الفصل الاخير
لم يكن أحمد مرتاحًا.
ليس بعد اعتراف ليان.
ولا بعد رحيل ندى.
بل بعد أن أصبح وحده…
مع نفسه.
جلس في نفس المكان.
نفس الطاولة.
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك أحد.
لا ليان.
ولا ندى.
فقط…
أفكاره.
"أنا وش أبغى؟"
سؤال بسيط…
لكنه كان أصعب من كل شيء.
أغمض عينيه.
تذكر ليان…
البداية.
الاهتمام.
الانتظار.
تذكر كيف كان…
ينتظر كلمة منها.
نظرة.
إشارة.
ثم تذكر…
التجاهل.
التردد.
البرود.
فتح عينيه ببطء.
"كنت أحبها…"
قالها بصوت صادق.
"بس…"
سكت.
"كنت أتأذى."
صمت.
ثم…
ظهرت صورة أخرى.
ندى.
هدوءها.
بساطتها.
اهتمامها الصادق.
كيف كانت تسمعه…
بدون ما يطلب.
كيف كانت موجودة…
بدون شروط.
وكيف…
اختارت نفسها.
تنفس بعمق.
"هي ما كانت تعوض أحد…"
"كانت حقيقية."
سكت.
وهنا…
وصل.
ليس إلى شعور جديد…
بل إلى فهم.
"أنا ما كنت أشوفها…"
"كنت مشغول بغيرها."
وقف.
أخذ هاتفه.
تردد…
لثوانٍ.
ثم فتح المحادثات.
بحث عن اسمها.
ندى.
توقف إصبعه فوق الاسم.
"يمكن تأخرت…"
همس بها.
"بس مو غلط أصلّح."
ضغط.
كتب:
"أحتاج أتكلم معك."
توقف.
مسح الرسالة.
ثم كتب من جديد:
"كنت غلطان."
توقف.
ثم كتب أخيرًا…
"إذا لسه فيه فرصة… أنا أبغى أكون واضح هالمرة."
أرسل.
نظر للشاشة.
القلب…
يدق بشكل مختلف.
ليس خوفًا…
بل صدق.
في مكان آخر،
كانت ليان تجلس وحدها.
تمسك هاتفها.
تنتظر.
ليس رسالة.
بل إحساس.
شيء يخبرها…
أن الأمور لم تنتهِ.
لكن هذه المرة…
الإحساس كان مختلف.
هادئ.
بارد.
كأن شيئًا…
انسحب منها.
بدون صوت.
أما أحمد…
فجلس.
ينتظر.
لكنه هذه المرة…
لم يكن ينتظر من لا يراه.
بل…
يحاول أن يلحق
بمن كان يراه
لم ترد ندى مباشرة.
قرأت الرسالة…
وأغلقت الهاتف.
ليس لأنها لم تهتم…
بل لأنها هذه المرة،
لم تكن مستعدة تندفع.
جلست تفكر.
"رجع…"
الكلمة كانت بسيطة…
لكنها لم تعد تعني نفس الشيء.
تذكرت نفسها…
كيف كانت تنتظر.
كيف كانت تبرر.
كيف كانت ترى… وتسكت.
تنفست بعمق.
"مو نفس ندى."
قالتها لنفسها بثبات.
في اليوم التالي،
ردت.
"نقدر نتكلم."
فقط.
لا زيادة.
لا دفء زائد.
وضعت الهاتف جانبًا.
أما أحمد…
فقرأ الرسالة.
وشعر بشيء مختلف.
راحة…
لكن حذرة.
"تمام."
التقيا.
في نفس المكان…
لكن الإحساس لم يكن نفسه.
لم تكن تبتسم كما كانت.
ولم يقترب كما كان يفعل.
جلسا.
ثوانٍ من الصمت.
هذه المرة…
لم تكن مريحة.
"أنا ما راح أطول."
قالها أحمد بهدوء.
"بس… أبغى أكون واضح."
نظرت له.
"تفضل."
"أنا كنت غلطان."
قالها مباشرة.
"كنت مشغول بشيء… ما كان يخليني أشوفك صح."
سكت لحظة…
ثم أكمل:
"بس لما مشيتي… فهمت."
نظرت له…
لكنها لم تذُب.
"فهمت إيش؟"
"إنك كنت الشيء الوحيد… اللي كان صادق معي بدون ما يطلب."
صمت.
"وإني خسرتك… لأني كنت أتردد."
سكتت.
ثم قالت بهدوء مختلف:
"وأنا؟"
نظر لها باستغراب بسيط.
"أنا إيش بالنسبة لك الحين؟"
سؤال مباشر.
تنفس ببطء.
"أبغى أكون معك."
قالها بوضوح.
لكنها…
لم تبتسم.
بل نظرت له بعمق.
"مو كفاية."
تجمد.
"إيش؟"
"مو كفاية تقول تبغاني."
قالتها بثبات.
"أنا كنت موجودة… وما كنت تبغاني كفاية."
صمت.
"الحين… الوضع مختلف."
سكتت لحظة…
ثم أكملت:
"لو برجع…"
رفعت عينيها له:
"برجع وأنا واثقة إنك مو جاي تعوض شيء."
"ولا جاي تهرب من أحد."
"ولا جاي لأنك تعبت."
سكتت.
"أنا أبغى شخص… يختارني وهو مرتاح."
صمت طويل.
نظر لها أحمد…
وهذه المرة،
لم يشعر أنه يُختبر.
بل…
أنه أمام حقيقة.
أومأ برأسه ببطء.
"أنا أختارك."
قالها بهدوء…
لكن بثبات مختلف.
"مو لأن غيرك اختفى…"
"بل لأنك كنت الصح من البداية."
سكت.
"وأنا اللي تأخرت."
نظرت له.
لثوانٍ.
تحاول تقرأه.
تتأكد…
أنها هذه المرة،
لن تخطئ.
ثم…
ابتسمت.
ابتسامة خفيفة.
لكن حقيقية.
"تمام."
قالتها ببساطة.
لكنها لم تضف شيئًا.
ولم تقترب.
لأن هذه المرة…
البداية
لن تكون سهلة.
لكنها…
ستكون صحيحة.
في مكان آخر،
كانت ليان تمشي وحدها.
شعرت بشيء غريب.
كأن صفحة…
أُغلقت.
بدون ما تُقلب.
توقفت.
تنفست ببطء.
"يمكن…"
همست.
"هذا اللي أستاهله."
لكن لأول مرة…
لم تكن غاضبة.
بل…
هادئة.
حزينة…
لكن هادئة.
🔥
لم يكن اللقاء مخططًا.
ولا مقصودًا.
لكن بعض النهايات…
تجد طريقها بنفسها.
في ساحة الجامعة،
قبل الغروب بقليل…
كانت ليان تمشي وحدها.
الجو هادئ.
والناس أقل من المعتاد.
توقفت للحظة…
تنظر للمكان.
نفس المكان…
الذي كان مليئًا بتفاصيل كثيرة.
ضحكات.
انتظار.
أشياء… لم تعد موجودة.
"غريب."
همست.
"كيف كل شيء يختفي… ويبقى الإحساس."
"مو كلّه يختفي."
صوته.
التفتت.
أحمد.
واقف على بعد خطوات.
نفس الملامح…
لكن بشيء مختلف.
هدوء أعمق.
نظرت له…
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"أهلين."
"أهلين."
صمت.
لكن هذه المرة…
لم يكن صمتًا ثقيلاً.
بل صمت…
مفهوم.
"كيفك؟"
"كويسة."
"وأنت؟"
"تمام."
أجوبة بسيطة…
لكنها كافية.
نظر حوله…
ثم عاد لها:
"آخر مرة… ما انتهى الكلام صح."
هزّت رأسها بخفة:
"يمكن لأنه انتهى بدون ما نقول."
ابتسم بخفة.
"يمكن."
سكت لحظة…
ثم قال:
"كنت صادق يوم قلت إني كنت أنتظر."
نظرت له.
"وأنا كنت صادقة… يوم قلت إني فهمت متأخر."
صمت.
لكن هذه المرة…
لم يكن فيه ألم.
بل اعتراف.
"ليان…"
"إيه؟"
"أنا مبسوط إنك قلتيها."
رفعت حاجبها بخفة:
"حتى لو متأخر؟"
"حتى لو."
سكت.
"لأنها كانت حقيقية."
ابتسمت.
"وأنت…"
قالتها بهدوء:
"أنا مبسوطة إنك ما رجعت."
استغرب قليلًا:
"ليش؟"
"لأنك لو رجعت وقتها…"
سكتت لحظة…
"كنت راح أرجع لنفس الغلط."
صمت.
ثم ضحك بخفة:
"واضح إننا كنا نتعلم على حساب بعض."
"واضح."
وقفوا للحظة…
ينظرون للمكان.
ثم قالت:
"هي كويسة؟"
فهم مباشرة.
"إيه."
"اهتم فيها."
نظر لها…
بامتنان صامت.
"أكيد."
سكتت.
ثم قالت:
"أحمد…"
"إيه؟"
"شكرًا."
استغرب:
"على إيش؟"
"على إنك كنت صادق… حتى لما كان صعب."
صمت.
"وأنتِ…"
قالها بهدوء:
"شكرًا لأنك علمتيني… إني ما أستنى كثير."
ابتسمت.
لكن هذه المرة…
لم تكن حزينة.
كانت مرتاحة.
"أظن… كذا كفاية."
قالتها وهي تنظر له.
"إيه."
أومأ برأسه.
"كفاية."
لا عناق.
لا تردد.
فقط…
نظرة أخيرة.
ثم…
كل واحد
اختار طريقه.
بدون ندم.
وبقلب…
تعلم.
النهاية.
🔥