مقام أمه !..
قطب أبو هشام حواجبه :فــ مقام أمه ..الأم ما تسوي فــ ولدها اللي أنتي سويتيه .. وجودك ما هو لازم وحضورك ماله أهمية .. وبعدين عماته وخالاته قايمات بالواجب والزيادة!..
جلست خلود ع الصوفا :وجودي ..لازم .. وأنا أولى من عماته وخالاته ..أنا زوجة أبوه وفــ مقام أمه ..يكفي أني ما رحت معكم فــ الخطوبة الرسمية ..الناس وش بتقول عني .. أنا مو راضية ع زواجه ..و قليلة أصل ما أوقف مع زوجي وولده فــ الأفراح والأحزان والمناسبات عامة !..
ضحك أبو هشام باستهزاء: رجعت قالت لي أمه ..أصلا أنتي كل اللي يهمك كلام الناس وأيش حــ يقولوا عنك .. والنظرة اللي يطالعونك فيها ..يا حرمه خلي الطابق مستور !...
انفعلت خلود بعصبية :وش قصدك يا ليتك توضح !...
حط أبو هشام رجل ع الأخرى :الحركة اللي سويتها فـ هشام .. ما هو معناه أني ما تكلمت يعني أني ما عرفت
هزت خلود رجلها بتوتر :يعني أنت عرفت !.. طيب هشام كيف عرف!..
ابتسم أبو هشام بسخرية :أنا اللي قلت له ..أنها تضحك عليك ..البنت وجدتها وخالها ما هم موافقين وما هو
بعيدة أبوها يرفض !..
مررت خلود يدها بشعرها :أنت !.... وكيف عرفت .. أقصد من اللي قال لك !..
ناظرها أبو هشام بطرف عينه :بـ تغيرين شيء لو عرفتِ !..
فركت خلود يدينها بعضهم :ما راح أغير شيء بس أبي أعرف لشيء بداخلي !..
حك أبو هشام ذقنه وبدون أدنى اهتمام:غانم ...أبو فارس أخوك !...
طلعت عيون خلود من محاجرهم من الصدمة :غانم .. متى وكيف وليه ..وش قال أصلا وبأي حق يقول لك !..
هز أبو هشام أكتافه بعدم اكتراث :الرجال كثر الله خيره ما قصر ..اتصل يعتذر ع الخطوبة الوهمية ... خطوبة هشام ... بقرف .. لبنتك .. ظن أني بشيل بخاطري عليه ..أو بصير حزا زيات ..بينا .. إذا عرفنا رأيهم الحقيقي بالموضوع ....وأن ما صار نصيب لولدنا عندهم ..قال لي بالحرف الواحد .."نسبكم يُشترى ..وما مثلكم يُرد ...بس أنا خطبت البنت من أبوها لولدي ريان ..وهو وعدني خير .. وخلود ما تدري .. ولما تكلمت عن خطبة هشام لنهى ..وقلت لها أني سبقتكم وخطبت البنت من أبوها .. يعني نهى الحين فـ حكم المخطوبة .. لكن خلود عارضت الله يهديها وصممت أن نهى تأخذ ولدك ...مع أن نهى ما وافقت وكان ردها بالرفض للخطوبة.. و حاولت خلود تغصبها وتجبرها بالضرب!.. وحتى لو ما كانت نهى مخطوبة ..أوهي وافقت احتمال كبير أبوها يرفض ارتباط بنته بولدك .. لأن فــ زواجها منه قربها لأمها وهذا اللي ما يبقيه أبوها !... وإن شاء الله ما تتأثر علاقتنا السابقة .. وتستمر ع حالها وما يأثر عليه رفض الخطبة "!.. ورديت عليه إذا كان يهمك ردي ..قلت له ..حصل خير وما صار شيء يخلي علاقتنا تنقطع ..الزواج قسمة ونصيب ..والله يوفقك ولدك معها ويستر عليهم .. وبشرته أني خطبت لــ هشام .. بنت شريكي أبو هاني داليا !...
كانت خلود تسمع وعلامات الدهشة والغرابة والقهر تعلو وتظهر فـ وجهها !..
كمل أبو هشام لأنه كان يحس بالكبت من فترة ولا صدق أنها تفتح مجال للحوار ولا ينتهز الفرصة مجادلتها فيه :أنا أصلا استغربت رجوعك من زيارتك لأهلك بدري قبل ما تنتهي موعدها .. وما مشى تبريرك وكذبك على مثل ما مشى وعدى ع هشام ..أنك أنهيتي الموضوع .. ورجعتي تبشريه ..وخاصة أعذارك الواهية شككتني .. بس سكت وعديت الموضوع عادي .. قلت يا خبر اليوم بفلوس بكرى بلاش..راح يجي اليوم اللي نعرف الحقيقة ..لكن اتصال أبو فارس بعد يومين من وصولك ..كان كفيل بتوضيح الأمور وكشف الحقائق !...
وهي ظلت ع حالها تسمع بهدوء ظاهر عليها لكن داخلها براكين وزلازل تنتظر إشارة وحدة عشان تثور
وقف وركز نظراته المستهزئة عليها :وبعد أفعالك هذي بكل قواة عين تبقين تروحين معنا تحضرين الملكة ..أحلمي بس ..أنت حالك الكرسي اللي جالسة عليه .. وجودك هنا ع شان معاذ بس .. ولما أمل من الوضع هذا أقرر أنك تطلعين من حياتنا أنا وهشام ومعاذ.. ولا تتوقعين أني بـ أسمح لك تأخذين معاذ معك ..لا تحلمين ..ما ني مغفل مثل طليقك خلى عندك بنتك وتزوجتي بعد انتهاء العدة ورميتي بنتك عند أمك ... مستحيل أخلي حياة ولدي مثل حياة أخته !...
ناظر أبو هشام الوقت وما بقى إلا ربع ساعة ع أذان العشاء يا دوب يروح يتحمم ويتجهز للملكة اللي بتكون فــ بيت أهل العروس بعد صلاة العشاء !. مشى متجه لغرفته بعد ما أطفأ النار المشتعلة بقلبه!..
وتركها منهارة وحاقدة ع الناس كلها أخوها غانم وزوجته وعياله وبنتها وطليقها وزوجها وولده ..حقدت ع غانم أكثر واحد وبشكل ما يتصور بأي حق يسوي اللي سواه .. ويدخل نفسه فــ اللي ماله فيه ..ويبرر الموقف والتصرف ع هواه ..هذي بنتها وهي الوحيدة اللي تتحكم فيها وتقرر حياتها ومستقبلها ..راح تنتقم منهم واحد ..واحد ..وتطفئ النار الحقد اللي تسعر بقلبها !..
طلع من المحل بعد ما خلص عمله ركب سيارته متوجه لبيته طالع ساعة السيارة لازال الوقت بدري ع رجوعه لبيتهم ..
قرر ينفذ الفكرة اللي راودته من فترة بكل قوة وشجاعة وبدون أي تواني أو فتور..
ما في أي مجال للتأخير .. يدق الحديد وهو حامي ..
كي لا تفتر عزيمته وهمته ..
ع ما غربت أفكاره وشرقت وصل للمكان اللي قاصده ..
بيت أخته منى ..مرت عدة دقائق وهو فــ سيارته يفكر .. كيف ينزل يدق الباب ..
ويدخل عادي حاله حال أي ضيف ..وإلا يكلم أبو طلال يطلع له ..
ع الأقل يخبره بالموضوع اللي جاء ع شانه .. ويهدي من روعه ويشد من أزره !..
أختار الثاني ع الأول طلع جواله ودق ع سعود وفــ ثواني أتاه الرد!...
السلام عليكم ...هلا فيك يا أبو طلال .. الحمد لله الله يسلمك .. ما نسأل إلا عنكم .. كيف حالك أنت والعيال .. سعود أنت فـ البيت .. لا أبد سلامتك ..أنا واقف بره عند باب بيتك .. الله يحيك ..مع السلامة .. قفل الخط هو مرتاح أصلا هو من الأساس ما يحمل هم لقاء أو استقبال سعود له .. لأن علاقتهم بعضهم جيدة !..تزامن نزوله من السيارة مع فتح سعود باب بيته .. سلموا ع بعض اللي كان سلامهم سلاماً حاراً ...عناقاً طويلاً ..وعبارات الترحيب اللي أطلقها سعود "تو ما نور البيت .. حياك الله .. تشرف بيتنا بحضورك ..."
دخلوا المجلس وبعد عبارات الترحيب والعتب الروتينية انسحب سعود للمطبخ يخبر أهل البيت أنه عنده ضيف فــ المجلس .. ع شان يجهزون القهوة والشاهي !...
دخل سعود الصالة وشاف أسيل تقرأ مجلة :أبوي أسيل الله يرضى عليك جهزي القهوة والشاهي ..عندي خالك بالمجلس .. وإذا جهزت هاتيها لي المجلس وبالمره تسلمين ع خالك !..
رمت أسيل المجلة واكتأبت لما سمعت سيرة خالها هي ما تحبه لأن مثل أمها حقود وشراني وما يجي بيتهم إلا ناوي مصيبة أو مشكلة :إن شاء الله ..أبوي ليه خالي راشد جاي عندنا !..
قطب سعود حواجبه :خالك راشد .. ليه متى جاء ..أنا ما شفته !.
فتحت أسيل عيونها ع أخرهم :مو أنت تقول أن خالي عندك بالمجلس .. أجل من اللي عندك !..
استوعب سعود اللبس اللي صار لها :لا أنا قلت خالك ..بس ما قلت خالك راشد ..ليه ما عندك إلا خال واحد بس !..
وقفت أسيل وقربت منه : ما حد يجي بيتنا غير خالي راشد !..
مسح سعود ع شعرها بحنان :خالك اللي بالمجلس هو خالك سلمان !..
هزت أسيل رأسها :غريبة أول مره يجينا صح !..
ضرب سعود جبينه :نسيتني خالك يا أسيل ..أول مره .. ثاني مره ..حياه الله ..جهزي القهوة بسرعة ..تأخرت ع خالك !..
ضحكت أسيل بهدوء :إن شاء الله !..واتجهت هي للمطبخ ..
وتوجه سعود لــ أبو ناصر فــ المجلس اللي كان يتأمل ديكورات وأثاث المجلس اللي كان راقي وذوق وعارف أن هذا من اختيار منى طول عمرها ذويقة وتحب المظاهر والأشياء الغالية !..
بعد ما دخل سعود واتخذ مكانه مقابل أبو ناصر .. قرر أبو ناصر يمهد الموضوع ويفاتح سعود بخصوصه ..وإن شاء الله يقدر يساعده .. مع أنه عارف منى وطبعها !..
حط أبو ناصر يده ع الكنب:سعود اليوم أنا جاي بيتك ومتعني وقاصدك بخدمة !..
هز سعود رأسه بانفعال :أبشر باللي تأمر عليه يا سلمان ..وأنا لها بإذن الله !..
ابتسم أبو ناصر براحة :هذا العشم فيك يا ولد عمي ..والله أني أعزك وما أعتبرك إلا أخوي ..الله يسلمك أنت أكثر واحد أدرى بالحال ..من تزوجت أم ناصر الكل قلب على ..أخوي عزوتي عضيدي بالدنيا .. تخلى عني وأخواتي ساروا ع نهجه.. وكأني مرتكب منكر....ومو كأني متزوج ع سنة الله ورسوله ..وأنا ما صدقت أنهم يقاطعوني ..وكأني أنتظر ذا الشيء يصير..حاولت مره و مرتين وعشر أن علاقتي فيهم ما تنقطع ..لكنهم مصممين ع رأيهم ..من بداية الزواج ..وأنا أحاول فيهم .. وأقنعهم تمسكت فيهم لكنهم قابلوني بالجفاء والصدود ..ولما شفت ردة فعلهم هذا وتصرفهم معي كذا فترت محاولاتي وعزيمتي فــ إعادة العلاقة من جديد.. انسحبت من حياتهم بكل هدوء ...مع الأيام نسوني ونسيتهم .. ولولا محاولة أختي أم فارس اللي قامت فيها مشكورة اللي حركت أشياء كامنة داخلي من شوق وحنين لهم ..وخلتني أسابق الريح وأروح لهم وأجتمع فيهم ..بعد قطيعة كل هـ السنين .. لكن للأسف ما صار اللي أتمنى وراشد ومنى أصروا ع موقفهم ..ما أدري هو مكابرة أو عناد أو غرور ..أو شيء ماله أسم !.. وفرحت أن بدرية فتحت بيتها وقلبها لي أنا وعيالي .. وأعجز عن وصف شعور عيالي بفرحتهم بلم الشمل بعمتهم أم فارس وعيالها .. من زمان وهم ينتظرون أهل يكونون لهم سند وعزوة .. والله حقق أملهم ..وتوطدت علاقتهم بعيال عمتهم بشكل ما تتصوره !...والحين ودي أن علاقتي فيهم ترجع مثل أول مثل ما رجعت علاقتي بأم فارس وعيالها !..
تفحصه سعود بنظراته بعد ما سمع كلامه واستوعبه وحز فــ خاطره كل اللي يحس فيه :أنا مستعد أكون واسطة خير بينك وبين أخوك راشد ..مستعد أكلمه وأقول له عن نيتك بالصلح معه .. وأحاول أني أقنعه ..وإنشاء الله ربي يهديه !...
حك أبو ناصر جبينه بتوتر :قول وفعل يا أبو طلال ..وأنا فعلا أبقاك تكون واسطة خير ..بس ما هو بيني وبين راشد ..سكت !..
قطب سعود حواجبه مستغرب !... لحظة صمت بين الاثنين !..
أخذ أبو ناصر نفس وأكمل :أبي الواسطة تكون ..بيني وبين منى !...
تنهد سعود بحزن :منى ..أنت عارف أن منى قوية ورأسها يابس ..وما تحب أحد يفرض رأيه عليها .. وما هو بسهولة نقدر نغير رأيها !..
تنهد أبو ناصر وبلع ريقه :أنا أعرف منى وأعرف طبعها .. أنا ما أبي أصلح علاقتي فيها ..إلا من طرفك أنت !..
حك سعود ذقنه :وليه أنا بالذات !...
كتف أبو ناصر يدينه :لأنك أنت زوجها أقرب الناس لها أنت أكثر واحد تقدر تأثر عليها وما أبي أي مؤثرات خارجية عليها .. كان مثلا وسطت بدرية ..أو أصلحت علاقتي براشد وتركت المهمة عليه !...
هز سعود رأسه :طيب ليه حاولت تصلح علاقتك بمنى وسعيت لها .. وعلاقتك براشد بتخليها ع ما هي عليه !
هز أبو ناصر أكتافه بعد اكتراث :منى ضعيفة وغبية وغرورها وتكبرها .. ما هو إلا ستار تخفي عيوبها هذي فيه ..فالوصول إلى نفسها بمعزل عن تأثير الآخرين يكون بسهولة ويسر ..أما راشد أجلت إعادة علاقتي فيه لفترة من الزمن ..لأني سمعت أن عياله ناوين يفتحون محل خاص فيهم ويظن طلبي منه فـ عقد الصلح ..وتقربي منه لهذا السبب .. أنت تعرف تفكيره سطحي وساذج !...
حرك سعود يده :طيب ومتى أكلم منى عنك !..
ضيق أبو ناصر فتحة عيونه :الليلة والحين ناد منى أسلم عليها ونفاتحها بالموضوع مع بعض !..
لوا سعود فمه :الليلة والحين صعب لأن منى ما هي موجود بالبيت طلعت من وقت معزومة فــ زواج وترجع أكيد متأخرة !..
انهار حماس أبو ناصر وظهر من خلال عبوس وجهه !
..
فتحت الباب بهدوء ودخلت وكأن عليها السكينة ...حطت صينية القهوة والحلا ع الطاولة ..وسلمت ع خالها بأدب جم !.. وبدأت تضيفه !..
علق سعود نظراته ع أسيل وابتسم وهو يعرفها ع خالها :هذي أسيل بنتي الكبيرة وهي أصغر من طلال!..
تفحصها أبو ناصر بنظراته :ما شاء الله كأنها منى .. نسخة طبق الأصل ..الله يخليها لك !..
أسند سعود ظهره ع الكنب :تسلم ... أسيل قلبي تشبه أمها كثير بالشكل لكن صفاتهم الداخلية غير هذي غرب وهذي شرق !..
تناول أبو ناصر الفنجال من يد أسيل المرتبكة ناظرها بحنان:وين تدرسين يا أسيل بأي صف !..
مدت أسيل الفنجال لأبوها وبحركة سريعة وتلقائية جلست جنب أبوها من الإحراج والارتباك اللي تحس فيه أول مرة تشوف خالها وتجلس معه بلعت ريقها:بروح أول ثانوي !..
ارتشف أبو ناصر مزيد من القهوة وتمتم :ما شاء الله ..يعني أنت أصغر من ريم ..وأكبر من جود !..
هزت أسيل رأسها ...وما علقت !..
ابتسم أبو ناصر ووضح أكثر :ريم وجود بناتي ..جود بالمتوسط ..وريم بالجامعة !...
ناظر سعود بنته اللي لاصقة فيه وبعدين ناظر سلمان:الله يخليهم لك !..
حط أبو ناصر فنجاله ع الطاولة القريبة منه :شــ رأيك تزورينهم فــ البيت وتتعرفين عليهم !..
ناظرت أسيل أبوها بعدين ناظرت خالها ولازالت مرتبكة:مدري .. عادي ..إذا أبوي ما عنده مانع ..أجي عندكم البيت وأتعرف عليهم !..
ناظر سعود أسيل :لا عادي ما راح أمانع ..وإن شاء الله نزوركم قريب كلنا !..
فهم أبو ناصر قصد سعود :حياكم الله .. الله يحنن القلوب !..
قامت أسيل ع ضيافة خالها ع أصولها .. واندمجت معهم فـ نقاشهم وحديثهم ..وتلاشى كل الخوف والارتباك اللي فـ نفسها ..أول مره تقابله ..خافت أنه يكون طبق الأصل من خالها راشد ...لكن هذا عكس تمام ..واستغربت سبب شن الهجوم عليه من طرف أمها ..مع أن هذا ذوق وأخلاق وتعامله معها وكلامه لها أرقى من الرقي ذاته!...
وقف أبو ناصر يستأذن من الجلسة الممتعة :يله بالإذن أنا ماشي !..
وقف سعود معه :وين بدري ..تعشى عندنا !..
شتت أبو ناصر نظراته : لا ..الله يكثر خيرك وينعم عليك ..تأخرت ع البيت وأنا ما أعطيتهم خبر .. بس ترى العشاء على إذا تم الأمر ..يله تصبحون ع خير ..مع السلامة !...
هز سعود رأسه :الله يحيك ..وأبشر ..وإن شاء الله ربي يقدم اللي فيه الخير !...
ودعه سعود بمثل ما استقبله بحفاوة وتقدير ووصله بنفسه عند الباب الخارجي اللي تودعوا عنده !..:
فــ نفس الوقت وفـ البيت المقابل لبيت سعود انفتح الباب ..
طلع من عندهم بعد ما انتهت زيارته لهم ..
راح يركب سيارته .
.لكن وقف فجأة لما وصل إلى مسامعه أصوات أشخاص معه فـ الشارع ..
تلفت يمين وشمال ..
لحد ما شاف شخصين واقفين قدامه فــ البيت المقابل..
وكم كانت صدمته كبيرة لما حدد هوية أحدهم .. سلمان فــ بيت منى ..
من متى الحب قايم بينهم ..
تذكر اليوم أن زوجته معزومة فــ زواج وأن منى معزومة معها
فتحت الباب بهدوء ودخلت وكأن عليها السكينة ...حطت صينية القهوة والحلا ع الطاولة ..وسلمت ع خالها بأدب جم !.. وبدأت تضيفه !..
علق سعود نظراته ع أسيل وابتسم وهو يعرفها ع خالها :هذي أسيل بنتي الكبيرة وهي أصغر من طلال!..
تفحصها أبو ناصر بنظراته :ما شاء الله كأنها منى .. نسخة طبق الأصل ..الله يخليها لك !..
أسند سعود ظهره ع الكنب :تسلم ... أسيل قلبي تشبه أمها كثير بالشكل لكن صفاتهم الداخلية غير هذي غرب وهذي شرق !..
تناول أبو ناصر الفنجال من يد أسيل المرتبكة ناظرها بحنان:وين تدرسين يا أسيل بأي صف !..
مدت أسيل الفنجال لأبوها وبحركة سريعة وتلقائية جلست جنب أبوها من الإحراج والارتباك اللي تحس فيه أول مرة تشوف خالها وتجلس معه بلعت ريقها:بروح أول ثانوي !..
ارتشف أبو ناصر مزيد من القهوة وتمتم :ما شاء الله ..يعني أنت أصغر من ريم ..وأكبر من جود !..
هزت أسيل رأسها ...وما علقت !..
ابتسم أبو ناصر ووضح أكثر :ريم وجود بناتي ..جود بالمتوسط ..وريم بالجامعة !...
ناظر سعود بنته اللي لاصقة فيه وبعدين ناظر سلمان:الله يخليهم لك !..
حط أبو ناصر فنجاله ع الطاولة القريبة منه :شــ رأيك تزورينهم فــ البيت وتتعرفين عليهم !..
ناظرت أسيل أبوها بعدين ناظرت خالها ولازالت مرتبكة:مدري .. عادي ..إذا أبوي ما عنده مانع ..أجي عندكم البيت وأتعرف عليهم !..
ناظر سعود أسيل :لا عادي ما راح أمانع ..وإن شاء الله نزوركم قريب كلنا !..
فهم أبو ناصر قصد سعود :حياكم الله .. الله يحنن القلوب !..
قامت أسيل ع ضيافة خالها ع أصولها .. واندمجت معهم فـ نقاشهم وحديثهم ..وتلاشى كل الخوف والارتباك اللي فـ نفسها ..أول مره تقابله ..خافت أنه يكون طبق الأصل من خالها راشد ...لكن هذا عكس تمام ..واستغربت سبب شن الهجوم عليه من طرف أمها ..مع أن هذا ذوق وأخلاق وتعامله معها وكلامه لها أرقى من الرقي ذاته!...
وقف أبو ناصر يستأذن من الجلسة الممتعة :يله بالإذن أنا ماشي !..
وقف سعود معه :وين بدري ..تعشى عندنا !..
شتت أبو ناصر نظراته : لا ..الله يكثر خيرك وينعم عليك ..تأخرت ع البيت وأنا ما أعطيتهم خبر .. بس ترى العشاء على إذا تم الأمر ..يله تصبحون ع خير ..مع السلامة !...
هز سعود رأسه :الله يحيك ..وأبشر ..وإن شاء الله ربي يقدم اللي فيه الخير !...
ودعه سعود بمثل ما استقبله بحفاوة وتقدير ووصله بنفسه عند الباب الخارجي اللي تودعوا عنده !..:
فــ نفس الوقت وفـ البيت المقابل لبيت سعود انفتح الباب ..
طلع من عندهم بعد ما انتهت زيارته لهم ..
راح يركب سيارته .
.لكن وقف فجأة لما وصل إلى مسامعه أصوات أشخاص معه فـ الشارع ..
تلفت يمين وشمال ..
لحد ما شاف شخصين واقفين قدامه فــ البيت المقابل..
وكم كانت صدمته كبيرة لما حدد هوية أحدهم .. سلمان فــ بيت منى ..
من متى الحب قايم بينهم ..
تذكر اليوم أن زوجته معزومة فــ زواج وأن منى معزومة معها
يعني ما تدري وش يسوي زوجها من وراها ..
والله وجاء الوقت اللي أتشمت بك يا منى ..
سلمان اللي تكرهينه فــ بيتك ومصاحب زوجك ..
ورينا شطارتك وقوتك وهمتك يا أختي ...
لما تعرفين زوجك من يستقبل فــ بيتك فـ غيابك !..
وركب سيارته وحركها وتوارى ع الأنظار بسرعة كي لا ينتبهوا له !...*
كان فـ سيارته متجه إلى مقر عمله كعادته كل صباح ..
وصل إلى الشارع الذي يقع فيه مقر عمله..
ومر بمحاذاة المبنى الذي يجاور مبنى عمله ..
لفت انتباهه اللافتة الكبيرة التي تحمل أسم المبنى والتي تعلو رأس المبنى ..
أطفأ محرك سيارته ولاح الاسم أمام ناظريه عدد من المرات ..
يمر ع هذا المبنى فــ غدوه ورواحه وكل ما مر من هذا الشارع ..
لكنه لا ينتبه إليه ..أو يتجاهل وجوده ..
ولم يفكر قط بارتياد هذا المبنى ..
أو استكشافه عن قرب أو بعد ..
كأن يكون أحد منسوبيه..
أو زائر له..
أو يأته لقضاء منفعة!..
رأى فــ هذا المبنى حل لأزمته ومشكلته التي ضاق بها ذرعاً..
ترجل من سيارته واتجه إلى الداخل ..
يزور أحدهم مما يطلق عليه زميل دراسة !..
والذي سيكون عنده الحل...
والذي سيساعده بإذن الله ..
توجه إلى مكتب الاستعلامات ليسأل عن من أتى له ..
وبعدما أرشدوه ذهب لمكتبه الخاص ..
وطرق عدة طرقات وبعد أذنه دخل عليه !..
رفع رأسه من ع الأوراق التي يقلبها بين يديه ينظر الضيف الزائر :أهلا وسهلا أي ريح أتت بك أيها الرجل
ابتسم فـ سعادة فاستقباله يبشر بخير تقدم إليه وعانقه :ريح الشوق !..
قهقه ضاحكاً وهو يشير بيده :تعال أقعد وقل لي عن كل أخبارك !..
هز أكتافه بعد اكتراث :لا جديد فــ أخباري ..تخرجت وتوظفت فــ المبنى المجاور لمبناكم !..وأنت ما أخبارك
جلس ع كرسيه خلف طاولته :خلك من أخباري وقل وشــ تشرب !...
وجلس هو الأخر ع الكنبة المنفردة :أي حاجة تجي منك زينة !..
تناول سماعة الهاتف وطلب كوبين من القهوة !..
تأمل ديكورات وأثاث المكتب المتواضع :ما قلتي وش أخر أخبارك !....
مسك أوراقه يرتبها ويضمها إلى بعضها ثم يضعها في الملف الخاص بها : مثل ما أنت شايف من الصبح إلى المساء وأنا هنا يا مقابل الأوراق يا مقابل النزلاء اللي هنا !..
هز رأسه :أنت مرتاح بشغلك هنا !..
وضع رجله ع الأخرى :أكيد مرتاح لا تنسى أني أشتغل بمجال تخصصي وهذا هو الأهم !..
ابتسم وهو يتمتم :الحمد لله ...
طرق العامل باب المكتب وبعد أذنه دخل حاملا صينية وفوقها كوبي القهوة وضع كل كوب أمام صاحبه وخرج!...
اندمجا بارتشاف القهوة وبالحديث عن أمور عدة .. العمل .. الدنيا ..الحياة ومشاغلها .. وxxxxب الساعة تمر دون أنه تأبه بهما !... وأخيرا قرر مفاتحته بالموضوع الذي أتى لأجله !.
حك جبينه بتوتر :أكيد أنت مستغرب من زيارتي المفاجأة لك .. أنا قاصد زيارتي هذي فعلاً .. وأبي منك خدمة بسيطة!..
ناظره بتفحص :أبشر باللي أقدر عليه !..
تنهد وأسند ظهره ع الكنبة :إن شاء الله تقدر.. لأني لو ما كنت واثق أنك تقدر ما قصدتك .. بس أبقاك تفتح أذنك زين وتفهم اللي أقوله .. وحط فــ بالك أن خدمتك اللي بتقدمها لي .. خدمة إنسانية نفعها بــ يطول كثير من الناس !...
هز رأسه موافق وانتبه بجميع حواسه لمحدثه الذي بدأ بسرد مشكلته وقضيته من جميع الزوايا والنواحي ..وعلامات الدهشة والاستغراب والتعجب تظهر خلال تعابير وجهه !...
أخذ نفس عميق :وهذي الله يسلمك المشكلة كلها .. وإن شاء الله تقدر تساعد المعنيون بالأمر !..
قطب حواجبه وازدرد ريقه :التلاعب بأوراق رسمية مسئولية كبيرة .. والناس اللي كلمتني عنهم ناس واصلين .. ما يؤمن شرهم ..ما هو بعيدة يضروني ويضرونك !..
ضعفت همته وتلاشى أمله :يعني كيف ما تقدر تطلع الورقة اللي طلبتها منك !.. طيب لا تحط ع الورقة ختمك !..
فترة صمت لم يقطعها إلا صوت الأنفاس !...
حك جبينه وشتت نظراته :وش قيمة الورقة إذ كان ما فيها ختم .. خاصة إذا كانوا نبيهين ما راح تفوت عليهم الغلطة البسيطة هذي !...
كتف يدينه :حاول الله يرضى عليك وصدقيني ما راح أجيب أسمك بالموضوع !..
رفع حاجبه الأيمن مستنكر :من قال أني خايف ع نفسي .. بس ما ودي ندخل في متاهات مع ناس إحنا مو قدمهم !..
هز رجله بتوتر :والحل .. هم ما تهم إلا مصلحتهم الخاصة بس .. وطلبهم راح يلقونه عند آخرين .. يعني ما راح يضرهم أي شيء ..وورقة مثل اللي طلبتها ما راح يدققون فيها كثير .. كلمة شكر وبــ ينهون الموضوع من أنفسهم .. هـــا وش قلت !........
فترة صمت أخرى .. كلاهما شارد بأفكاره ..ماذا لو قدم هذه الخدمة الإنسانية وأنقذ الروح الطاهرة البريئة من الموت البطيء .. من جرعات الألم التي ستتجرعها .. ورقة واحدة سيوقع عليها .. ولن يتضرر أحد .. ولن يصاب بأي مكروه ..أنه لن يكون مخادعاً أو خائناً لا في نظر الدين أو القانون أو المجتمع ..أنها خدمة إنسانية وكفى !..
بدون أي تواني أو تردد سحب الورقة وملأ البيانات ووقع باسمه وطبع عليها ختم إدارة المبنى وسلمها لمن طلبها !..
تناول الورقة وجهه ينطق بالبشر والسعادة ..
بعد أن قرأ محتواها ..
ووقف خارجاً من المكتب ..
بل من المبنى ..
بعد ما أغرق صاحب المعروف عليه بعبارات الشكر التي لن تفيه بحقه أبداً !...
ـ ـ ـ ـ ـ ـــ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ
بعد صلاة العشاء .اجتمعوا خمس شباب فــ الكوفي شوب ..قضوا الجلسة والوقت بأحاديث متنوعة .. وبضحك ..والتعليقات الطريفة والتلميحات !...
كان واحد جالس معهم بجسده وعقله وروحه وكيانه فــ مكان أخر ..
يتظاهر أنه طبيعي يسايرهم فـ ضحكهم وتعليقاتهم ..
إذا ضحكوا ضحك .. وإذا تحمسوا تحمس !..
الليلة بــ يطوي الزمن قصة حب عادية...
ليست كقصص الأسطورية ..
وليس فيها ..عجب أو غرابة ..
قصة حب جمعت بين قلبين طاهرين...
لكن القدر أبى إلا أن يفرقهم ..
لم يجمعهم إلا الحب الطاهر البريء العذري ..
الذي لم ينتهكوا بسببه..
أي حرمة من الحرمات ..
ولم يمارسوا أي نوعاً من الطقوس الغريبة أو العجيبة .
حفظ كلا منها صاحبه فـ غيابه ..
وحمل كل واحداً منهما لصاحبه ..
شوقاً وحنينا.ً دفيناً فــ قلبه ...
الليلة ملكة نهى ..
الليلة راح تُزف لرجل أخر غيره ..
وهو واثق تمام الثقة أنها..
لن تكون سعيدة معه ..
ولن يكون هو بكل تأكيد قادر ع إسعادها !...
من المفروض..
أنه يعتزل الناس..
ولا يجتمع بأي أحد هذه الليلة .
.لكنه جبر نفسه ..
ع الخروج ..
ومقابلة الناس !..
فحبسه لن يفيد !..
ولن يغير من الحقيقة !..
ولن يقف هذا الزواج !..
يتسلل إلى قلبه أمل !..
أن هذه الملكة لن تتم !..
فينتشي قلبه طرباً!..
ويسري بجسده إحساس لذيذ !..
وتزين ثغره ابتسامة فرح !..
ناظر بندر ساعة معصمه ولوح بيده لـ ريان الساهي :ريان وين وصلت المطار وإلا الكورنيش !.
انتبه ريان ع يد بندر :ما وصلت مكان أنا معكم هنا !..
ناظره طلال بنظرات خبيثة :طيب وش كنا نقول!..
ارتبك ريان كمن أُسقط فــ يده :أحلف ...تبقيني أعيد الكلام اللي انقال !..
ضحك لؤي بقهقهة:تصريفه حلوة يا ريان !..
تأفف ريان بملل :ما كأنكم أستلمتوني كلكم !..
مسك ناصر المنيو اللي قدامه :وين فارس ليه تأخر !..
نزل ريان عيونه للكوب اللي قدامه وحرك محتواه بالمعلقة بحركة عشوائية تنهد:قال أنه بيتأخر شوي عنده مشوار بــ يقضه بعدين يجينا هنا !...
ناظر بندر ريان الساهي بتفحص همس :ريان وش فيك شكلك مش ع بعضك !..
غمض ريان عيونه :ما فيني شيء عادي .. تعب بسيط ..إرهاق !..
قطب بندر حواجبه مستغرب :إرهاق !متأكد !..
مل ريان من التحقيق اللي فتحه بندر لف ع لؤي فــ محاولة لتغير الموضوع:لؤي ما قلت لنا أخبار سفرتك
مسك لؤي الكوب القهوة وارتشف وأعاده ببرود :وإحنا من شوي وش كنا نتكلم فيه !..
رفع ريان حاجبه الأيمن مستنكر:تكلمنا فـ مواضيع كثيرة إلا سفرتك ما قلت لنا عنها شيء.. وبعدين أنا غلطان اللي سألتك !..
غمز طلال بعينه :شفت أنك مو معنا ع الخط !..
دق ريان يد طلال بذراعه :يا زينك ساكت !..
تجاهل لؤي ريان ولف ع بندر :مبروك بندر ع السيارة الجديدة !..
لوا بندر فمه وناظر ناصر بطرف عينه ووجه كلامه لؤي:ما أمدى الأخبار توصلك !..
رفع ناصر يدينه :أنا برئ ما علمته بشيء !..
هز لؤي رأسه باستخفاف :والله أنك جبان ..أصلا أنا اللي طالبها من وكالتها فـ دبي !..
مرر بندر نظراته ع لؤي باستهزاء:حرام عليك لا تكذب شف الصواريخ كلها طلعت بيطيح الكوفي علينا !
كشر لؤي بوجهه :هه كيفك لا تصدق !..
اتكأ طلال بيده ع الطاولة :لؤي اللي تقوله صدق !..طيب كيف !..
هز لؤي رأسه :ليه وأنا أكذب ..عمي سلمان كلمني وأنا فـ دبي وخبرني أنه يبقى يشتري سيارة من النوع والموصفات كذا وكذا ...سألته لمن السيارة ..قال هدية نجاح بندر .. وللعلم سقتها من دبي إلى هنا !.
حط بندر يده ع خصره :وليه تسوق سيارتي قبلي !..
فتح لؤي عيونه ع أخرهم :إلى الحين ما صارت باسمك تراها باسمي !..
أشر ناصر بأصبعه :بكرى يا بندر نروح المرور ونسجلها باسمك ونشوف الإجراءات اللازمة !.
حك ريان ذقنه :وكيف المشوار يا لؤي بالسيارة من دبي لـ هنا !..
كشر لؤي بوجهه :قرف ومتعب !..
هز ريان رأسه :أهم شيء السلامة ..والحمد لله رحت وقضيت شغلك ..وإلا ما خلصته !..
أخذ لؤي نفس عميق :لا الحمد لله ما رجعت إلا أموري تمام !..
شبك طلال يدينه بعضهم :أمور شركتك استقرت لؤي!..
أسند لؤي ظهره الكرسي :أبشرك تمام ..وظيفتك مضمونة عندي بالشركة وهذا حلوان اختيارك لتخصصي أنه يكون مجال دراستك ..وتبقى تتوظف أبشر تكون تحت التدريب ولما تتعلم أصول الشغل ..أثبتك فيها والراتب اللي تختاره !..
ابتسم طلال بإحراج:مشكور لؤي ما تقصر .. بس ما أظن أحتاج الوظيفة الحين ..خل أثبت نفسي بالجامعة ..بعدين أشوف الوظيفة !..
عدل لؤي نظارته الطبية :اللي ريحك وظيفتك تنتظرك متى ما طلبتها !..
رفع بندر حاجبه :من قدك يا طلال الأستاذ لؤي ..لؤي باشا راضي عنك !..
رفع لؤي أكتافه بكبر مصطنع :أجل وش تفتكر هذا طلال .. ما خيب أملي فيه ..ولو أنك داخل نفس التخصص كان نالك من الحب جانب !..
حرك بندر يده باستخفاف :ما ني محتاج لـ وظيفة عندك لأن عندي المحل أمر وأنهى فيه ع كيفي !..
صد لؤي بوجهه :قدرك المحل !..
لوا بندر فمه :ما أنتظر رأيك !..
وزع طلال نظراته بينهم :أتركه يا لؤي أنا صديقه ورفيق عمره ونكب فيني راح وأسجل بتخصص غير التخصص اللي سجلت أنا فيه !..
حط لؤي رجل ع الأخرى :ناكر المعروف حاله حال ولد خالك .. ناصر ..نفس الحركة سواها فيني لما سجلنا بالجامعة !..
الثلاثة يتناقرون يتناقشون يرمون ع بعضهم النكات والتعليقات ..
وما دروا عن الاثنين اللي يشاركونهم بالجلسة بالجسد فقط ..
لكن العقل والروح تغرب وتشرق !..
انشغل ناصر بالتفكير بأمر الغريب ..
أربعة أيام من خبرته أمه وخبره أبوه بالموضوع..
ولم يتوصل إلى حل أو نتيجة ..ولم يتخذ أي خطوة أو قرار !..
بينما حلقت روح ريان خلف السراب..
يقتفى أثر الحلم الذي نسجه خياله بألوان وردية ..
والذي انقلب للون شاحب واختلط بالسواد !...
دخل فارس الكوفي واتجه لطاولة الشباب المتعودين يقعدون فيها كلما دخلوا الكوفي وكأنها مسجلة باسمهم .. سلم عليهم سلام سريع ومصافحة بالأيدي فقط واتخذ مكانه !..
ابتسم طلال بهدوء :الله يكون بعونكم أنتم يا الأطباء من جد شغلتكم متعبة !..
حك بندر ذقنه :فارس ما حسيت بشيء غريب هنا !..
تلفت فارس يمنة ويسرة ببلاهة :ما في شيء تغير ..طاولتكم وهذي كل مره تجلسون فيها .. والكوفي نفسه أخر مره جيناه!..
أشر طلال ع يساره :هنا طيب !..
ناظر فارس المكان اللي أشر عليه :متى جيت ما انتبهت لك أصلا !..
ضحك بندر بسخرية :هــ القد ولا انتبهت له لا يكون لبس طاقية الإخفاء وإحنا ما ندري !..
غمز طلال بعينه :اللي ما خذ عقلك يتهنى به !..
هز لؤي رأسه :وأنت من دخلت وأنا أسوي حركات أنبهك أني موجود ..لكن لا حياة لمن تنادي !.
وقفوا الاثنين وسلموا ع بعض بالأحضان .. وعاد كلاهما إلى مكانه !..
مرر فارس يده بشعره : الحمد لله ع السلامة متى كان الوصول !..
أشر لؤي بأصبعه :من يومين بس !..
ناظره فارس بتفحص :من يومين .. وما درينا إلا اليوم
هز لؤي أكتافه بأسف :انشغلت بالشركة والبضاعة والترتيب وهلم جرا !..
هز فارس رأسه :أكيد لنا زيارة لشركتك فـ أقرب وقت ممكن!..
حرك لؤي يده :حياك الله!..
لف فارس ع ريان اللي لاحظ صمته منذ لحظة انضمامه لهم همس :شـ فيك ساكت وسرحان وكأن هموم الدنيا ع رأسك!..
ناظره ريان بغرابة وتعجب وبنفس الهمس :تستهبل ..يعني ما تعرف وش اللي مكدرني !..
مرر فارس يده ع وجهه :حاول أنك تكون طبيعي لا تخلي أحد يلاحظ أن فيك شيء !.
رفع ريان رأسه يطالع فوق :الليلة ملكة نهى أرسلت رسالة لـ لمى وخبرتها !..
هز فارس أكتافه بلا مبالاة:أدري خبرتني لمى !..
نزل ريان رأسه وطالع فـ أخوه :وش الحل نسكت نخلي أبوها يدمر حياتها ومستقبلها مع ذا الرجال اللي ما هو من عمرها !...
شتت فارس نظراته :سوينا اللي علينا والباقي ع رب العباد !..
قال كلمته وكأنه يقطع أي مناقشة بخصوص ذا الموضوع .. لكن من يفهم ريان اللي نسج لنفسه قوقعة خاصة فيه بعد رحيل نهى حياته ومغادرتها للأبد !..
لم يفت ع بندر الحالة اللي فيها ناصر سكوته وشروده ..ناصر الاجتماعي .. اليوم وأمس واللي قبله غير ملاحظه من زمان والحين تأكد أن فيه شيء !..
تفحص بندر ناصر بنظراته وهمس :ناصر شــ فيك ساكت ما هي عوايدك !..
انتبه ناصر ولف عليه :عادي ما فيني شيء اليوم غيرت قلت بدل ما أكون متحدث أصير مستمع !..
كتف بندر يدينه :صدقتك الحين ..صدق وش فيك !..
تضايق ناصر ورد بعصبية :يعني ما أسكت إلا إذا فيني شيء !..
سكت بندر ولا علق وتأكدت شكوكه ناصر فيه شيء والدليل نفسيته ومزاجه المعكر!..
لحظات صمت بينهم الاثنين .. تذكر بندر شيء ناسيه من فترة وتكرر اليوم ونسى لا يخبر ناصر عنه !..
فرك بندر يده بتوتر :أمممم ناصر نسيت لا أقول لك شيء مهم !..
استرخى ناصر بجلسته :إذا كان كلامك الماسخ وأسئلتك البايخة فريح نفسك ووفر جهدك ولا تتكلم !..
مرر بندر يده ع شعره :لا شيء أنا مستغرب منه تذكر الليلة اللي رجعنا فيها من البحرين نامت ريم عندنا بالبيت ..ولما جاء الصباح طلبت أوصلها لبيتكم ..وأنا طالع لمحت سيارة غريبة وشفت الشخص الموجود فيها كان خالك وحيد .. ولما انتبه على .. حرك سيارته ولا نزل يسلم .. واليوم تكرر الموقف هذا بعد .. شفي خالك يرجع من السفر ولا يجي بيتكم يسلم كعادته.. وفوق كل هذا يتجاهلني !..
عدل ناصر جلسته وشد ع يد بندر :متأكد أنك شفت خالي واقف عند بيتنا !..
استغرب بندر تصرف ناصر :أي متأكد خالك وأنا بتوه عنه .. بس شـ فيك عصبت!..
رفع ناصر يده من ع بندر وحك جبينه بتوتر معقولة طول الفترة هذي محتار وقلقان ومتكدر ومتضايق بخصوص هـ الموضوع وفــ الأخير يكون العلم عند بندر ..يا ليت قلت له من زمان وارتحت !...
وقف ناصر يروح لبيتهم ويقول لأبوه وأمه أن خاله رجع ..
وهو الغريب اللي يقتفي أثرهم .. ويسأل عنهم ..
فكر ناصر بسبب رجوعه لهم مره ثانية بعد نصبه واحتياله عليهم ..
الله العالم وش اللي ناوي عليه وش يبقى منهم ..
استأذن من الشباب أنه بيمشي متجه لبيتهم وطبعا ما تركه بندر راح معه لأنهم جايين مع بعض ..
الشباب حذوا حذوهم وسار كلا منهم إلى بيته بعد قضاء سهرة لا بأس بها !..
كانت جالسة مع أمها فــ صالة بيتهم ..
وكل وحدة فيهم ساكتة .. أمر مشغل بالها من فترة ..
من سمعت كلام أمها مع خالتها هند ما هدأ لها بال ..
فكرت فيه ..قلبته برأسها بدل المرة ألف ..
تبقى تفهم الحقيقة ..وتعرف سر اختفاء خالهم فجأة ..
والمشكلة اللي بينه وبين أبوها ..
فكرت تخبر ناصر وتستفسر منه لكنها من اجتماعه بأمها ذاك اليوم ..
هو ما يقر بالبيت وقته يقضيه بالمحل ..
وإن اجتمعت به كانوا أهلهم معهم !..
قررت تفاتح أمها بالموضوع وتفهم كل شيء منها !..
استجمعت ريم بقايا قوتها وشجاعتها بلعت ريقها :أمي وش بين خالي وحيد وأبوي !..
ارتبكت أم ناصر وتوترت "وش عرف ريم باللي صار بين أبوها وخالها ":ما بينهم شيء !.. ناظرت ريم أمها بتفحص :متأكدة أن ما بينهم شيء!..
هزت أم ناصر رأسها :أي متأكدة ..يعني أنا بكذب !..
رفعت ريم حاجبها الأيمن :حاشاك ..بس اعذريني أنا سمعت كلامكم أنتي وخالتي هند أمس وعرفت أن بين خالي وأبوي مشكلة بس ما عرفت وش هي !..
حكت أم ناصر جبينها :مشكلة صغيرة وخلاص عدت !.
مررت ريم يدها ع شعرها :مشكلة صغيرة تخلي خالي يخاف من أبوي ويتخفى ..سمعت فلوس .. وسرقة .. أمي الله يخليك حالك ما هو عاجبني من فترة ..وأكيد الموضوع هو السبب ..فالله يخليك قولي لي يمكن أقدر أساعدك .. وصدقني إذا فضفضتي راح ترتاحين !..
عرفت ريم كيف تدخل ع أمها ...
"بدون أي مقدمات سردت أم ناصر الأحداث كلها لــ ريم ..من سرقة أخوها لهم ...ومن علاقتها بأهلها اللي تدهورت .. وظلم أبو ناصر لها واتهامها أنها مشتركة معه .. طلب أبوها منها فلوس كل يوم والثاني .. والغريب المتخفي اللي تشك أنه أخوها.. واللي ما خبرت أحد بشكوكها غير أم بندر.. والحين ريم "!..
الدهشة الصدمة التعجب الاستغراب الذهول هذي العلامات اللي ظهرت ع وجه ريم اللي تسمع كلام أمها بجميع حواسها !..
تنهدت أم ناصر بحزن :وهذا كل اللي صار يا ريم بين أبوك وخالك وبيني وبين أبوك !..
قطبت ريم حواجبها :كل هذا يا أمي صار لك وإحنا ما ندري .. يعني مرضك اللي أصابك من ضيقك باللي سواه خالي وزعل أبوي منك.. طيب كان خبرتني ع الأقل أساعدك وأخفف عنك !..
هزت أم ناصر رأسها :أي كل اللي صار لي بسبب الضغط النفسي اللي أتعرض له .. وما قلت لك ما أبي أحملك الهم وأنتي صغيرة !..
عضت ريم ع شفتها السفلية :مهما كنت يا أمي صغيرة كبيرة ..أشركيني بكل اللي تحسين فيه وكل الهموم اللي تصيبك ..يا أمي أنا بنتك لا تخبين على أي شيء ..أنا سند وعون لك بإذن الله ..إذا ما خففت عليك من اللي يخفف عليك ..حملتينا وحملتي همنا وإحنا صغر جاء الوقت اللي إحنا نحملك فيه !...
أخذت من ناصر نفس :الله يعين يا بنتي ..بس يا خوفي من أبوك يعيد الكرة من جديد لما يشوف خالك راجع !..
لوت ريم فمها :طيب يا أمي كان خبرتي أبوي أو ناصر عن شكك.. أكيد هم يعرفون الأماكن اللي يرتادها من قبل ويأخذون حيطتهم وحذرهم !..
نزلت أم ناصر رأسها :مدري خايفة !..
ضيقت ريم عيونها :خايفة من أيش ..ع من بالضبط ..ع نفسك من أبوي وإلا ع أبوي وناصر من خالي .. وع خالي منهم !..
شتت أم ناصر نظراتها :يمكن خايفة عليهم كلهم ..أبوك زوجي وناصر ولدي وخالك أخوي !..
انفعلت ريم بعصبية :أبوي وناصر وعرفنا سبب خوفك عليهم لكن أخوك ليه تخافين عليه ..هو يستحق اللي يصيبه !..
حركت أم ناصر يدها :لا يا ريم مهما كان هذا خالك أخوي من لحمي ودمي والدم ما يصير ماء فـ أي يوم من الأيام !..
هزت ريم رجلها بتوتر :يا أمي أصحي واعذريني فــ كلامي اللي بقوله.. هذا عدو ما هو أخو .. وهو اللي حول الدم ماء ..ولو كان تهمه أخوتك ما غدر فيك وفـ زوجك وعيالك .... هو يستاهل اللي يجيه .. لأن ما يهمه إلا نفسه وطمعه هو... وأهلك بصفه يستقلونا وما يحبونا لــ ذاتنا ونفسنا .. ما يتصلون إلا إذا كانوا محتاجين للفلوس ..يظنونا بنك يسحبون منه متى ما بغوا ..والحين عرفت ليه أبوي قاطع أي صلة فيهم !..
صرخت أم ناصر ع ريم بأعلى صوتها :ريم تراك زودتيها ما أسمح لك أهلي تراهم أهلك جدك وجدتك !.
غمضت ريم عيونها تهدأ شوي من عصبيتها :يا أمي ليه أنتي طيبة وتخلين الناس تستقل طيبتك ..وجدي وجدتي ع عيني ورأسي ما قلت شيء .. بس أنا أبقاهم لما يتقربون منا ويحبونا لنفسنا لأن أنتي بنتهم وإحنا عيال بنتهم ..ما هو يتقربون منا لمصلحة فـ نفسهم ..ولما تنقضي مصلحتهم ينسونا .. ولما يحتاجون من جديد ... يرجعون لنا ... شوفي الفرق بينهم وبين أهل أبوي ... مقاطعينا من سنوات ولما رجعت علاقتنا بعمتي بدرية وعيالها شفنا فرق فـ تعاملهم معنا ..عمرنا ما شفنا أي استغلال من ناحيتهم لنا .. يحبونا ويتقربون منا لنفسنا ولذاتنا ... من رجعت علاقتنا فيها ..ما سمعنا أنها هي أو زوجها أو عيالها استغلوا أبوي أو أطلبوا منه خدمة أو حاجة !...
ما أعجب أم ناصر تحيز ريم لأهل أبوها وذمها فـ أهلها :أنتي الطيبة يا ريم .. وش يدريك يمكن هم يتظاهرون بمحبتهم لنا ع شان نوثق فيهم ..بعدين يطلعون ع حقيقتهم إذا وثقنا فيهم !..
سكتت ريم ثواني ...ابتسمت بهدوء :ما أظن يا أمي ..عمتي بدرية طيبة واللي فـ قلبها واضح عليها ..و هي عندها خير مو محتاجه لنا بشيء .. وإلى الحين ما شفنا أي شيء منها يضرنا أو تصرف يبين أنه يستقلنا .. وما هو زين تتهمين الناس بغير علم !..
كشرت أم ناصر وجهها :هذا أنتي أتهمتي أهلي وقلت أنهم يستغلونا !..
ضحكت ريم بحماس :وطلع التحيز يا أم ناصر ..أنا ما اتهمتهم ..أنا متأكدة من ذا الشيء ..لأن إحنا لمسناه وحسينا فيه .. وكل تصرفاتهم وأفعالهم دليل ع أنهم يستغلونا !..
اتكأت أم ناصر بذراعها ع المركى :طيب وش الحل الحين فــ ذا المصيبة !..
حكت ريم رقبتها :ننتظر لما يرجعون أبوي وناصر ونخبرهم بأخر الأنباء والتفاصيل والحل أكيد بيكون عندهم !...
هزت أم ناصر رأسها موافقة لريم .. أحست بوخز قلبها مقبوض ضغطت عليه بكل قوتها ..تنبأ قلبها بحدوث أمر ما !... والله يستر !.. :
تغسل فناء البيت الخارجي بالماء ....
فتحت الباب الخارجي ع شان تغسل عتبات البيت ..
بدأت تغسل عتبة ..عتبة ..
ولم تحس إلا باقتحام مفاجئ ..
من شخص سبق أن رأته ..
تجاهلها وأكمل طريقه إلى داخل البيت بكل بجاحة...
تحت أنظارها الخائفة والمرتعشة !...
قربت ريم من أمها اللي ماسكة قلبها :أمي وش تحسين فيه !.
شدت أم ناصر ع شفتها السفلية وغمضت عيونها من شدة الألم اللي تحس فيه:الألم نفسه بس الحين أشد ...
طلعت ريم جوالها من جيبها :بدق الحين ع ناصر يجي يأخذك المستشفى !..
فتحت أم ناصر عيونها تثني ريم عن عزمها ..
توقفت النبضات ..
تلاحقت الأنفس بشدة...
شهقت ....
وحـــــــيـــــد!...
ناظرت ريم الجهة اللي تناظر فيها وقفت : لك وجه تجي بعد أفعالك ...خير وش جابك هنا !..
ناظر وحيد أم ناصر برجاء وتكلم بلغتهم :خديجة ... أنا محتاج لمبلغ من المال أرجوك أعطيني هذا المبلغ ..وسأخرج قبل حضور ناصر أو والده .. ولن تري وجهي أبداً!..
ضربات قلبها في تسارع مع الزمن :لا أستطيع .. لأني لا أملك نقودا هنا فـ المنزل .. وناصر وسلمان لو علما بالأمر .. لن يدعوا الأمر يمر بسهولة !..
أخذ وحيد نفساً عميقاً ولازال يترجاها بمحاولاته البائسة:أرجوك يا خديجة ..لقد خسرت جميع أموالي فـ أخر صفقة عقدتها .. وإذا لم تمديني بالمال سوف أسج بالسجن ..أرجوك أنقذيني!..
..هكذا المال الحرام يأتي بسهولة .. ويذهب بسهولة أكبر!..
شتت خديجة نظراتها :قد سبق وقلت لك لا أستطيع فأني لا أملك نقودا هناً ..أرجوك ..أخرج من هنا قبل عودة سلمان أو ناصر !...
كانت ريم واقفة تسمع حوار أمها وخالها وسمعت كلمة "مني "يعني يطلب فلوس !..
حركت ريم يدها وصرخت :ما كفاك اللي سرقته من أبوي جاي تطلب زيادة ..أنقلع أطلع بره عن بيتنا !...
ناظر وحيد أخته وهو يفهم عربي:خديجة أ راضية أنتي عما تتفوه به ابنتك !..
تنهدت أم ناصر بهدوء :ريم اسكتي وخليني أتفاهم مع خالك لحالنا !..
فتحت ريم عيونها ع أخرهم متعجبة:نعم !..لا يكون راح تعطينه فلوس ..ما ني متحركة من هنا وبشوف وش نهايتها معه.. يا أمي أبوي ع وصول خل الموضوع يعدي ع خير لأن أبوي لو شاف هذا.. تأشر بقرف.. ما راح يسكت وما هو بعيدة يرجع لمواله الأولي اللي تذكرينه أنا نبهتك يا أمي .. فالله يخليك يا أمي خليه يطلع من هنا لأن إحنا ما راح نستغني عنك .. وأبوي ما نقدر عليه !..
ضربت ريم ع وتر الحساس هي فـ كل الحالات خايفة .. ولو جاء سلمان وشاف أخوها في البيت ما راح يمر الموضوع مر الكرام ...حاولت تطرد أخوها قبل وصول سلمان أو ناصر .. وفهمته أنها ما تقدر تعطيه أي مبلغ .. وتخون زوجها !..
لما دقت ريم ع ناصر استمر بالرنين لــ حد ما رفع هو أما هي نست أمر الجوال والاتصال بمجرد ما دخل خالهم عليهم ..
لازال ناصر حاط الجوال ع أذنه :ريم .. ريم .. ليه تدقين ولا تتكلمين !..
ناظره بندر اللي معه بالسيارة :شـ فيها ريم !..
هز ناصر أكتافه بحيرة :مدري أكلمها وما ترد ..بس أسمع صوت فوضى وإزعاج !..
مد بندر يده لناصر:ناولني الجوال خل اسمع !..
ناوله ناصر الجوال:خذ !..
أخذ بندر الجوال وحطه بأذنه :أسمع كلام مو مفهوم وناس يتكلمون بصراخ !..
ضرب نار بقبضة يده النافذة :بندر عجل واللي يرحم أبوك أسرع وزد باللي تقدر عليه !..
توتر بندر وارتبك :أهدى يا ناصر ما باقي إلا ذا الشارع ونوصل!..
سوى بندر اللي قدر عليه وفـ أقل من عشر دقائق كانوا واصلين البيت .. تزامن نزولهم من السيارة وصول أبو ناصر للبيت ..دخل ناصر البيت وهو يركض .. ولحقه بندر وهو يركض .. استغرب أبو ناصر منهم خاصة أن ناصر مر بمحاذاته وتخطاه وما وقف كالعادة يسلم ويتكلم .. وبندر يلحقه ويتصرف نفس تصرفه .. لكنه قدر يمسك بندر ويستفسر منه !..
قطب أبو ناصر حاجبه : خير وش اللي صار .. وناصر ليه يركض!..
تلاحقت الكلمات في الخروج من فم بندر :كنا فـ السيارة راجعين البيت دقت ريم ع ناصر و ما تكلمت و نسمع صوت إزعاج وصراخ وكلام غير مفهوم !..
ضيق أبو ناصر فتحة عيونه :غريبة !..
حك بندر جبهته بتوتر : أصلا ناصر ما هو طبيعي من فترة ..وما أدري وشــ فيه !..
حانت منه التفاتة ولمح سيارة الخال اللي شافه راكبها فـ المرتين السابقتين :أوه هذي سيارة خال ناصر شكله عندكم وما هي بعيدة يكون هو السبب !..
مسك أبو ناصر كتف بندر :خال ناصر أي خال !..
ناظر بندر أبو ناصر بتفحص :خاله وحيد مرتين شفته واقف قريب من البيت وإذا شافني حرك سيارته وقلت لناصر اليوم وقام وطلع من الكوفي ولا قال أي شيء !.
تقدم أبو ناصر يدخل الصالة وفـ داخله بركان يغلي ويفور وفــ أي دقيقة يثور وينفجر !..
استغرب بندر من حالهم وش يخلي حالهم ينقلب لما يسمعون سيرته .. لحقهم بندر لداخل بيتهم يسكت الفضول النامي داخله !...
دخل ناصر الصالة وشاف خاله يتكلم مع أمه وأصواتهم كل ما لها ترتفع ..
وشكل نقاشهم وجدالهم عقيم !..بدون أي تواني أو تردد أو تفكير ..
أنقض ع خاله كالوحش المفترس يرعد ويزبد !..
وصارت الصالة قائمة ع قدم وساق ...
قرب ناصر من خاله وهزه بيده :ولك عين تجي بعد أفعالك الشينة يا الخاين .. اطلع بره قبل لأذبحك وأدفنك الحين !..
تنهدت ريم براحة:الحمد لله أنك جيت يا ناصر فــ الوقت المناسب!...
مسك ناصر خاله من رقبته :خير وش جابك هنا ما كفاك اللي سويته فينا قبل !..
انفعلت ريم بعصبية :جاي يتمسكن حتى يتمكن .. تخيل جاي بكل قواة عين يطلب فلوس !...
حاول وحيد أنه يتملص من قبضته :ناصر أرجوك اسمعني !..
قاطعه ناصر وهزه بعنف :الحمد لله جيت وما أحد جابك .. نهايتك بتكون ع يدي .. اللي سويته ما هو هين !..
حاولت أم ناصر أن ناصر يبعد عن خاله :ناصر الله يخليك أتركه لا يموت وما راح يخسر غيرك أنت !..
شد ناصر بقبضته عليه :الموت فيه حرام ..خل أعذبه أكثر وأكثر !..
حط وحيد يده ع يد ناصر :لا أريد أن أموت أرجوك ناصر !..
شد ناصر ع أسنانه بغيظ : ما تبقى تموت ..من قال أني بخليك تموت مره وحدة ..أنا بموتك ع جرعات ..أخليك تعرف أن الله حق !..
صرخة دوت فــ الصالة توقف الزمن بإطلاقها ....
"ناصر ...... أتركه .. هذا شغله معي ..موته ع يدي أنا
التفت أم ناصر ع مصدر الصوت مع أنها عارفة صاحبه
معقولة هي راح تتوه ع صوته ..شافت أبو ناصر يتقدم لـ أخوها..بوجه جامد خالي من أي التعبير..
استشفت أنه ما يبشر بخير وكفى !.
همهمت في سرها :"جاك الموت يا تارك الصلاة "
وفــ داخل قلبها عواصف هوجاء تضطرم!
صفعة صفعتين ثلاث ... لكمة لكمتين ثلاث ...
وجههم أبو ناصر للماثل أمامه ..
يريد أن النار التي تستعر بداخل قلبه أن تنطفئ ..
لكنها لن تنطفئ ..
أزبد أبو ناصر وأرعد :هذا جزاء المعروف تعظ اليد ... اللي أنت فيه من العز والنعيم من خيرها وش سوينا لك إحنا .. ع شان تخونا !..
نزل وحيد رأسه للأرض وسكت ما عنده أي تبرير أو تعليق يمكن من الخوف والرعب اللي يعشه بلحظة هذي !..
تنهد أبو ناصر وهدأ من عصبيته :تبقى فلوس أطلب منا وإحنا نعطيك ..تبقى ألف ألفين ..مليون مليونين راح نعطيك .. ما هو تسرقنا وتهج يا ناكر المعروف !..
لم يحرك وحيد ساكن لازال ع وضعه !...
هزه أبو ناصر بعصبية وصرخ :تكلم لا تظن بحركاتك هذي تستعطفنا ونرحمك!..ليه سرقت الفلوس .. وين أخذتهم ومن أعطيتهم !...
وزع وحيد نظراته ع الموجودين يلتمس منهم عطفاً وشفقة ورحمة !....
أصر أبو ناصر ع أسنانه بغيظ :ما تبقى تتكلم صح .. لكن أنت اللي جيت عندنا ما طلبناك .. وما راح تطلع من بيتنا إلا فـ حالتين إما ميت ...وإما تقر وتعترف وين أخذت الفلوس ومن أعطيتهم ..
وترجعهم مثل ما أخذتهم بالوفاء والتمام !...أحسن لك أعترف الحين بالطيب ..قبل ما أخليك تعترف بطرقي وأساليبي الخاصة !...
كل صرخة يطلقها كل حركة يسويها يرتعش قلبها ...
عواصف تهيج وتثور فيه من الألم والخوف ..
من المجهول ..
من المصير المحتم الذي ستواجه ...
عقلها مشوش ..
شيء يطغي عليه فوق الاحتمال ...
تحاول التماسك ..
التظاهر بالقوة بالصمود ...
فــ هذا الموقف الحرج ...
تخر صريعة ع الأرض ..
وينتهي كل شيء باستنفاد أخر ما تبقى من طاقتها!...
صرخة تدوي فــ هذه المعمعة "ناصر ألحقني أمي طاحت مدري وش فيها "!..
يقف الزمن للحظات ..
تتشتت النظرات وتوزع بين الحضور !..
يقفز بطوله ويأتي راكضاً يتحسس النبضات والنفس !.
يسمع صوت والده يصرخ وكأنه قادم من بعيد "ناصر..اتصل ع إسعاف و تكفل بأمك .. لــ حد ما أشوف لي صرفة مع ناكر المعروف "!..
يأمر ريم بأن تحضر عباءة أمه كي يلفها بها ... وأسرع إلى الهاتف يطلب سيارة الإسعاف !..
التفت أبو ناصر لـ بندر الذي بدا مشدوها فـ هذه الأجواء العاصفة:تعال بندر قرب منا ...
يقرب بندر فـ الحال ويقف ليسمع ما يرد ..
يبدو أنه يريده أن يساعده فـ تدبر أمر وحيد !..
كبل أبو ناصر وحيد بمساعدة بندر ...
وساقوه إلى أحد مخازن المنزل ..
وهو شديد الشبه بالزنزانة ..
سجوه ورموه ع الأرض وتمتم قائلاً...
"راح تشوف الموت كل يوم بعينك ..أعترف بالطيب أحسن لك ..عندك الوقت كله إلى بكرى ..تحدد موقفك ..وإذا ما اعترفت بكرى ذنبك ع جنبك أنت اللي تخسر!... انتهز الفرصة ...أحسن لك !.."
خرج وأقلق الباب خلفه وقفله بالمفتاح !..
وذهب إلى المستشفى ..
للاطمئنان ع صحة زوجته بعدما أخذتها سيارة الإسعاف بمرافقة ناصر.. أما هو فرافقته ريم وبندر..
وهو فـ حالة سيئة وصعبة..
وحزن وكرب شديد ..
بسبب المعضلات التي تعترض طريقه !.. &
كان فــ صالة بيته جالس ينتظر الضيوف يحضرون ..
أوه أقصد .. عريس الغفلة وعياله ..
الليلة اللي انتظرها من زمان جت ..
الليلة ملكة نهى ع رجل الأعمال مطلق بن زيد ...
خطبوا نهى قبل ثلاثة أيام خطبة رسمية ..
باليوم الثاني أخذ صقر نهى للمستشفى لإجراء التحاليل
واليوم الصباح طلعت النتائج بأن كليهما سليمين وصالحين للزواج ...
هي وعريس الغفلة ..
طبعاً من زود فرحته ..
عجل بالإجراءات ..التحليل .. الملكة .. والعرس <<الرجال داخل ع طمع ما فيه يصبر زود ..
وافقوا ع شروطه مبدئيا .. وحط فـ باله أن لازم يسجلها فـ عقد الملكة ..
اتفق هو معهم أن الملكة تكون بعد صلاة العشاء مباشرة ..
وراح يصلون فــ مسجد الحي اللي جنب بيته ...
ويحضرون معهم الشيخ اللي يكتب العقد !...
مرت ساعة وساعتين وثلاث وهم ما حضروا ...
استغرب واحتار ينتظر وإلا يتصل يسألهم عن سبب تأخرهم!..
دخلت عليه زوجته طالعة من المطبخ :صقر ما جم الضيوف !..
تنهد صقر بضيق :لا!..
قطبت ناهد حواجبها :غريبة ..ليه تأخروا ..أنت متأكد أنك قلت لهم أن الليلة الملكة!..
هز صقر رأسه : أي قلت لهم حتى ولده زيد قال هم اللي راح يكلمون الشيخ بأنفسهم ويجبونه عن طريقهم.
حكت ناهد جبهتها بتوتر :خال بنتك قلت له أن الليلة ملكة نهى !..
لوا صقر فمه :لا ..مجنون أقول له ..كان ما صار لا عرس ولا ملكة ..وكل شيء تكنسل !..
مررت ناهد يدها ع شعرها:طيب اتصل فــ زيد أساله ليه تأخروا لا يكون نسوا !..
رفع صقر حاجبه ومسك جواله وطلب الرقم ... تحت أنظار زوجته..اللي تراقبه بكل دقة.. أول مره لم يتم الرد .. ثاني مره بعد الرنة الخامسة أتاه الرد "هلا فيك أبو مطلق ..عرفتني أن صقر أبو نهى ..لا بد سلامتك .. الليلة ملكة الوالد ع بنتي .. وإلا نسيت .. ما نسيت أجل ليه ما جيتم ..أنا أنتظركم ..نعم !. ألقيتم الملكة والزواج من الأساس !... لــــيـــه ... أبوك تزوج وحدة ثانية ..أصغر من بنتي وأعقل منها وما هي مجنونة ..وضح مني فاهم !...زوجته تسمع بكل تركيز وانتباه ...
ومن ارتباكه وتوتره ضغط ع السبيكر وسمعت "رجال قدامك طول بعرض ..تضحك علينا ..إحنا استغربنا من تصرفاتك ..وطلبك تعجيل الملكة والعرس .. أثر البنت طلعت مجنونة ومختلة عقلياً .. روح دور ع مجنون مثلها يتزوجها .. مو ترميها ع أبوي .."!..
حاول صقر يتنفس الأكسجين اللي حوله انتهى ما في أي ذرة أكسجين توصله بصعوبة تكلم :هذي إشاعة أكيد ..أكيد فيه سوء تفاهم .. من اللي كذب عليك وخدعك !..
ما في أي رد أو إجابة الانقطاع كان الأقرب لسمعه !..
طبعا زوجته فهمت جزء من الغموض .. وانهارا الاثنين .. وانهار الحلم !..
وليس هما بكل تأكيد أول من انهار حلمهما.....*
فـ غرفتها متكورة ع نفسها ..
وتندب حضها اللي وصلها إلى هذه المرحلة ..
ترتدي فستان الحفلة العائلية ..
أو حفلة إعدامها إن صح التعبير..
وبهرجة الألوان تملأ وجهها ..
ووجها ينطق بالحزن ..
وبمأساة نقشها الزمن..
من فصول وأجزاء ..
تيقنت شبه يقين ..
أن ريان لم يكن لها ولن يكن ..
حلمها وحلمه انهار..
سايرت أبوها فـكل أوامره ..
وكانت هي الغنمة اللي يتحكم فيها سيدها..
ويسوقها كيف يشاء ..
وافقت غصباً ..لا رضا منها ... وطواعية..
ليت الانتحار حلال كانت انتحرت ..
استغفرت ربها ع تفكيرها الساذج ..
بكت حتى تهدج صوتها ..
وجف دمعها ..
حبست نفسها عنهم..
لكن شرهم يصل إليها ..
تغفو شبه غفوة .
.فتتخيل الفارس الملثم ع حصانه الأبيض ..
يأتي لينقذها ..ويأخذها قصره تعيش معه ..
وحدهما..فــ سبات ونبات ..
وتخلف صبيان وبنات ..
آهـ ..يا ليت هذا يحصل ..
لكانت الآن أسعد من وجد ع الأرض ..
أرسلت لـ لمى رسالة خبرتها أن الليلة ملكتها ..
لعل وعسى ..
تلقى حل عندهم ..
لكن الظاهر ما صار ولا شيء ..
من اللي تتمناه !..
تسمع صوت الباب يهتز ويرتج اقتحام ثنائي ..
من والدها وزوجته ..
يبدو أن الملكة تمت ....
وأتى والدها ..
يسحبها ويجرها..
ويسوقها كغنمة...
لمن يُطلق عليه اسم زوجها..
والذي لا تعلم كيف يكون شكله !..
انقض والدها عليها كالثور الهائج ..
وكالوحش المفترس ..
انهال عليها يضربها بكل وحشية ودون رحمة ..أو عطف أو شفقة ..
وفمه يخرج حمم بركانية وقذائف من الشتائم!...
"ما عرفت الراحة من عرفتك ".."يعل الله يأخذك ويفكنا منك ".. "حتى الرجال اللي وافق يتزوجك هرب هج "..."أنت نذير شؤم على".."أصلاً نحس ع كل من يعرفك ".."ما أتوقع أنك تفارقين عن حياتي وتنقلعين بعيد ..بعد اللي صار اليوم ".. "من بعد ما عافك مطلق من زيد ما أظن أن هناك رجال يوافق يأخذك ويتزوجك ويفكنا منك ومن همك !.. "...
يضربها ويشتمها ولا تعلم ما الخطب ....
تهتز بين يديه كورقة صفراء خريفية ..
قضى عليها الدهر والزمن ..
ولا تظهر أي مقاومة منها ..
خاضعة مستسلمة له ..
زوجته أخذت دور المتفرج فقط ..
استمر بضربها..
ضربا غير مبرحا..
لا يكف ولا يمل ..
وليته ضربها بكفه لهان الأمر ..
أنه يضربها بعقاله ..
الذي علم ع جسدها ...
خطوطاً حمراء ..ودوائر ...وكدمات ...
استنفدت طاقتها ..
انهارت قواها ..
وخرت صريعة ..
كالأموات ...
لا حراك ..
لا نفس ..
لا نبض ..
صرخة شقت سكون الليل...
دوت فــ أرجاء الغرفة .....
"ماتت البنت يا صقر "!...
انتهى الجزء العشرون