الفصل الثالث: الانقسام الأول
لم تنم نور تلك الليلة.
كانت كلما أغمضت عينيها…
تشعر أن هناك من يفتح عينيها من الداخل.
جلست على سريرها، تحدق في الظلام.
البيت هادئ، لكن الهدوء لم يكن مريحًا.
كان هناك إحساس واضح…
أنها ليست وحدها في الغرفة.
همست:
“إذا كنت موجود… اطلع.”
لم يرد أحد.
لكن الهاتف على الطاولة أضاء فجأة.
رسالة واحدة فقط:
“أنا ما أطلع… أنا كنت هنا من البداية.”
ارتجفت يداها.
نظرت حولها بسرعة.
“هذا مو طبيعي…” قالت لنفسها.
لكن الصوت جاء هذه المرة من داخلها مباشرة:
“مو طبيعي… لأنك بدأتِ تسمعينني بوضوح.”
قفزت واقفة:
“اسكت!”
صمت لحظة.
ثم عاد الصوت بهدوء:
“أنا ما أتكلم بصوت عالي… أنتِ اللي صرتِ تسمعين أكثر.”
اقتربت من المرآة مرة أخرى، رغم خوفها.
لكن هذه المرة…
لم تكن المرآة صافية.
كانت تتغير.
تتشقق من الداخل… كأنها شاشة تتحطم بصمت.
ثم ظهر انعكاسها.
لكن ليس واحدًا.
اثنان.
ثم ثلاثة.
نور تراجعت:
“هذا مستحيل…”
أحد الانعكاسات اقترب وقال:
“مو مستحيل… هذا أنتِ.”
الثاني قال:
“أنا اللي تخافين تعترفين فيه.”
الثالث بقي صامتًا… فقط ينظر.
قالت نور بصوت مرتجف:
“أنا واحدة!”
ضحكوا جميعًا في نفس اللحظة.
لكن الضحك لم يكن واحدًا…
كان مختلفًا في كل نسخة.
ثم قالوا معًا:
“هذا أكبر كذبة قلتيها لنفسك.”
فجأة…
بدأت الغرفة تتغير.
الأثاث لم يعد في مكانه الصحيح.
الجدران كأنها تقترب.
الضوء أصبح أضعف.
ونور بدأت تشعر بشيء غريب جدًا…
أن ذاكرتها ليست مستقرة.
مشاهد صغيرة… تتغير.
مرة تتذكر أنها قالت كلمة.
ثم فجأة تتذكر أنها لم تقلها.
مرة تتذكر أنها جلست هنا… ثم لا تتذكر كيف وصلت.
صرخت:
“إيش اللي يصير فيني؟!”
رد الصوت:
“أنتِ ما تتكسرين…”
توقف لحظة.
ثم أكمل:
“أنتِ تنقسمين.”
تجمدت.
“ليش؟”
سكت.
ثم جاء الرد:
“لأنك كل مرة تخافين فيها… تتركين جزء منك في مكان ثاني.”
اقتربت النسخ داخل المرآة أكثر.
حتى أصبح الزجاج كأنه لا يوجد.
قال أحدهم:
“أنا خوفك.”
وقال الثاني:
“أنا قرارك اللي ما أخدتيه.”
وقال الثالث:
“وأنا… أنتِ لما قررتي تنسين.”
بدأت نور تبكي بدون أن تشعر.
“أنا ما أبغى هذا…”
اقتربت يد من داخل المرآة.
لكنها لم تكن تريد إخراجها.
بل كانت تريد سحبها للداخل.
وقال الصوت الأخير:
“أخيرًا… وقت الاجتماع.”
وفجأة…
انكسرت المرآة من الداخل فقط.
ليس زجاجًا…
بل واقعًا.
وانسحبت نور خطوة… ثم أخرى…
لكن الأرض لم تعد أرضًا.
كانت تسقط داخل نفسها.
وفي آخر لحظة سمعت صوتها الحقيقي يقول:
“هل أنا أنا… أم نحن أنا؟”
ثم اختفت.
وصمت كل شيء.
يتبع… 👁️