الفصل 8:تذكرة الحرية
بمجرد أن أشرقت شمس ذلك اليوم، كانت ريم قد حزمت كل شجاعتها في حقيبة ظهر صغيرة. وبمساعدة يونس الذي كان "عينها" في مراقبة تحركات الوالدين، تسللت خارج المنزل قبل أن يستيقظ أحد. كانت رحلة الحافلة نحو العاصمة تبدو وكأنها عبور من عالم رمادي باهت إلى عالم تضج فيه الألوان.
وصلت ريم إلى المدينة الكبيرة؛ كانت صاخبة، سريعة، وغريبة تماماً عنها. لكنها بدلاً من أن تشعر بالخوف، شعرت بالانتماء. توجهت فوراً إلى معهد الفنون لتثبيت "المنحة"، وهناك، ولأول مرة، ناداها الجميع بـ "الفنانة ريم".
لكن التحدي الأكبر كان "العيش". لم تكن ريم تملك الكثير من المال، فقررت ألا تضيع دقيقة واحدة. استأجرت غرفة بسيطة جداً في سكن للطالبات، وبدأت مشروعها الأول. لم يعد لديها مرسم، فكانت الحدائق العامة والمقاهي الهادئة هي مكان عملها.
في أحد الأيام، وبينما كانت تجلس في زاوية "حي الفنانين" العريق، بدأت ترسم لوحة تعبر عن "الخروج من الظلام إلى النور"، مستخدمةً تدرجات اللون الأزرق والذهبي. توقف أمامها رجل مسن بملامح وقورة، كان يراقب حركات ريشتها بدقة.
سألها بهدوء: "بكم تبيعين هذه اللوحة؟"
ارتبكت ريم، لم تكن قد فكرت في السعر أبداً. قالت بتردد: "أنا فقط أحاول توفير ثمن أدواتي."
ا
بتسم الرجل وأخرج محفظته، ثم وضع مبلغاً من المال كان كفيلاً بأن يغطي إيجار غرفتها لشهر كامل وأكثر. قال لها وهو يأخذ اللوحة: "يا ابنتي، أنتِ لا ترسمين أشكالاً، أنتِ ترسمين حرية.. وهذا النوع من الفن لا يقدر بثمن."
كانت تلك أول تذكرة حقيقية للحرية. بمرور الأسابيع، بدأت ريم تعرض رسوماتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبدأت الطلبات تنهال عليها. لم تعد ريم تلك الفتاة التي تطلب الإذن لتشتري ريشة، بل أصبحت تدير حياتها، وتشتري أجود أنواع الألوان الزيتية من تعب يدها.
عاشت ريم حياة جيدة، بسيطة ولكنها كريمة. كل قطعة خبز تأكلها كانت بطعم الانتصار، وكل لوحة تنهيها كانت صفعة في وجه القيود التي حاولت خنقها يوماً ما.