انسحاب بكبرياء وكرامه - الفصل السادس - بقلم إبراهيم موسى | روايتك

اسم الرواية: انسحاب بكبرياء وكرامه
المؤلف / الكاتب: إبراهيم موسى
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

لم تكن ليان تنام جيدًا. الأفكار لم تعد مجرد تساؤلات… بل تحولت إلى ضجيج. كل موقف، كل نظرة، كل كلمة قالها أحمد لغيرها… كانت تعيد نفسها في رأسها بشكل مرهق. "أنا مو كذا…" قالتها وهي تنظر لنفسها في المرآة. لكن الحقيقة… أنها لم تعد تعرف كيف أصبحت. في اليوم التالي، رأتهم مرة أخرى. في نفس المكان. نفس القرب. نفس التفاصيل الصغيرة التي أصبحت تزعجها أكثر من اللازم. ضحكة ندى… كانت كافية لتشعل بداخلها شيئًا لم تستطع إيقافه. اقتربت. لكن هذه المرة… لم تتوقف. "واضح إنكم مستمتعين." قالتها بنبرة لم تكن هادئة. رفع أحمد رأسه، ونظر لها باستغراب خفيف. أما ندى… فصمتت. "ليان؟" قالها أحمد وكأنه يحاول يفهم. لكنها لم تنتظر. "بصراحة، ما توقعتك كذا." سكتت لحظة، ثم أكملت… لكن هذه المرة باندفاع واضح: "كل هذا عشان تثبت شي؟ ولا عشان تلفت الانتباه؟" ساد الصمت. ثواني… لكنها كانت ثقيلة. "وش تقصدين؟" قالها أحمد بهدوء، لكن نبرته تغيرت. ضحكت بسخرية خفيفة: "واضح يعني… فجأة صرت تذاكر مع بنات، وتجلس بالساعات… شيء غريب عليك." نظرت ندى لها، ثم قالت بهدوء: "لو عندك مشكلة، ممكن تتكلمي معه بدون ما تدخليني." لكن ليان لم تتوقف. وهنا… كان الخطأ. "أنا ما أتكلم معك أصلًا." نظرت لها بنظرة حادة: "بس نصيحة… لا تنخدعين. هو مو كذا، هو بس… يتغير حسب مين قدامه." هذه الجملة… كانت أقسى مما توقعت. تغير وجه أحمد. وقف. ببطء. هدوءه لم يعد كما كان. "كفاية." قالها بنبرة منخفضة… لكن حادة. نظرت له، ولأول مرة… شعرت أنها ربما تجاوزت حدًا ما. "أنا ما طلبت منك تفهميني." أكمل بهدوء ثابت: "ولا طلبت منك تراقبيني." سكت لحظة… ثم قال الجملة التي لم تكن مستعدة لها: "وأكيد ما أعطيتك حق تتكلمي عني كذا قدام الناس." سقطت الكلمات عليها بثقل. حاولت ترد… لكن لم تجد شيئًا. "وبالنسبة لندى…" نظر لها، ثم أكمل: "هي محترمة أكثر من إنها تدخل في شيء مالها فيه." نظرت ليان لندى… ثم له. شعور غريب… ليس فقط غيرة الآن. بل شيء أقسى. "خلصتي؟" قالها بهدوء. لم تجب. "تمام." عاد يجلس. وكأن الحديث… انتهى. وقفت ليان لثوانٍ. مكانها. لا تتحرك. لا تتكلم. ثم… استدارت. ومشت. لكن هذه المرة… لم يكن بداخلها مجرد ضيق. كان هناك شيء آخر. شيء يشبه… الندم. في الخارج، وقفت. حاولت تتنفس. لكن صدرها كان ضيقًا. "أنا وش سويت…؟" خرجت منها بصوت مكسور. لأول مرة… تشعر أنها لم تخسره فقط. بل… كسرت الصورة التي كانت بينهما. أما أحمد… فلم يكن غاضبًا فقط. بل متأكد الآن… أن الابتعاد كان القرار الصحيح. لم تكن ليان من النوع الذي يعتذر بسهولة… لكن هذه المرة، لم يكن عندها خيار. قضت يومين كاملين تتجنب المرور من نفس الأماكن. المكتبة. الساحة. حتى الممرات التي قد تلتقيه فيها… كانت تغيّر طريقها. لكن الهروب… لم يكن يخفف شيئًا. بل كان يزيده. في الليلة الثالثة، جلست على سريرها، تنظر إلى هاتفها طويلًا. فتحت المحادثة… أغلقتها. كتبت… مسحت. تنفست بعمق. ثم همست: "أنا لازم أواجهه." في اليوم التالي، رأته. كان واقفًا في ساحة الجامعة، يتحدث مع مجموعة من الطلاب. نفس الهدوء. نفس الثقة. وكأن شيئًا لم يحدث. ترددت. خطوة للأمام… ثم توقفت. لكن هذه المرة… لم تهرب. "أحمد." قالتها بصوت أخف من المعتاد. التفت. نظر لها. بهدوء. "ممكن دقيقة؟" سكت لثوانٍ… ثم قال: "قولي." "لوحدنا." نظر حوله، ثم قال للطلاب: "دقيقة." ابتعدوا قليلًا. بقيت المسافة بينهما… غريبة. ليست قريبة، وليست بعيدة. "أنا…" توقفت. لأول مرة… الكلمات خانتها. "أنا آسفة." قالتها أخيرًا. بصدق. بدون تبرير. نظر لها… لكن ملامحه لم تتغير. "اللي صار… ما كان صح." أكملت بصوت أهدأ: "أنا ما كان قصدي أتكلم عنك كذا… ولا أحرجك قدام أحد." سكتت لحظة… ثم قالت: "بس… يمكن كنت متضايقة." "يمكن." قالها بهدوء. رفعت عينيها له. تنتظر. أي شيء. كلمة. رد. "أحمد…" قالتها هذه المرة بنبرة أضعف: "أنا ما أبغى نخسر بعض كذا." هنا… تنفس ببطء. ونظر لها بشكل مباشر. "ليان…" سكت لحظة. ثم قالها… ببرود واضح: "لو كان بيننا باب… كنت طرقته." تجمدت. "لكن…" أكمل بهدوء قاسٍ: "ما بيننا شيء." شعرت أن الكلمات سقطت داخلها دفعة واحدة. "والشيء اللي ما له وجود…" توقف لحظة، ثم أكمل: "ما أقدر أصلحه." لم ترد. لم تستطع. "أنا ما زعلان." قالها بنفس الهدوء. "بس… خلاص." "خلاص؟" همست بها، وكأنها لم تفهم. "إيه." نظر بعيدًا قليلًا، ثم عاد لها: "كل واحد بحاله… أريح." كانت تسمع… لكنها لم تستوعب. "طيب…" قالتها بصعوبة. "يعني… ما في حتى—" قاطعها بلطف بارد: "لا." صمت. صمت طويل… أقسى من أي كلمة. أومأت برأسها ببطء. "تمام." استدارت. بدأت تمشي… لكن هذه المرة، لم يكن المشي هروبًا. كان… انسحابًا. وفي داخلها، لم يكن هناك غضب. ولا حتى غيرة. كان هناك شيء واحد فقط… فراغ ثقيل. أما أحمد… فبقي مكانه للحظة. ينظر في الاتجاه الذي ذهبت إليه. لم يشعر بالانتصار. ولا بالراحة. لكن كان متأكدًا من شيء واحد: أنه هذه المرة… لم يكسر نفسه ليُبقي أحدًا. 🔥