الفصل العاشر
الجناح الملكي وجرح الكرامة:
خلف الأبواب الموصدة للجناح الملكي، حيث تخفت الأضواء ولا يسمع إلا حفيف الستائر الحريرية، كان الملك ميدار يسير ذهاباً وإياباً بخطوات ثقيلة كأنها قرع طبول الحرب. كان وجهه شاحباً من شدة الحنق، وعيناه اللتان طالما اتسمتا بالرحمة، تشتعلان الآن ببريق من الخيبة والأسى.
كانت الملكة جولينا تجلس على أريكتها المخملية، تراقبه بقلق وهي تمسك بقلادة ذهبية في عنقها. كانت تعرف هذه الحالة جيداً، ميدار لا يغضب بهذا الشكل إلا إذا مُست مبادئه التي أفنى عمره في بنائها.
التفت ميدار نحوها فجأة، وقال بصوت مخنوق بالمرارة:
— جولينا.. ابنكِ لا يزال يظن أن التاج هو رخصة للسطو على قلوب الضعفاء. روجيل في أركونيا الآن، وبدلاً من أن يحمل هيبة ديودار، ذهب ليمارس هوايته الدنيئة في تصيد فتيات العامة!
تنهدت جولينا بحزن وقالت بصوت هادئ محاولةً تهدئته:
— ميدار، لعله مجرد طيش شباب.. ربما أعجبته فتاة هناك، أليس من حق الأمير أن يعجب؟
قاطعها ميدار بحدة، ضارباً كفه على طاولة قريبة:
— الإعجاب له أصوله وفروسيته يا جولينا! لكن روجيل يبحث عن الضعف لا عن الجمال. باروس يخبرني أنه يطارد فتاة فقيرة هناك.. أتدركين ماذا يعني هذا؟ إنه يختارها لأنها بلا إراده، لأنها لا تملك أن ترفضه بلسانها، ولا تملك عشيرة تحميها من نفوذه. هذا ليس إعجاباً، هذا سطوٌ جبان!
اقتربت جولينا منه ووضعت يدها على كتفه، لكنه استمر في حديثه المندفع:
— خلافي معه ليس على تسكعه في الأسواق، فالعامة هم أهلنا. خلافي على تلك الدماغ المسمومة التي تقوده؛ إنه يرى في الفقر ثغرة لغريزته. يظن أن كرامة هؤلاء الناس رخيصة لأن ثيابهم رثة. لقد حذرتُه مئة مرة، أخبرتُه أن الأمير الحقيقي هو من يحمي ضعف رعيته، لا من يتخذه وسيلة للوصول لمآربه.
صمت ميدار قليلاً ثم أردف بلهجة يملؤها الوجع:
— أخشى عليه من نفسه يا جولينا. أخشى أن يرتكب حماقة في أركونيا تلطخ اسمنا للأبد. الملك أرثر رجلاً ليس سهل ويغلي الآن بسبب فقدان ابنته الأميرة، وسيدريك يفتش عن خيط لإنقاذ العرش، وابنكِ يلهو في وسط النيران بملاحقة فتاة مسكينة لا حول لها ولا قوة. لقد أصدرتُ أوامري لـ 'ظلالنا' هناك.. لن يسمحوا له بلمسها. سأحميها منه وكأنها ابنتي، حتى لو اضطررتُ لمواجهة ابني كعدو.
نظرت جولينا إلى عيني زوجها، وأدركت أن الأمر هذه المرة تجاوز مجرد توبيخ أبوي؛ لقد أصبح صراعاً بين ملك يحترم الإنسان، وأمير يرى في الإنسان مجرد أداة لإشباع غروره.
تحت الحصار الصامت:
كان متجر "بياتريس" للثياب والعطور يفوح برائحة الياسمين الجبلي والكتان المغسول، وهو المكان الوحيد في الحي الذي يجمع بين أناقة الطبقة الوسطى وبساطة العامة. دخلت تيا وهي تسحب كيمارا من يدها، محاولةً تخفيف عبء العمل عنها لبعض الوقت، ولم تكن كيمارا تعلم أن هذا المتجر سيتحول إلى مسرح لمطاردة الأمير، بينما كانت تيا تساوم "بياتريس" على قطعة من القماش، كانت كيمارا تقف في زاوية المتجر، تمسح بيدها المتعبة على الأثواب المعلقة. لفت نظرها ثوبٌ من الحرير البسيط، لونه يشبه لون الغسق الذي كانت تراقبه من نافذة غرفتها في القصر. للحظة، استعادت كيمارا ذاكرتها الملكية؛ فلامست القماش بخبرة مَن اعتاد ارتداء نفس المنسوجات، وظهرت على وجهها مسحة من الرقي لم تستطع ثياب "كارولين" الرثة إخفاءها. في تلك اللحظة، رنّ جرس الباب بعنف، ودلف الأمير روجيل. لم يغير ثيابه الفاخرة، بل جاء بجواده الذي ربطه أمام المحل مباشرة، وكأنه يثبت للجميع أن المكان والزمان ملكٌ له. تجمدت كيمارا في مكانها، بينما تراجعت بياتريس بذعر وانحنت تيا باحترام مشوب بالقلق. اتجه روجيل بخطواته الواثقة نحو الزاوية التي تقف فيها كيمارا، وتجاهل الجميع. وقف خلفها مباشرة، حتى شعرت ببرودة أزراره المعدنية تلامس ظهرها، وهمس بصوت سمعه الحاضرون بوضوح:
— الحرير يبحث عن صاحبه يا 'كارولين'.. لمستكِ لهذا الثوب لم تكن لمسة فتاة لم تلبس إلا الخيش. هناك شيء في طريقة وقفتكِ يخبرني أنكِ تسرقين هذا الجمال سرقة، أو أنكِ جوهرة مخبأة في غير مكانها.
التفتت كيمارا ببطء، منكسة رأسها كعادتها، لكن روجيل لم يمهلها؛ بل مد يده وأمسك بخصيلة من شعرها التي أفلتت من وشاحها، ولفها حول إصبعه بجرأة وهو يبتسم بانتصار:
— لماذا يهرب بصركِ؟ هل تخشين أن أقرأ في عينيكِ سركِ؟ أم تخافين من سطوة هذا الإعجاب الذي يحاصركِ؟ أنتِ هنا ضعيفة يا جميلة الصمت.. لا أب يحميكِ، ولا لسان يسعفكِ. لولا وجودي، لظلت هذه اليد تجرحها أشواك القش للأبد.
تدخلت تيا بصوت مرتجف يحاول حماية صديقتها:
— سيدي الأمير.. إنها مجرد فتاة تعمل في الورشة، لا تفهم في الحرير ولا في كلام النبلاء. أرجوك، نحن هنا فقط للتبضع.
ضحك روجيل ضحكة باردة، ولم يترك خصلة شعر كيمارا، بل جذبها برفق مؤلم نحوه وقال:
— بل هي تفهم جيداً. انظروا إلى ارتعاش يديها.. هذا ليس خوفاً من مجهول، بل هو إدراكٌ لضعفها أمام نفوذي. أنا روجيل أمير ديودار، وإذا أردتُ شيئاً في أركونيا او اي مملكة ايا كانت، فأنا آخذه.. سواء كان ثوباً من هذا المتجر، أو فتاةً تظن أن صمتها سيحميها مني.
خارج المتجر، ومن خلال النوافذ العالية، كانت عيون "ظلال ديودار" تراقب المشهد بدقة قاتلة. كان القائد لوكان يرى الأمير وهو يتجاوز كل الخطوط الحمراء التي وضعها الملك ميدار. وضع يده على سيفه القصير، وقال لرجاله بلهجة صارمة:
— الأمير بدأ يمارس السطو الذي يمقته الملك. إذا حاول جرها خارج المتجر أو إرغامها على مرافقته، اهبطوا فوراً. الملك أمر بحمايتها منه.. حتى لو أرقنا دماء حراسه الشخصيين.
كيمارا كانت تشعر بالاختناق؛ فبين يدي روجيل المستعلية وبين خطر انكشاف هويتها، كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها. لكنها قررت الصمود، فنظرت إلى روجيل نظرة بلاهة مصطنعة، وأسقطت قطعة القماش من يدها كأنها أصيبت بنوبة من الفزع الريفي، لتبتعد عن يده التي كانت تعبث بشعرها.
صرخة صامتة واقتحام الظلال:
داخل متجر بياتريس، كانت الأجواء مشحونة لدرجة أن الهواء كاد يتجمد. روجيل، الذي لم يعتد أن تظهر فتاة ريفية أي مقاومة لنفوذه، شعر باستفزاز من محاولة كيمارا التملص منه. بدلاً من أن يتركها، زاد من حدة حصاره، فدفعها برفق نحو رفوف الأثواب الحريرية حتى حاصرها بين ذراعيه، ومنعها من الحركة تماماً.
قال روجيل بنبرة تقطر بالاستعلاء والزهو:
— إلى أين تحاولين الهروب؟ كلما حاولتِ الابتعاد، أثبتِّ لي أنكِ تدركين قيمتكِ جيداً. فتاة الريف العادية كانت لترتعش فرحاً بلمسة أمير، لكنكِ تقاومين.. وهذا النوع من 'العزة الفقيرة' هو أكثر ما أستمتع بتحطيمه. أخبريني، هل تظنين أن صمتكِ سيجعلكِ لغزاً لا يُحل؟....كان يقولها وهو يسحب من اعلي حزاما حريريا ويقيد به يدها لأعلي في احدي الحلقات وهو يتابع... سآخذكِ معي إلى القصر ، وهناك سأعلمكِ كيف تنطقين باسمي طلباً للرحمة.
تدخلت تيا بصرخة مخنوقة، محاولةً سحبه من عباءته:
— سيدي الأمير! اتركها، أنت تروعها! إنها خرساء ومسكينة، والقانون في أركونيا لا يسمح بـ..."
دفعها روجيل بيد واحدة دون أن يلتفت إليها لتسقط ارضا، وقال ببرود:
— القانون هنا هو أنا يا تيا. الملك أرثر مشغول بابنته الضائعة، وأنا هنا أمير له نفوذ لا يجرؤ أحد على محاسبته.
في تلك اللحظة، ومن فوق فتحة التهوية في سقف المتجر، أصدر القائد لوكان إشارة خاطفة لرجاله. لم يعد الملك ميدار يحتمل رؤية ابنه يمارس هذا "السطو" الأخلاقي. فجأة، تحطم زجاج إحدى النوافذ العالية للمتجر، وسقطت قنبلة دخانية صغيرة ملأت المكان بضباب كثيف يحجب الرؤية لثوانٍ. سادت الفوضى؛ صرخت بياتريس وتراجعت تيا للخلف متعثرة. شعر روجيل بيد غريبة، صلبة وقوية كالفولاذ، تقبض على معصمه الذي يمسك بكيمارا وتلويه بقوة أجبرته على تركها. سمع روجيل فحيحاً مألوفاً بجانب أذنه، صوتٌ لا ينتمي لأركونيا، بل هو صوت "ظلال ديودار":
— اري أن الأمير يتجاوز حدوده.. تراجع الآن، أو سنضطر لإبلاغ الملك بما رأته أعيننا.
ارتعب روجيل؛ ليس خوفاً من القوة، بل خوفاً من أن والده يراقبه حتى هنا. ترك كيمارا فوراً وتراجع للخلف وهو يسعل من الدخان، محاولاً استعادة كبريائه المهدور:
— من أنتم؟ كيف تجرؤون؟
وسط هذا الضباب، شعرت كيمارا بيد أخرى رقيقة لكنها حازمة تجذبها نحو الباب الخلفي للمتجر. لم تكن يد تيا، بل كانت يد أحد "الظلال" الذي همس لها بكلمة واحدة قبل أن يختفي في الدخان:
— اركضي.. ولا تنظري خلفكِ.
خرجت كيمارا إلى الزقاق الخلفي وهي تلتقط أنفاسها، وقلبها يقرع كالطبول. لم تكن تعرف أن والد روجيل هو من أنقذها من ابنه، لكنها أدركت أن اللُعبة أصبحت أكبر من مجرد هروب من والدها أرثر، لقد أصبحت أركونيا الآن ساحة لتصفية حسابات ملوك ديودار وفالاريا فوق رأسها.
عيون القصر التي لا ترحم:
بينما كانت كيمارا تحاول تهدئة أنفاسها في الزقاق الخلفي بعد حادثة المتجر، كان القائد سيدريك يقف بوقفته العسكرية الصارمة أمام ورشة سيمونيل. لم يكن وجوده هناك صدفة؛ فسيدريك لا يؤمن بالمصادفات، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمير أجنبي يتردد على ورشة وضيعة.
عندما عادت تيا وهي تركض، مبعثرة الثياب من أثر الدخان والفوضى ، وجدته بانتظارها. تجمدت في مكانها، فلطالما كان سيدريك يمثل الرعب لكل من في أركونيا.
قال سيدريك بصوت بارد وهو يتفحص ملامحها المضطربة بنظراته الصقرية:
— أراكِ تعدين من اتجاه متجر بياتريس.. والأنباء تسبق خطاكِ يا تيا. يقال إن الأمير روجيل كان هناك يثير جلبة لا تليق بمقامه، ويبدو أن ورشتكم الصغيرة أصبحت مركزاً لاهتمام النبلاء والفرسان. هذا الأمر يثير فضولي.. ما الذي جاء بأمير ديودار إلي هنا؟
لم تتراجع تيا، بل مالت برأسها قليلًا وقالت بمراوغة: — الأمير روجيل رجل ثلاثيني، ويظن أن نفوذه يمنحه الحق في مطاردة العاملات في الأسواق. بصراحة يا سيدي، ورشتنا لم تعد آمنة من مضايقات 'ضيوفكم' النبلاء. لذا.. لديّ عرض لك. القصر يحتاج بالتأكيد لتجديد ألأثاث قبل وصول الوفود الأجنبية، وأنا أعرض عليك أن أنتقل للعمل هناك تحت حماية حرسك. ستحصل على عمل متقن، وسأحصل أنا على راحة من ملاحقات الغرباء أنا وأبي وتلك المسكينه كارولين.
ضحك سيدريك ضحكة مجلجله خلت من أي مرح، وأمسك بمقبض سيفه الذي لمع تحت ضوء الغروب:
— تطلبين العمل في القصر هرباً من الأمير؟ ذكية.. أو هكذا تظنين. لقد نجحتِ في مراوغتي يا تيا، وقبلت عرضكِ. لكن...
هنا خطا سيدريك خطوة نحوها، وتحولت ملامحه لصرامة مرعبة، وقال بنبرة هادئة تحمل تهديداً مبطناً:
— لا تتخيلي أنكِ ستدخلين القصر وحدكِ. الملك يريد تجديداً شاملاً، ولن تكفي يدان واحدة. أريدكِ أن تأتي للعمل، أنتِ.. وتلك الفتاة الخرساء التي تلازمكِ كظلك.
في تلك اللحظة، شحبت ملامح تيا تماماً، وشعرت ببرودة تسري في جسدها؛ فقد انقلب السحر على الساحر. كانت تظن أنها ستحمي كيمارا بإبعاد روجيل، لكن سيدريك قرر وضع الفريسة تحت مجهر الملك أرثر مباشرة. حاولت التراجع والرفض بلباقة وهي ترتجف:
— سيدي.. 'كارولين' ليست بمستوى حرفيي حتي الآن القصور الفاخرة، إنها فتاة مسكينة وخجولة، ووالدي يحتاج ليد تساعده في الورشة هنا حتي اغيب أنا، لا يمكنني سحبها معي...
قاطعها سيدريك بنظرة حادة اخترقت عينيها، ومال نحوها حتى لفحها صوته الأجش وهو يتحدث ببطئ:
— لقد فات أوان الرفض يا تيا. عرضتِ العمل وقبلتُه، ولكن بشروطي أنا. العمل في القصر سيوفر لكِ انتي وكارولين الحماية من ذلك الأمير المتكبر هذا، وفي المقابل، سيوفر لي فرصة لأراقب عن كثب تلك 'الخرساء' التي سحرت أميراً ثلاثينياً وجعلت جنود ديودار يتحركون في الخفاء لأجلها.
أكمل وهو يعدل قفازاته الجلدية ببرود قاتل:
— ألا تجدين الأمر مريباً؟ فتاة قروية لا تتحدث، تجذب انتباه أمير ديودار لدرجة الهوس؟ هناك شيء لا أفهمه، وأنا لا أحب الألغاز في مملكتنا. سأعطيكِ مهلة حتى الغد لتجهيز أدواتكما. إذا لم تحضرا عند البوابة الشرقية مع شروق الشمس، فسأعتبر أن رفضكِ المفاجئ هو اعتراف بأن لديكما ما تخفيانه عن العدالة.. وعندها لن يكون الحوار ودياً أو هادئاً كما هو الآن. هل كلامي واضح؟
أومأت تيا برأسها بصمت وهي تشعر أن الخناق يضيق. لقد ألقت بصديقتها في فم الأسد بيدها.
غادر سيدريك تاركاً إياها في حالة من الذهول والرعب. لم يعد العرض فرصة للنجاة، بل أصبح "فخاً" محكماً. لقد قرر سيدريك أن يسحب الفريسة من زقاقها الضيق إلى قلب عرين الملك، ليقطع الشك باليقين، وليعرف من هي تلك الفتاة التي قلبت موازين النبلاء بصمتها.
قناع الفارس وسمُّ الأفعى:
في جناحه الملكي الفاخر، في الاستراحه المخصصه للأمراء والملوك التي توجد في كل مملكة وقف الأمير روجيل أمام المرآة الكبيرة، يعدّل ياقة ثوبه المخملي ببرود، بينما كان يحاول استيعاب ما جرى في المتجر. ويتخيل كيمارا وهي محاصره بين ذراعيه وتحاول الملص لم يكن روجيل يعلم أن والده الملك ميدار هو من أرسل "الظلال" لردعه، بل خُيّل إليه أن ما حدث من دخان وفوضى كان هجوماً من متمردين محتليين أو لصوص غدروا به في لحظة غفلة.
تأمل انعكاس صورته، ومرر يده على لحيته المهذبة بابتسامة خبيثة تليق برجل في الثلاثين من عمره، خبير بطبائع النفوس وضعفها. قال في نفسه بصوت مسموع:
— لقد أخطأتِ يا كارولين بصدّي كأمير يملك المال والسلطة، فالنساء من طبقتكِ يخشين الجبروت.. لكنكِ لن تستطيعي مقاومة الفارس الذي سينتشلكِ من وحل هذا الخوف.
التفت إلى مساعده الخاص "إريك" الذي كان يقف بانتظار أوامره، وقال بنبرة هادئة يغلفها مكرٌ شديد:
— إريك.. الأمير روجيل الذي دخل المتجر اليوم قد مات. غداً، سيولد رجلٌ جديد. أريد ثياباً من الجوخ الرفيع، ألوانها هادئة لا تصرخ بالثراء، بل تنطق بالوقار. أريد أن أبدو كفارسٍ نادم، وليس كحاكمٍ مستبد.
استفهم المساعد بحذر:
— وهل تظن يا سيدي أن تلك القروية ستصدق هذا التغيير المفاجئ؟
ضحك روجيل ضحكة قصيرة ساخرة، وأجابه وهو يسكب لنفسه شراباً:
— البسطاء يا إريك يملكون ذاكرة قصيرة أمام العطف. سأذهب إليها في الورشة، سأحني رأسي قليلاً وأقول لها إنني كنت أخشى عليها من أوضاع أركونيا غير المستقرة، وأن ما فعلته في المتجر كان 'غيرةً' نبيلة وخوفاً من هجوم أولئك الأوغاد. سأمثل دور الدرع الذي يحمي الضعفاء، وسأجعلها تظن أنني الوحيد في هذا العالم الذي يرى قيمتها الحقيقية خلف صمتها.
اقترب روجيل من مساعده وهمس بلهجة حادة كالنصل:
— خطتي أبعد من مجرد نزهة في السوق. سأكسب ثقتها، ثم سأعرض عليها الحماية المطلقة في ديودار. سأقنعها بأن أركونيا لم تعد آمنة لها. وبمجرد أن تعبر حدود مملكتي وتدخل أبواب قصري الخاص، ستنتهي المسرحية. هناك.. سأجردها من كل شيء، ستكون لي وحدي، بلا أهل يطالبون بها، ولا لسان تستغيث به، ولا قانون يمنعني من امتلاكها قلباً وجسداً. سأجعلها جاريةً ملكيةً في قفصٍ من ذهب، وهي من ستشكرني على ذلك القفص!"
أنهى كلامه وهو ينظر من الشرفة نحو أضواء المدينة، وأكمل بلهجة حازمة:
— أريد خيلاً أصيلة، ولكن بلا زينة ملكية. غداً سأذهب لورشة سيمونيل لأعتذر. سأحمل له عرضاً لا يُرفض، وسأجعل تلك الخرساء ترتمي في أحضاني بنفسها طلباً للأمان، اذهب الآن.. وجهز كل شيء.