الفصل الخامس
لم يكن يبحث عن أحد…
لكن الحياة، حين تبدأ بالترتيب، تضع أمامك أشياء لم تخطط لها.
في نفس المكتبة، في نفس الطاولة التي اعتاد الجلوس عليها…
كانت هناك هذه المرة شخصٌ آخر.
"ممكن أجلس؟"
رفع عينيه قليلًا، فتاة تحمل كتبًا كثيرة، وعلى وجهها تعب خفيف… وابتسامة هادئة.
"تفضلي."
جلست، رتبت كتبها، ثم قالت وهي تضحك بخفة: "واضح إن المكان هذا محجوز لك دائمًا."
ابتسم: "تقريبًا."
"أنا ندى."
تردد لثانية… ثم قال: "أحمد."
لم يكن اللقاء مهمًا…
لكن الأحاديث الصغيرة، هي التي تفتح أبوابًا كبيرة دون أن نشعر.
في الأيام التالية، تكرر وجودها.
مرة تسأله عن ملاحظة، مرة تناقشه في فكرة، ومرة… فقط تجلس بصمت.
لكن الفرق…
أن الصمت معها لم يكن ثقيلًا.
في أحد الأيام،
كانت ليان تمر بجانب المكتبة…
توقفت دون قصد.
رأته.
لكن…
لم يكن وحده.
كان يجلس، يميل قليلًا للأمام، يشرح شيئًا بتركيز…
وهي تنظر إليه باهتمام واضح.
وتبتسم.
ابتسامة لم ترها ليان من قبل…
ابتسامة إعجاب.
تجمدت للحظة.
شيء داخلها لم يعجبها.
"عادي…"
قالتها في نفسها.
"أكيد بس زميلة."
لكنها لم تتحرك.
بقيت تراقب.
كل تفصيلة صغيرة…
كيف ينظر لها، كيف يبتسم، كيف يتحدث…
نفس الأشياء التي كانت تظن أنها تخصها فقط.
في ساحة الجامعة،
كانت ندى تمشي بجانبه.
"بصراحة، شرحك أمس أنقذني."
"مو لهدرجة."
"لا… فعلًا. أنت تشرح كأنك دكتور."
ضحك بخفة: "يمكن عشان أشرح لنفسي قبل أي أحد."
"واضح."
في تلك اللحظة…
مرّت ليان.
نظرت.
توقفت.
لم تسلّم.
فقط نظرت…
نظرة قصيرة، لكن مليئة بشيء لم تعتد عليه.
لم تكن غيرة صريحة…
لكنها كانت بداية.
في المساء،
جلست ليان وحدها.
تفتح هاتفها، تغلقه، تعود تفتحه.
تبحث عن اسمه…
تتردد.
"ليش مهتمة أصلًا؟"
لكن السؤال الحقيقي كان:
"ليش مو أنا؟"
أما هو…
فلم يكن يقارن.
لم يكن يحاول أن يُظهر شيئًا.
كان فقط يعيش…
بشكل طبيعي.
لكن هذه المرة،
لم يكن وحده في المشهد.
في اليوم التالي
لم تكن ليان من النوع الذي يغار…
أو هكذا كانت تظن.
لكن في الأيام الأخيرة، أصبحت ترى أشياء لم تكن تلاحظها من قبل.
أو ربما…
كانت ترى، لكن لم تكن تهتم.
في المحاضرة،
دخل أحمد متأخرًا قليلًا، وجلس في الصف الأمامي…
بجانب ندى.
مكان لم يكن يجلس فيه سابقًا.
رفعت ليان عينيها من الدفتر…
ورأته.
ليس وجوده هو ما أزعجها…
بل سهولته.
جلس، فتح دفتَره، تحدث معها بشكل طبيعي…
كأن كل شيء بينه وبين ليان لم يكن يومًا.
بعد دقائق،
انحنت ندى نحوه قليلًا: "هذا السؤال ما فهمته."
اقترب منها، وبدأ يشرح بهدوء.
قريب…
أقرب مما يجب.
توقفت يد ليان عن الكتابة.
القلم ما زال بين أصابعها…
لكن عقلها لم يعد في المحاضرة.
"ليش متضايقة؟"
سألتها صديقتها بصوت منخفض.
"مو متضايقة."
ردت بسرعة…
أسرع من اللازم.
بعد انتهاء المحاضرة،
خرج الجميع.
كانت ليان تمشي ببطء…
وكأنها تنتظر شيئًا.
أو شخصًا.
مرّ أحمد بجانبها…
لكن لم يكن وحده.
"نلتقي في المكتبة؟" قالتها ندى.
"أكيد."
رد ببساطة.
ببساطة… مزعجة.
توقفت ليان.
استدارت قليلًا…
تنظر لهما وهما يبتعدان.
ضحكة خفيفة خرجت من ندى…
وابتسامة هادئة منه.
نفس الابتسامة…
التي كانت يومًا تعني شيئًا لها.
في اليوم التالي،
قررت ليان أن تذهب إلى المكتبة.
ليس لأنها تحتاجها…
بل لأنها تريد أن ترى.
دخلت بهدوء، وعيناها تبحثان…
حتى وجدته.
نفس الطاولة.
نفس المكان.
لكن…
ليس نفس المشهد.
كانت ندى تجلس أمامه، تضحك بصوت منخفض.
وهو…
ينظر لها باهتمام.
تقدمت ليان.
خطوة…
خطوتين…
ثم وقفت أمام الطاولة.
"أحمد."
رفع رأسه.
"أهلين."
نفس الرد.
نفس الهدوء.
لكن هذه المرة…
أزعجها أكثر.
نظرت إلى ندى: "ممكن دقيقة؟"
سكتت ندى لثوانٍ، ثم ابتسمت: "أكيد."
وقفت وابتعدت قليلًا.
جلست ليان مكانها.
أمام أحمد مباشرة.
نظرت إليه، لكن الكلمات…
لم تكن سهلة كما توقعت.
"واضح إنك مشغول."
"شوي."
"معها يعني."
رفع حاجبه قليلًا: "مع زميلة… نراجع."
سكتت.
ثم قالت بنبرة أخف، لكنها تحمل شيئًا واضحًا:
"كنت أحسب إنك ما تحب تذاكر مع أحد."
ابتسم بخفة: "الناس تتغير."
جملة بسيطة…
لكنها نزلت عليها بثقل غير متوقع.
"أحمد…"
قالتها هذه المرة بهدوء مختلف.
"إيه؟"
ترددت.
لأول مرة…
لا تعرف ماذا تقول.
هل تسأله؟ هل تعاتبه؟ هل تعترف بشيء لا تفهمه؟
"ولا شي."
قالتها بسرعة.
وقفت.
"بالتوفيق."
"وإياك."
عادت تمشي…
لكن خطواتها لم تكن ثابتة.
داخلها، شيء بدأ يتحرك بقوة.
شيء لم تعتد عليه.
ليس مجرد انزعاج…
بل شعور أعمق.
في تلك الليلة،
لم تستطع النوم بسهولة.
كل مرة تغلق عينيها…
ترى نفس المشهد.
هو…
مع غيرها.
ببساطة.
بدون أن يحتاجها.
وضعت هاتفها أمامها.
فتحت المحادثة…
تأملت اسمه.
أصابعها تحركت…
ثم توقفت.
"أنا ليش كذا؟"
سؤال خرج منها بصوت خافت.
لكن الجواب…
كان أوضح مما تتوقع.
أما أحمد…
فلم يكن يعلم أنه أصبح سبب صراع داخلها.
ولم يكن يحاول ذلك أصلًا.
لكن الحياة أحيانًا…
تعيد نفس الشعور
بطريقة معكوسة تمامًا.
🔥 🔥