نيمفوريا - صحوة في ساحة الموت - بقلم هديل حميدان | روايتك

اسم الرواية: نيمفوريا
المؤلف / الكاتب: هديل حميدان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صحوة في ساحة الموت

صحوة في ساحة الموت

وقفت أليندا متجمدة في مكانها، عاجزة عن استيعاب أي شيء… لا انتقالها إلى هذا المكان الغريب، ولا تلك الكائنات التي تحلق في السماء وتتحدث كالبشر… لكن… أكثر ما علق في ذهنها، الكلمة التي خرجت من فم ذلك المخلوق. “حارسة…؟” همست بها، وصوتها يحمل مزيجًا من الذهول والإنكار، كأنها تنتظر أن يأتيها جواب… أو أن ينفي أحدهم هذه الكلمة التي لم تنتم إليها يوما. عم صمت طويل… كانت نظرات المخلوق، الممتزجة بذلك الصمت الثقيل، تضيف في داخلها شعورا غامضا… مزيجا من الرهبة والترقب. لكن الصوت في رأسها لم يصمت. كان يكرر… بإلحاح: "لا تتراجعي…لا تهلعي…لا تظهري ضعفك." شدت أليندا على نفسها، وبقيت واقفة… صامدة، في مواجهة مخلوق بدا وكأنه تجسد من ظلام الليل نفسه. مخلوق… أقل ما يقال عنه مرعب. لا عقلها ولا قلبها استطاعا استيعاب وجوده أمامها. تحرك المخلوق أخيرا، وكأنه على وشك أن ينطق… لكن— قبل أن ينبس بكلمة واحدة… انطلقت شعلة بنفسجية داكنة، اخترقت الهواء بسرعة مرعبة، متجهة نحوهما مباشرة. انتبه المخلوق لها في اللحظة الأخيرة، فرفرف بجناحيه بقوة، محلقا إلى الأعلى، متجنبا الضربة بسهولة— وكأنه افترض من أليندا… أنها ستفعل الشيء ذاته. لكنه كان مخطئا. "ابتعدي! اركضي!" صرخ الصوت داخل رأسها. تحركت قدماها فورا، دون تفكير، كأن جسدها وثق بذلك الصوت أكثر مما وثق بعقلها. ركضت. وفي اللحظة التالية— اصطدمت الشعلة بالأرض، تماما حيث كانت تقف. دوى انفجار هائل، ارتجت له الأرض تحت قدميها. توقفت أليندا عن الركض، وقد غمر أذنيها صوت الصدمة، واستدارت ببطء، تتفحص المكان… لكن عينيها اصطدمتا بمشهد تمنت لو أنه مجرد كابوس. حفرة ضخمة… عميقة بشكل مرعب. في المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات فقط. اتسعت عيناها بذهول، وأدركت أن قوة هائلة فقط… يمكنها أن تخترق جبلا بتلك القسوة، وتخلف أثرا كهذا في ثوان. تراجعت خطوة للخلف، ممسكة فستانها بكلتا يديها كي لا تتعثر. رفعت رأسها نحو السماء… باحثة عن مصدر الهجوم. لكن ما رأته— جعل أنفاسها تتجمد. مخلوقات. أكثر رعبا. أكثر وحشية. لم تكن كالمخلوق الأول… بل كانت أقرب إلى ضوار جائعة، تبحث عن فريسة لتمزيقها. أنياب طويلة، عيون حادة مسحوبة، وأجساد بألوان متداخلة بين النيلي والأزرق الفاقع… أما أجنحتها، فكانت تمزق الهواء من حولها بعنف. كانت تدور في السماء،مشكلة دائرة محكمة حولها. تحاصرها. فجأة— سمعت صوتا خلف أذنها: "عددهم خمسة… هذه مشكلة." استدارت بفزع. لتجده، ذلك المخلوق. وبشكل غريب… بدا الآن أقل رعبا مقارنة بتلك الكائنات. عاد المخلوق للتحليق، لكن هذه المرة لم يتركها. مد قدميه التي كانت تشبه مخالب نسر عملاق، وأمسكها من كتفيها بإحكام، ثم اندفع بها عاليا في السماء، مخترقا الدائرة التي شكلتها تلك المخلوقات. وفي اللحظة نفسها— بدأت تلك الكائنات بإطلاق شعلات بنفسجية متتالية نحوهما. لكن المخلوق تحرك بخفة مذهلة، يتفادى الضربات واحدة تلو الأخرى، وكأنه يرى ما لا تراه هي… أو يشعر به قبل أن يحدث. لكن المخلوق تحرك بخفة مذهلة، يتفادى الضربات واحدة تلو الأخرى،وكأنه يرى ما لا تراه هي… أو يشعر به قبل أن يحدث. تشبثت أليندا به بقوة، أصابعها غرزت في فستانها دون وعي، وقلبها يخفق بجنون وهي تشاهد الشعلات تمر بجانبهم، قريبة… قريبة جدا. "احذريي!" صرخ الصوت داخل رأسها فجأة. وفي اللحظة نفسها، مال المخلوق بجسده إلى الأعلى بسرعة حادة، لتعبر شعلة بنفسجية أمامها مباشرة، كادت تلمس وجهها. شهقت أليندا، وشعرت بحرارة اللهب تمر بجانب وجهها. "كيف—" بدأت، لكن صوتها ضاع وسط اندفاع الريح. "ركزي!" عاد الصوت، هذه المرة بحدة أكبر. "القوة ليست في الهروب… بل فيك." "أنا لا أملك أي قوة!" صرخت، وذعرها بدأ يتحول إلى غضب. لكن الصوت لم يتراجع. "انظري إلى القلادة!" ارتجفت يدها دون إرادة، وانخفضت عيناها نحو القلادة المعلقة على صدرها. كانت… تتوهج. الضوء الأخضر الذي بداخلها لم يعد خافتا، بل صار نابضا، أقوى… أشد … كأنه يستجيب لخوفها. "لا… أنا لا أستطيع…" همست. "بل تستطيعين." قالها الصوت بثقة هذه المرة. وفجأة— اهتز جسدها. نبضة قوية انطلقت من صدرها، تلتها أخرى… ثم أخرى… وكأن شيئا بداخلها بدأ يستيقظ. في تلك اللحظة، اندفعت إحدى المخلوقات نحوهم بسرعة هائلة، فاتحة أنيابها، مستعدة للانقضاض. "الآن!" صرخ الصوت. أغمضت أليندا عينيها دون وعي، ورفعت يدها أمامها… ولم تفكر. لم تخطط. فقط… شعرت. وفي اللحظة التالية— انفجر ضوء أخضر ساطع من جسدها. امتد كوميض حي، ضرب الهواء أمامها بقوة هائلة. اصطدم بالمخلوق القادم— وألقاه بعيدا. صمت. لثانية واحدة فقط… حتى المخلوقات الأخرى توقفت. تراجعت قليلا… كأنها لم تتوقع ما حدث. فتحت أليندا عينيها ببطء، أنفاسها متقطعة، وعيناها متسعتان بصدمة. "أنا... أنامن فعل هذا" لاكنها لم تحصل على اي جواب استمرت القلادة في الوميض… بينما كانت أليندا تشعر بشيء غريب، طاقة غير طبيعية تتدفق في عروقها، كأنها لم تعد تنتمي لجسدها بالكامل. رفعت يدها ببطء، تتفحصها… لتتجمد نظراتها. كانت عروقها… تشع. ضوء أخضر ينبض داخل عروقها، مماثل تماما للضوء المنبعث من القلادة، يمتد عبر بشرتها كخيوط حياة مستيقظة. اتسعت عيناها، وأنفاسها تسارعت. "ما الذي… يحدث لي؟" لكنها لم تنتظر جوابا. لأن المخلوقات… تراجعت. في اللحظة التي رفعت فيها يدها، توقفت حركتها، وكأن شيئا غير مرئي أرعبها. ظنت… أنها ستهاجم مجددا. تبادلت نظرات سريعة، ثم— تفرقت. هربت. تلاشت في السماء كما ظهرت، تاركة خلفها ذلك المخلوق المصاب… وحده. عاد المخلوق، واضعا أليندا برفق على سفح الجبل. تراجعت خطوة، لا تزال أنفاسها غير مستقرة، وعيناها معلقتان بكل ما يحدث حولها… وكأنها تخشى أن يتغير المشهد مجددا في أي لحظة. أما هو— فسار بخطوات واثقة نحو الكائن المصاب. لم يستعجل، ولم يلتفت خلفه. كأن ما حدث… لم يكن مفاجئا له. توقف أمامه مباشرة، وانحنى قليلا، وعيناه تراقبان جسده الساكن. بدا وكأنه يستمع… لأنفاسه. لأي إشارة… تدل على أنه لا يزال حيا. لكن لا شيء. سكون تام. مد يده ببطء، ولمس عنقه للحظة قصيرة… ثم سحبها. وهمس، بصوت خافت، خال من أي تردد: "لقد مات." هبت تلك الكلمات كالعاصفة في أذنيها. شعرت وكأن نبضات قلبها توقفت لوهلة… وكأن العالم من حولها انكسر بصمت. "مستحيييل…" صرخت بها، غير مصدقة. ارتجف صوتها، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وعيناها مثبتتان على جسد المخلوق الساكن. ساد صمت قصير… لكن داخلها، كان كل شيء يصرخ. حاولت استيعاب ما يحدث، حاولت أن تجد تفسيرا… أي تفسير… لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تنكر. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت، بصوت بالكاد يسمع: أنا… من قتلته؟" لم تكن تسألهم. بل كانت… تسأل نفسها. لاكن صوت قاتل أتى من ذلك المخلوق... قائلا: "هذه البداية فقط" تجهم وجه أليندا، وكلماته غرست في قلبها كالسكاكين. "ماذا… ماذا تقصد بأنها البداية؟" نظرت إليه باضطراب،تنتظر إجابة… لكن الصمت كان رده. اهتزت أنفاسها، وتابعت بسرعة، كأنها تحاول الدفاع عن نفسها: "أنا لست قاتلة… كان حادثا… أنا حتى لا أعلم كيف فعلت ذلك أصلا!" استدار المخلوق نحوها مباشرة. ولأول مرة… ظهرت الدهشة على ملامحه الباردة. توقفت أليندا عن الكلام،وقد لاحظت التغير في تعبيره. نظر إليها بتمعن، وكأنه يرى شيئا لم يكن يتوقعه. ثم قال: "من أين أتيت؟" ترددت للحظة، ثم أجابت، وصوتها لا يزال مهتزا: "أتيت من… العالم الحقيقي. لا أعلم كيف وجدت نفسي هنا فجأة." ساد صمت. لكن هذه المرة… لم يكن صمتا عاديا. كان صمتا… يسبق حقيقة أكبر. اتسعت عينا المخلوق فجأة، ولأول مرة… لم يكن ذلك الجمود البارد يسيطر على ملامحه. بل— رهبة. حقيقية. تراجع خطوة، للخلف. وكأنه رأى شيئا… لم يكن من المفترض أن يراه. "أنتِ…" همس بصوت متردد، "هذا… مستحيل." تجهم وجه أليندا أكثر، وقد بدأ القلق يتحول إلى توتر حاد. "ما هو المستحيل؟" سألته، بنبرة امتزج فيها التوتر بالخوف. لكن كلماته… لم تكن مفهومة لها. على الأقل— ليس بعقلها. لأن الصوت في رأسها… كان يعلم. وقد أكد لها ذلك، حين همس بهدوء غريب، يكاد يحمل رضا خفيا: "أخيرا… كشفت الحقيقة." تسارعت أنفاسها، وشعرت بشيء بارد يمر في عروقها… ليس خوفا هذه المرة. بل— إحساس بأن حياتها، كما عرفتها… قد انتهت. وفي مكان ما… داخل هذا العالم الذي لم تنتم إليه يوما— كان إسمها الحقيقي… على وشك أن ينادى. . . . . . ♥ _______________________________ إذا وصلتم إلى هنا… ما رأيكم؟ وهل بدأتم تفهمون حقيقة أليندا؟ 👀