سجينة في قصر أبي - الفصل التاسع - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع

الفصل التاسع

تنفس الصعداء وعناق خلف القضبان: لم تكن شمس ذلك الصباح كغيرها بالنسبة لماري وبقية الخدم القابعين في غياهب السرداب. كان الصمت الثقيل يغلف الزنزانة، الا من صوت تمتمه دعوات ماري الخافتة التي لم تتوقف طوال الليل. كان الجميع ينتظر "مقصلة الفجر" التي وعد بها الملك، واليأس قد تمكن من القلوب حتى كادت تتوقف قبل أن يصل الجلاد. فجأة، دوت أصوات مفاتيح حديدية ضخمة ترتطم ببعضها البعض، ووقع أقدام عسكرية ثقيلة تقترب بسرعة. استقامت ماري في جلستها، وشدت وثاق ثوبها، ظانةً أن اللحظة الأخيرة قد حانت. انفتح الباب الحديدي بصرير يصم الآذان، وظهر ظل القائد سيدريك العملاق، يحيط به ضوء المشاعل الذي أعمى أبصارهم المعتادة على الظلام. وقف سيدريك يراقب وجوههم الشاحبة والذابلة بنظراته الصارمة التي لا تقرأ، ثم قال بصوت رصين تردد في أرجاء القبو: — انهضوا.. الملك أرثر، بفيض من رحمته وبناءً على أنباءٍ وردت من حلفاء لنا ، قرر وقف تنفيذ حكم الإعدام. ساد ذهول تام. نظرت ماري إلى زميلاتها بغير تصديق، هل هو حلم أم خدعة؟ لكن سيدريك تابع بلهجة أكثر حدة: — لا تظنوا أنكم أحرار تماماً. تحركوا! خرجت ماري من الزنزانة بخطوات مرتجفة، وعندما وطأت قدماها خارج القبو واستنشقت هواء الصباح البارد، شعرت برعشة قوية تجتاح جسدها. كانت تدرك في قرارة نفسها أن أميرتها لم تتخلَّ عنها. حصاد الصبر: في هذه الأثناء، كانت كيمارا تقف خلف باب الورشة الخشبي، عيناها معلقتان بالطريق المؤدي إلى القصر، وقلبها يخفق بعنف يكاد يمزق صدرها. كانت تيا تجلس بجانبها، تحاول التظاهر بالانشغال بفتل بعض الخيزران، لكن حركاتها كانت سريعة ومتوترة. قالت تيا بصوت منخفض جداً: — اهدئي يا كارولين.. إذا استمررتِ في الوقوف هكذا، ستلفتين أنظار الجيران. سيصل الخبر قريباً، السوق لا يخبئ سراً لأكثر من ساعة. لم تكد تنهي كلماتها حتى دخل سيمونيل الورشة وهو يلهث، والحماس يتطاير من عينيه فرحاً. أغلق الباب خلفه بسرعة وأسند ظهره عليه وهو يقول بصوت متهدج: — لقد حدثت المعجزة.. المنادون في السوق يعلنون الآن أن الملك أوقف الإعدام وأخرج الخدم من السرداب. ماري اصبحت حره! انهارت كيمارا على ركبتيها، وغطت وجهها بيديها الملطختين بآثار الصبغة، وانفجرت في بكاء صامت مرير، بكاء امتزج فيه الفرح بالخوف وبالشكر. اقتربت منها تيا وضمتها بقوة، هامسةً في أذنها: — لقد نجحتِ في هزيمة الملك بقطعة ورق،نعم اعلم انكِ انتِ من فعلتيها.. لكن الحذر يا رفيقتي، فالقائد سيدريك لن يهدأ، والأمير روجيل بات يرى فيكِ أكثر من مجرد فتاة خرساء. رفعت كيمارا رأسها، ومسحت دموعها التي رسمت خطوطاً بيضاء على وجهها المليء بالرماد، ونظرت نحو القصر البعيد بعينين يملؤهما إصرار جديد. لقد كسبت الجولة الأولى، لكن اللعبة الكبرى مع سيدريك وأرثر قد بدأت لتوها. ظل "ديودار" الثقيل: بينما كانت كيمارا تحاول استجماع شتات نفسها، لم يطل الأمد قبل أن يقطع صفو المكان وقع حوافر خيلٍ متبخترة توقفت أمام الباب مباشرة. تجمدت كيمارا في مكانها، وسرعان ما أعادت رسم قناع "كارولين" البائسة، منكسة رأسها وممسكة بقش السلال بجنون. فُتح الباب دون استئذان، ودلف الأمير روجيل بقامته الممشوقة ووشاحه الأحمر الفاخر. كان يبتسم بتلك الابتسامة الجانبية الواثقة، وعيناه تحملان ذلك البريق الذي رآته كيمارا في الزقاق؛ بريق صياد وجد فريسة تثير فضوله. تقدم روجيل بخطوات واثقة، متجاهلاً سيمونيل الذي انحنى بذعر، ووقف أمام تيا التي وثبت من مكانها لتمثل دورها المعتاد. قال روجيل بصوت عميق وناعم: — تيا.. صاحبة اللسان الذي لا يهدأ. أخبرتُكِ أنني سأكون في الجوار، ويبدو أن فضولي لرؤية ورشة والدكِ غلب رغبتي في التسكع. المكان يفوح برائحة العمل الشاق.. والجمال المتواري. ضحكت تيا ضحكة رنانة وحاولت الوقوف في طريقه بمرحها المعتاد: — يا له من شرف عظيم! أمير 'ديودار' يترك النبيذ والحرير ليأتي إلى ورشتنا؟ أخبرني يا سيدي الوسيم، هل ضقت ذرعاً بجميلات القصور فجئت لترى كيف نصنع السلال التي يحمل فيها الفقراء خبزهم؟ أم أنك تريد سلة مرصعة بالذهب لتليق بمقامك؟ ابتسم روجيل ووضع يده على كتف تيا ليزيحها برفق، لكن عينيه لم تفارقا كيمارا الجالسة في الزاوية. مشى ببطء نحوها، وتوقف أمامها تماماً، وانحنى بجسده حتى أصبحت أنفاسه قريبة من وجهها المنحني. مد روجيل يده، وبطرف إصبعيه رفع ذقن كيمارا ببطء ليلزمها بالنظر إليه، وهمس بنبرة تقطر إعجاباً مستتراً: — وكيف حال ممسكة الخشب الصغيرة؟ 'كارولين'.. أليس كذلك؟ كنتُ أظن أن جمالكِ في الزقاق كان مجرد وهم من أثر غبار الطريق ، لكنني أرى الآن أن الصمت يمنحكِ جاذبية لا تملكها مئات النساء اللواتي يثرثرن في القصر. أكمل وهو يتفحص تفاصيل وجهها بدقة مريبة: — أخبريني.. ألا تشعرين بالتعب من هذا العمل الخشن؟ يدكِ هذه، رغم ما عليها من طين، تبدو أنعم من أن تجرحها أشواك القش. هل وُلدتِ حقاً بين هذه الجدران البائسة؟ أم أن القدر كان قاسياً لدرجة أنه رمى بجوهرة مثلكِ في كومة من الرماد؟ كيمارا كانت ترتجف، وقبضتها اشتدت على القش حتى كادت تجرح يدها. تيا، التي شعرت بالخطر، تدخلت بسرعة قائلة: — سيدي الأمير! إنها لا تفهم كلمات الغزل هذه، إنها خرساء العقل واللسان معاً! دعها لعملها، فوالدي يحاسبها على كل ثانية تأخير. ألا تريد أن أريك أفضل ما صنعناه من جلود الخيول؟ إنها تليق بأمير من ديودار أكثر من هذه السلال الرخيصة. لم يرفع روجيل عينيه عن كيمارا، بل زاد من اقترابه حتى كادت أنوفهما تتلامس بينما هي كانت تحاول الابتعاد قدر الامكان، وقال بصوت منخفض: — الصمت لا يعني الغباء يا تيا.. عيناها تقولان إنها تفهم كل حرف أقوله. انظري كيف يهرب بصرها مني.. أهذا خجل القرويات، أم خوف مَن يخشى أن ينكشف أمره؟ ثم التفت إلى سيمونيل بحدة مفاجئة: — أيها الرجل، كم ثمن هذه الفتاة؟ أريدها في قصري وسأدفع لك ماتشاء لتعيش نعيم الثراء.. سأجعلها سكرتيرتي الصامتة، فجمالها يريح العين، وصمتها يريح الأذن. ساد صمت مرعب في الورشة، وكيمارا شعرت بأن الأرض تميد بها. كان طلب روجيل بمثابه صاعقه للثلاث عناق الأرواح والدموع المحبوسة: في منتصف النهار، وبينما كان الأمير روجيل لا يزال يفرض حضوره الثقيل في الورشة، ضجّ الشارع الخارجي بأصوات غير معتادة. كانت أصوات بكاء ممزوجة بضحكات هستيرية ونداءات باسم الخالق. تجمهر الناس عند مداخل الأزقة ليشاهدوا موكب "الناجين"؛ موكب الخدم الذين أُخرجوا من أقبية الموت تحت رقابه الحراسة. تسمرت كيمارا في مكانها حين لمح بصرها، من شق الباب الخشبي المفتوح جزئياً، قامةً قصيرة و نحيلة منحنيه ترتدي ثياباً رثة ، وتمشي بخطوات متعثرة تسندها ذراعا حارسين. كانت ماري. في تلك اللحظة، توقف الزمن بالنسبة لكيمارا. شعرت بزلزال يضرب كيانها؛ ماري حية! ماري التي كانت ستموت بسبها، تسير الآن تحت ضوء الشمس. اجتاحتها رغبة عارمة، وحشية وصادقة، في أن تلقي بكل ما بيدها، وتحطم قناع "كارولين"، وتركض نحو الطريق لتصرخ باسمها وتلقي بنفسها في أحضانها، لتبكي على صدرها وتعتذر لها عن كل لحظة رعب عاشتها في الزنزانة. ارتجفت يدا كيمارا بعنف، وامتدت أصابعها نحو مقبض الباب لا شعورياً، وكادت قدمها أن تخطو الخطوة التي لا رجعة فيها. لكن في اللحظة الأخيرة، شعرت بضغط يد تيا القوية على كتفها، وبنظرة الأمير روجيل التي كانت تترصد كل خلجة في وجهها. استجمعت كيمارا كل ذرة من إرادتها الملكية، وسيطرت على عضلات وجهها بقوة ألمتها. أغمضت عينيها لثانية واحدة، ابتلعت فيها غصة مريرة كانت تخنق حنجرتها، وحولت تلك الصرخة المكبوتة إلى تنهيدة صامتة عميقة. عادت إلى مكانها، وحنت رأسها أكثر، ممسكة بقطعة القش وكأنها أغلى ما تملك، بينما كانت دموع الفرح الحارقة تحفر مجاريها داخل عينيها دون أن تسمح لها بالسقوط. لاحظ روجيل هذا الاضطراب المفاجئ، فمال نحوها متسائلاً بنبرة مشككة: — ما بكِ يا جميلة الصمت؟ هل أفزعكِ رؤية هؤلاء المساكين الخارجين من القبو؟ أم أن في قلبكِ رقة لا تتحمل رؤية أشباح القصر؟ ام انكِ تفاجئتِ بطلبي هل توافقين على مرافقتي لدويدار ؟ رفعت كيمارا عينيها إليه، وكانت في تلك اللحظة تملك قدرة غريبة على التمثيل؛ فنظرت إليه بنظرة بلاهة وخوف بدت طبيعية تماماً لفتاة قروية تفزعها رؤية الجنود، وهزت رأسها برعب مصطنع وهي تشير إلى الحراس في الخارج. ضحك روجيل، وانطلت عليه الحيلة هذه المرة، بينما كانت كيمارا في داخلها تحتفل بعرس من الفرح الصامت. لقد أنقذت ماري، والآن أصبح لديها سبب أقوى لتستمر في هذه اللعبة الخطرة حتى النهاية. عرين الصقر والأبتسامة الغامضة: بعيداً عن صخب أزقة أركونيا المتربة، وفي قلب "فالاريا"؛ المملكة التي تشتهر بهدوئها المهيب وحكمة ملوكها، كان الملك جيمار يجلس في مكتبه الخاص، يراقب خرائط الممالك المجاورة تحت ضوء الشموع الدافئ. جيمار لم يكن مجرد حليف للملك أرثر، بل كان رجلاً يزن الأمور بميزان العقل لا العاطفة، ويعرف تماماً أن الهدوء في أركونيا هو ضمان لأمن حدوده. دخل عليه قائد استخباراته، راؤول، يحمل تقارير طازجة وصلت عبر المبعوثين السريين الذين يجوبون الحدود. انحنى راؤول باحترام وبدأ يسرد الأنباء الغريبة التي بدأت تتسرب من قصر الملك أرثر. قال راؤول بنبرة جادة: — مولاي، هناك لغط كبير في مملكة أركونيا. يقال إن الملك أرثر تلقى رسالة مكتوبة بلغة دبلوماسية رفيعة المستوى، تزعم أن الأميرة الهاربة كيمارا ابنته في ضيافتنا وتحت حمايتنا. وبناءً على هذا الادعاء، تراجع أرثر عن إعدام الوصيفات وأطلق سراح جميع الخدم المحتجزين. توقف الملك جيمار عن تقليب الأوراق، ورفع رأسه ببطء. لم تبدُ عليه ملامح الغضب أو الاستنكار، بل لمعت عيناه ببريق من الإعجاب الممزوج بالدهشة. قال جيمار بصوت هادئ ورخيم: — رسالة تزعم أنها من طرفي؟ وبدون ختم رسمي حتى؟ ومع ذلك صدقها أرثر؟ يبدو أن الخوف على ابنته، أو ربما كبرياءه أمام الممالك، قد أعماه عن رؤية التفاصيل. لكن السؤال الأهم.. من يملك الجرأة والذكاء لصياغة رسالة بتلك القوة والاحترافية لدرجة أنها هزت عرش أرثر؟ وجعلته يتراجع عن قراراته؟ من فعل ذلك شديد الذكاء لدرجه اعجبتني أنا شخصيا. رد راؤول بتساؤل: — مولاي، ألا يعتبر هذا استخداماً خطيراً لاسمك؟ أرثر قد يطالبنا بتسليمها في أي لحظة، وإذا اكتشف أننا لا نعرف عنها شيئاً، قد تتأزم العلاقات بيننا. هل نرسل مبعوثاً لتوضيح أننا لم نرسل أي رسائل؟ هل تريدنا ان نكذب هذه الاخبار؟ ابتسم جيمار ابتسامة غامضة، ثم قام وسار نحو النافذة المطلة على الجبال التي تفصل بين المملكتين، وقال: — لا يا راؤول.. دع كل شئ يمشي كما هو، الصمت في هذه اللحظة أقوى من الكلام. ايا كان من بعث هذه الرساله قد استطاعت أن ينقذ أرواحاً بمجرد كلمات نُسبت إلينا، فاهو يملك عقلاً سياسياً فذاً. لن أكذب الرسالة ولن أؤكدها. سنترك أرثر يعتقد ما يريد، فهذا يمنحنا قوة تفاوضية لم نكن نخطط لها. ثم التفت إلى قائده بنظرة حادة ونافذة: — أرسل رجالك إلى أركونيا بزي تجار. لا أريدهم أن يسألوا عن الأميرة في القصور، بل يبحثوا عنها في الأماكن التي لا يتوقعها أحد. من استطاع إطلاق حمامة بتلك الرسالة من قلب المدينة لا يزال مختبئاً فيها. ابحثوا عن 'العقل' الذي صاغ تلك الكلمات.. أريد أن أعرف هل هي كيمارا التي استطاعت أن تحرك أحجار الشطرنج وهي في حالة فرار. ام شخصا اخر؟ أدرك جيمار أن اللعبة في أركونيا لم تعد مجرد تمرد ابنة على والدها، بل أصبحت صراع عقول، وهو لا يريد أن يكون مجرد مشاهد، بل حامياً محتملاً لهذا الذكاء الذي تجلى في تلك الرسالة الغامضة. بينما يبدأ رجال جيمار البحث، روجيل لا يزال يلاحق "كارولين".. فهل ستتمكن كيمارا من الحفاظ على هدوئها تقارير من ديودار: في قاعة العرش بمملكة ديودار، ساد صمتٌ مهيب لم يقطعه سوى صرير قلم الملك ميدار وهو يوقع بعض المراسيم التجارية. كان ميدار ملكاً يقدس العمل، ويرى أن كرامة مملكته تبدأ من احترام أصغر مزارع في حقوله. لكن هذا الوقار انكسر بدخول باروس، قائد الحرس السري، الذي كانت نظراته تفيض بالتردد والقلق. رفع ميدار رأسه، وبنبرته الرزينة المعتادة قال: — تحدث يا باروس.. وجهك يحمل أخباراً لا تسر الخاطر. هل تعثرت القوافل على حدود أركونيا مرة اخري؟ " انحنى باروس بعمق، وتنحنح قبل أن يبدأ: — مولاي.. الأمر لا يتعلق بالقوافل، بل بالأمير روجيل. لقد وصلت تقارير مفصلة من عيوننا هناك. أن الأمير لا يتواجد في القنصلية، ولا يزور المعالم الأثرية كما ادعى قبل رحيله إلي هناك.. إنه يقضي جلّ وقته في أحياء وازقه 'أركونيا' الفقيرة، وبالتحديد في سوق السلال. عقد ميدار حاجبيه، ووضع القلم جانباً: — في الأسواق؟ روجيل ليس من هواة الحرف اليدوية يا باروس. ما الذي يفعله أمير ديودار وسط غبار العامة وبؤس الفقراء؟ هل يمشي هناك متخفيا؟ رد باروس بمرارة: — إنه لا يتخفى يا مولاي، بل يتبختر بجواده وثيابه الفاخرة وكأنه يملك المكان. والسبب مو وجوده هناك.. هو فتاة تعمل في ورشة لصناعة السلال. الأمير يطوق الورشة بوجوده، ويقضي الساعات في مراقبتها والحديث مع من حولها بلهجة استعلائية يغلفها الإعجاب الزائف. هنا، انتفض الملك ميدار من مقعده ببطء، وكانت ملامحه تتحول إلى صخر صلد. زفر تنهيدة طويلة محمومة بغضب مكتوم، وقال بصوت عميق يهز أرجاء القاعة: — مرة أخرى يا روجيل؟ مرة أخرى يعود ذلك الفكر المسموم ليسيطر على تصرفاتك؟ إنه يكرر خطأه القاتل؛ السير خلف غريزته والسطو على كرامة الطبقة الضعيفة لأنهم في نظره 'فرائس' بلا مخالب. التفت ميدار نحو باروس، وعيناه تشعان بصرامة : — إنه يختار الضعفاء عمداً يا باروس! يختار الفتاة الضعيفه لأنه يعلم أنها لن تصرخ، ويختار الفقيرة لأنها لن تجد من يقاضي أميراً من أجلها. روجيل يظن أن نفوذه تمنحه الحق في انتزاع ما يريد من أيدي البسطاء، وكأن كرامتهم ملك مشاع له! استطرد ميدار بحدة، والشرر يتطاير من عينيه: — كم من مرة حذرته؟ كم من خلاف نشب بيننا بسبب استعلائه هذا؟ أنا لم أبْنِ هيبة ديودار بالغطرسة، بل بالعدل. والآن يذهب إلى أركونيا، وهي في حالة غليان، ليمارس هوايته الدنيئة في تصيد فتيات العامة؟ إنه يعرضنا لأزمة دبلوماسية، والأهم من ذلك، إنه يرتكب إثماً أخلاقياً لا يقبله التاج. غير اننا لثنا من حلفاء ارثر بل منافسين له قبض ميدار يده بقوة خلف ظهره وأكمل بلهجة قاطعة لا تقبل الجدال: — اسمعني جيداً يا باروس.. أرسل كتيبة من 'جواسيس الظل' فوراً إلى أركونيا. أريدهم أن يحيطوا بتلك الورشة كالأطياف. ولكن اسمع.. لا أريدهم أن يحموا ابني من حرس أركونيا، بل أريدهم أن يحموا تلك الفتاة المسكينة منه! ولكن دون ان يشعر او يري روجيل هذا اتسعت عينا باروس دهشة، فأكمل الملك بصرامة: — نعم! إذا حاول روجيل التمادي، أو استغلال ضعفها وصمتها للسطو عليها واقتيادها لأي مكان، فليتدخل رجالك فوراً. فليظهروا كغرباء أو قطاع طرق يحملون داخلهم الشهامه ليدافعون عن شرف الفتاة، وليمنعوه بالقوة إن لزم الأمر. روجيل يحتاج أن يفهم أن كرامة الفقراء في ديودار وفي أي مكان آخر هي خط أحمر، حتى لو كان المعتدي هو وريث العرش.نفسه ختم ميدار قوله بنبرة مليئة بالخيبة: — اذهب الآن.. وأخبر رجالك أن حسابي مع روجيل سيكون عسيراً. لن أسمح له أن يحول اسم 'ديودار' إلى كابوس يطارد الضعفاء في البلاد الأخري حتي لو كان ملكها معاديَ لنا. بينما يصدر الملك ميدار أوامره بحماية "كارولين" من ابنه، يزداد حصار روجيل في أركونيا بوقاحة.