الفصل الأول
لم يكن يومًا مختلفًا…
على الأقل، هذا ما ظنه عمر.
استيقظ متأخرًا كعادته،
بنفس الثقل الذي يلتصق بصدره كل صباح…
كأن النوم لم يكن راحة،
بل مجرد هروب مؤقت من واقع لا يتغير.
مد يده نحو هاتفه.
ثلاث إشعارات.
رسالة من ياسر…
واثنتان من رقم مجهول.
فتح رسالة ياسر أولًا:
"ليش سويت كذا أمس؟"
تجمدت عينيه على الشاشة.
همس لنفسه:
"سويت ماذا؟"
كتب بسرعة:
"ما سويت شي… كنت بالبيت."
انتظر.
لا رد.
فتح الرسالتين الأخريين.
"كنت جريء أمس."
"ما توقعتك تقولها لها."
توقف الزمن لثوانٍ.
شعر بشيء غريب…
ليس خوفًا كاملًا…
بل ارتباك عميق،
كأن الحقيقة تقف أمامه… وهو يرفض رؤيتها.
رمى الهاتف جانبًا.
"أكيد في غلط…"
قالها بصوت منخفض،
لكنه لم يقتنع.
في الجامعة…
كل شيء بدا طبيعيًا…
بشكل مقلق.
دخل القاعة،
فالتقت عينه بـ ياسر.
كانت نظرة صديقه مختلفة…
ليست مزاحًا،
ولا حتى عتابًا…
بل شيء يشبه الخيبة.
اقترب منه.
"ياسر… في شيء؟"
ابتسم ياسر ابتسامة باهتة وقال:
"أنت المفروض تقول."
عقد عمر حاجبيه:
"عن ماذا؟"
تنهد ياسر، ثم قال وهو يبتعد:
"واضح إنك ما تبغى تعترف."
تركه… ومشى.
وقف عمر مكانه،
يشعر أن شيئًا ينزلق من بين يديه…
شيء لا يراه.
جلس في مكانه المعتاد.
يحاول أن يقنع نفسه أن كل هذا… مجرد سوء فهم.
لكن قلبه…
لم يهدأ.
بعد دقائق…
دخلت نازك.
كالعادة…
كانت بعيدة عنه.
قريبة من عينيه فقط…
بعيدة عن حياته.
لم يكن يملك الجرأة ليقترب منها،
ولا حتى ليبدأ حديثًا عاديًا.
لكن هذه المرة…
هي اقتربت.
توقفت أمامه.
رفع رأسه ببطء…
فقابلته بابتسامة.
ابتسامة لم يرها منهـا من قبل.
قالت بهدوء:
"ما توقعتك تكون كذا يا عمر."
شعر بشيء يسقط داخله.
"أكون كيف؟"
ضحكت بخفة، وكأنها تستمتع بحيرته:
"جريء… وواضح."
ارتبك.
"نازك… أنا ما—"
قاطعتـه بسرعة:
"لا تبرر… خلاص فهمت."
ثم ابتعدت… وجلست.
لكنها لم تتوقف عن النظر إليه.
نظرة مختلفة…
ليست تلك التي اعتادها.
نظرة…
كأنها ترى شخصًا آخر.
بقي طوال المحاضرة…
لا يسمع شيئًا.
فقط سؤال واحد يدور في رأسه:
"ماذا حدث أمس؟"
عاد إلى المنزل مع غروب الشمس.
الهدوء كان أثقل من المعتاد.
جلس على سريره…
وأعاد فتح هاتفه.
بدأ يقرأ المحادثات.
رسائل… لم يكتبها.
كلمات… لا تشبهه.
جرأة… ليست له.
لكنها خرجت من رقمه.
توقف عند رسالة واحدة…
"تعبت من السكوت… وأنا أحبك."
أنفاسه اختنقت.
هذه الرسالة…
موجهة إلى نازك.
هو لم يكتبها.
هو لم يقلها.
هو…
لم يكن هناك.
وقف فجأة.
توجه نحو المرآة.
نظر إلى نفسه طويلًا…
نفس الوجه.
نفس الملامح.
نفس التعب.
لكن الإحساس… مختلف.
لأول مرة…
لم يشعر أن الذي أمامه هو نفسه.
اقترب أكثر…
وهمس:
"لو أنا ما سويت هذا…"
توقف…
ثم قال بصوت أخفض:
"فمن؟"
رن الهاتف.
رقم مجهول.
تردد…
ثم أجاب.
صمت.
ثوانٍ بطيئة مرت…
ثم جاء الصوت.
صوته.
لكن… ليس هو.
"واضح إنك بدأت تفهم يا عمر."