الفصل الثامن
وقع الحوافر ونظرة القصاص:
كانت أركونيا ترتجف تحت وطأة "أسبوع الغضب" الذي أعلنه الملك. لم يكن هواء المدينة يحمل سوى رائحة الخوف وصوت طبول الحرب. في قلب السوق، كان القائد سيدريك يتقدم دوريته الراكبة، ممتطياً جواده الأسود الضخم الذي كان صوته على الحجر يشبه عدّاً تنازلياً للأعمار.
لم يكن سيدريك يكتفي بالمشي؛ بل كانت عيناه تجوبان الوجوه كأنهما نصلان من الفولاذ البارد. كان يوقف المارة بحركة واحدة من يده، فيتسمر الناس في أماكنهم كأنما جمدتهم الصاعقة. ترجل عن جواده وبدأ يمشى وسط الباعة، يرفع ذقن هذا، ويدقق في لون عيني تلك، ويزيح وشاح امرأة عجوز ببرود عسكري. كانت نظراته الثاقبة تخترق أقنعة الفقراء، باحثاً عن تلك "اللمحة الملكية" التي لا يمكن للرماد أن يطمسها.
كان كل من يلتقي بصره ببصر سيدريك يشعر ببرودة في عموده الفقري؛ فنظراته لم تكن تبحث عن جريمة، بل كانت تبحث عن "روح" يعرفها جيداً. صرخ بأحد جنوده وهو يشير إلى مجموعة من الفتيات المختبئات خلف عربة خضار: — أحضروهن جميعاً إلى الساحة! كل من يغطي وجهه اليوم هو مشتبه به حتى يثبت العكس. الملك لم يعد يقبل الأعذار، وأنا لن أقبل بالخداع.
بعد أن تفقد كل ركن في الساحة، والتفت حوله ليرى الرعب الذي خلّفه، استدار فجأة نحو زقاق ضيق، الزقاق الذي يؤدي إلى ورشة سيمونيل. كان هناك شيء ما في زيارته السابقة لم يريحه، غصة في صدره كجندي خبير يشم رائحة الكمين قبل وقوعه.
مشى بخطوات رتيبة وثقيلة نحو باب الورشة، وبينما كان يقترب، توقف للحظة ليتفحص الأرضية أمام الباب، وكأنه يقرأ آثار الأقدام. وضع يده على مقبض سيفه، ولم يطرق الباب هذه المرة، بل دفعه بقوة لتحدث جلبة هزت أركان المكان.
دخل سيدريك والشرر يتطاير من عينيه، ووقف في منتصف الورشة، غبار الخشب يتطاير حول درعه اللامع. لم ينظر لسيمونيل المرتجف، بل اتجه بصره فوراً نحو الزاوية حيث تجلس كيمارا (كارولين) وتيا.
قال بصوت منخفض، لكنه وصل لكل ركن في الورشة كأنه رعد صامت:
— أسبوع كامل يا سيمونيل.. أسبوع والمدينة تُقلب رأساً على عقب، وأنا لا أزال أشعر أن هذه الورشة تخبئ من الأسرار أكثر مما تخبئ من السلال. ارفعوا رؤوسكم.. أريد أن أرى الوجوه بوضوح هذه المرة، وبدون تدخل لسان ابنتك هذه والا قطعتُ لسانها امامك
كانت عينا سيدريك مثبتتين على كيمارا، وكأنه يتحدى الصبغة والرماد أن يصمدا أمام حدة بصيرته.
استجواب الصمت.. ونصل اليقين:
ساد صمت مطبق في الورشة، لدرجة أن صوت سقوط إبرة على نشارة الخشب كان ليكون له دويّ. تقدم سيدريك بخطوات بطيئة ومنتظمة، يتفحص الرفوف والسلال بنظرات عابرة، لكن تركيزه الحقيقي كان منصباً على الفتاة الجالسة في الزاوية.
توقف سيدريك أمام كيمارا مباشرة، وبدأ يدور حولها ببطء، كصقر يحاصر فريسته. كان صرير حذائه العسكري يضغط على أعصاب كيمارا التي كانت تحني رأسها بشدة، ممسكة بقطعة من الخيزران بيديها الملطختين بالرماد والصبغة، متظاهرة بالانهماك في العمل.
قال سيدريك بنبرة هادئة وباردة:
— أخبرتني ابنتك يا سيمونيل أن هذه الفتاة خرساء.. وأنها ابنة عمها. لكنني طوال طوافي في السوق اليوم، لم أرَ فقيرة من الأرياف تجلس بظهر مستقيم هكذا، ولا عاملة سلال تمسك الخشب بحذر كأنه زجاج غالٍ.
حاول سيمونيل أن يتكلم، لكن صوته خانه وخرج مجرد حشرجة غير مفهومة. هنا، قفزت تيا من مكانها، وحاولت أن تقف بين سيدريك وكيمارا بابتسامتها المشاغبة المعتادة، وقالت:
— يا سيدي القائد، يبدو أنك تأخذ عملك على محمل الجد لدرجة أنك ترى في كل سلة مؤامرة! كارولين ابنة عمي مسكينة، تجلس هكذا لأن ظهرها يؤلمها من كثرة العمل، وتمسك الخشب بحذر لأنها خرقاء وقد تجرح يدها للمرة العاشرة اليوم، ونحن نحتاج لهذه اليد لإنهاء طلبات الزبائن!
لم يبتسم سيدريك، بل وضع يده على كتف تيا وأزاحها بلطف لكن بحزم، ثم انحنى أمام كيمارا ليكون وجهه في مستوى وجهها تماماً. همس بصوت لا يسمعه سواها:
— كارولين.. اسم بسيط لفتحة عينين لا تشبه أسماء العامة. ارفعي رأسكِ وانظري إليّ. إذا كنتِ خرساء حقاً، فالعينان هما من ينطقان بالحقيقة.
اضطرت كيمارا لرفع رأسها ببطء. التقت عيناها بعيني سيدريك، وشعرت برعشة عنيفة تجتاح جسدها. كان سيدريك يدقق في تفاصيل وجهها، في المسافة بين عينيها، في خط جبهتها الذي حاول الرماد إخفاءه. فجأة، مد يده بسرعة مذهلة وأمسك بمعصمها، ثم قلب كف يدها ليرى باطنها.
ضيق سيدريك عينيه وقال بغموض:
— الصبغة تغطي الجلد، والرماد يملأ الأظافر.. لكن العروق تحت الجلد لا تكذب. إنها رقيقة جداً يا سيمونيل ابنة اخيك.. رقيقة لدرجة تجعلني أتساءل: كيف لابنة عم تيا، القادمة من الحقول والعمل الشاق، ألا تتقرح يدها من خشونة القش طوال أسبوع؟
وقبل أن ترد تيا، استل سيدريك خنجراً صغيراً من حزامه، وقرّبه من وجه كيمارا. صرخت تيا بذعر:
—ماذا تفعل سيدي القائد؟! إنها فتاة مسكينة!
رد سيدريك دون أن يرفع نظره عن كيمارا:
— أريد فقط أن أختبر رد فعل 'الخرساء'. يقولون إن الصرخة المفاجئة هي الصدق الوحيد الذي لا يمكن تزييفه.
لوّح بالخنجر بسرعة أمام عيني كيمارا، وكأنه سيخدش وجنتها. تملكت كيمارا رغبة عارمة في الصراخ أو التراجع، لكنها استجمعت كل ذرة من قوتها، وظلت شاخصة البصر، لا ترمش، ولا تنطق، بل تركت دمعة واحدة من الخوف الحقيقي تسيل وتمسح خطاً من الرماد على وجهها.
أعاد سيدريك الخنجر إلى غمده ببطء، ونظر إلى الدمعة التي كشفت بياض بشرتها تحت الرماد، وقال بصوت عميق:
— دموعكِ حقيقية يا كارولين.. لكن صمتكِ مريب جداً. سأترككِ الآن، ولكن تذكري يا ابنة سيمونيل، الملك أمر ببدء الإعدامات غداً فجراً. وماري، وصيفة الأميرة، ستكون الأولى. إذا كانت ابنة عمكِ او ايا كانت هويتها تملك قلباً تحت هذا الرماد، فربما منظر الدماء يجعلها تنطق.
استدار سيدريك وخرج من الورشة دون كلمة أخرى، تاركاً خلفه دماراً نفسياً هائلاً. ارتمت كيمارا في أحضان تيا وهي تجهش بالبكاء الصامت، بينما كانت تيا تضُمها بقوة وهي تهمس:
— لقد نجونا من نصله.. لكن الوقت ينفذ. الملك سيقتل ماري حقاً.
رسائل السماء وفخ الظلال:
لم تذق كيمارا طعم النوم بعد رحيل سيدريك؛ كانت كلمات "الإعدام غداً" تتردد في أذنيها كقرع الطبول الجنائزية. في عتمة الليل، استغلت ذكاءها وخبرتها في شؤون القصور، وكتبت رسالة غامضة بلهجة دبلوماسية محنكة، مصممة إياها لتبدو وكأنها تحذير سري من مملكة مجاورة
تسللت كيمارا مع بزوغ الفجر نحو برج حمام قديم مهجور في أطراف الحي، وأطلقت حمامة زاجلة بالرساله، وظلت تراقبها وهي ترتفع في طريقها نحو سماء القصر، حاملةً أمل ماري الوحيد.
أثناء عودتها نحو السوق، قررت كيمارا أن تندمج أكثر في دور "كارولين" لتجنب الشبهات. كانت تسير برأس منحني، تارة تساعد بائعاً عجوزاً في ترتيب صناديقه، وتارة تحمل أكياساً ثقيلة عن امرأة أثقلها التعب. بدأت وجوه أهل الحي تألفها؛ فكانوا يحيونها بابتسامات عابرة، وهي تكتفي بالإيماء بابتسامة صامتة رقيقة، تذكرهم بجمالٍ غريب يحاول الطين والرماد إخفاءه.
وبينما كانت تعبر زقاقاً ضيقاً يؤدي إلى الورشة، ومنحنية لتجمع بعض الأغراض التي سقطت منها، اصطدم بها فجأة جسد صلب كالصخر. لم يكن الاصطدام عرضياً، بل كان متعمداً وبقوة من الخلف جعلتها تترنح وتكاد تسقط من هول الصدمة.
رفعت كيمارا عينيها المذعورتين، لترتطم نظرتها برجل لم تره من قبل، لكن ملابسه جعلت أنفاسها تتوقف. كان يرتدي ثياباً مخملية داكنة مطرزة بخيوط الذهب، ووشاحاً من الحرير الأحمر الفاخر وقلاده تحمل شعاراً تعرفه كيمارا جيداً من دراستها لشعارات النبلاء؛ إنه شعار مملكة ديودار. كان يبدو كأمير يتسكع بجواده الذي ربطه عند أول الزقاق، وكأن الفضول أو الصدفة هي ما قادته إلى هذا الحي الفقير في مملكة أركونيا.
وقف الغريب يحدق فيها بصمت ثقيل، ونظراته لم تكن نظرة عابر سبيل، بل كانت نظرة رجل تفحص جسدها من رأسها حتى قدميها بإعجاب ممزوج بغريزة شهوانية مستترة، وهو يبتسم ابتسامة جانبية غامضة.
في تلك اللحظة، مرّ بائع خضروات كان يجر عربته، وعندما رأى الموقف، انحنى باحترام أمام الرجل ذو الملابس الفاخرة وقال بتملق: — عذراً يا سيدي النبيل، أرجو ألا تكون هذه الفتاة قد ضايقتك. إنها كارولين، ابنة أخ سيمونيل صانع السلال، وهي مسكينة خرساء لا تستطيع النطق، لذا اعذر جهلها بأصول الطريق.
اتسعت ابتسامة الغريب وهو يسمع كلمات البائع، ولم يبعد عينه عن كيمارا التي كانت تحاول التواري خلف وشاحها. مالت قامته الطويلة نحوها، ووضع يده على الحائط ليحاصرها في زاوية الزقاق، وقال بصوت رخيم وهادئ:
— كارولين.. خرساء وتعمل عند صانع سلال؟ يا للغرابة.. لم أرَ قط في رحلاتي خرساء تملك عينين تنطقان بكل هذا الخوف والتمرد في آن واحد. أنا الأمير روجيل، من مملكة ديودار. يبدو أن تسكعي في أركونيا اليوم قد قادني إلى كنز لم يكن في الحسبان.
مد يده ليلمس طرف وشاحها بجرأة، بينما هي كانت تحاول الابتعاد وفك الحصار وتابع بنبرة جعلت فرائصها ترتعد:
— أخبريني يا كارولين.. هل هذا الرماد على وجهك هو لوناكِ الحقيقي، أم أنه ستار لجمالٍ لا يليق إلا بجوار الأمراء؟ صمتُكِ هذا يغريني لاكتشاف ما تخفينه خلفه.
شعرت كيمارا ببرودة الموت؛ فهذا الأمير رغم أنه لا يعرفها، إلا أن نظراته كانت تخترق تنكرها ببراعة، وكأنه وجد في صمتها وجمالها المتواري تسلية جديدة قد تنتهي بتسليمها لوالدها أو بما هو أسوأ.
شقاوة الإنقاذ ولسان تيا السليط:
بينما كان الأمير روجيل يُحكم حصاره على كيمارا، مائلاً بجسده حتى كادت أنفاسه الدافئة تحرق وجهها الملطخ بالرماد، كانت كيمارا تشعر بقلبها يتوقف من فرط الذعر والاشمئزاز. لم تكن نظرات روجيل تبحث عن أسرار سياسية أو دلائل على هوية هاربة، بل كان يدقق في كل جزء أنثوي فيها بجرأة وقحة. جال ببصره ببطء وتفحص شديد على تقاسيم جسدها التي لم يستطع الثوب الرث إخفاءها تماماً، متأملاً رقة عنقها، وانحناءة كتفيها المرتجفين، وبريق عينيها الذي يعكس أنوثة طاغية حاول الرماد طمسها. كانت نظراته تفيض بغريزة شهوانية مستترة، اسالت لعابه وكأنه وجد في هذا الزقاق المظلم فريسة فاتنة لم تخضع لسطوة أحد بعد.
في تلك اللحظة الحرجة التي شعرت فيها كيمارا بأن يده قد تلمسها في أي ثانية، شق صراخ حاد هدوء المكان. ظهرت تيا وهي تركض باتجاههما، تلوح بيدها وبوجه محتقن بالتمثيل المتقن:
— يا لكِ من فتاة بائسة وخرقاء! ألم أقل لكِ مئة مرة ألا تخرجي وحدكِ؟ ها أنتِ الآن تشتتين السادة بجمالكِ البائس وبلاهتكِ! وتزعجِ طريقهم
اندفعت تيا كالإعصار بين روجيل وكيمارا، وجذبت كيمارا من ذراعها بقوة جعلتها تتعثر مبتعدة عن جسد الأمير الذي كان يطبق عليها. ثم التفتت تيا نحو روجيل وتغيرت ملامحها في لمح البصر؛ انمحت علامات الغضب وحلت مكانها ابتسامة عريضة ومشاغبة. تفرست في وجهه بعينين تلتمعان بالمرح والجرأة، وأخذت تتفحصه هي الأخرى من رأسه إلى أخمص قدميه، وقالت بنبرة مغازلة ومرحة:
— أوه! اعذرني يا سيدي الوسيم.. يبدو أن 'ابنة عمي' البلهاء قد سدت عليك الزقاق بصمتها ونحسها. لكن، يا إلهي! من أين أتيت بكل هذه الهيبة؟ هل سقطت من السماء لتزين أزقتنا المتربة هذه، أم أن مملكة ديودار قررت إرسال أجمل أمرائها ليخطفوا أنفاس الفتيات في أركونيا؟
رفع روجيل حاجباً بدهشة من جرأة تيا التي كادت تلمس صدره المذهب، وأرخى قبضته عن الحائط وهو يبتسم بإعجاب أمام هذا الهجوم المرح والمغازلة الصريحة. راقت له شقاوة تيا ولسانها المعسول وجرائتها، لكن عينه ظلت تعود بجوع غريب لتتأمل كيمارا المختبئة خلف ظهرها، مفتوناً بذلك التناقض بين خرسها وجمالها الفاتن.
رد روجيل بصوت رخيم مشوب برغبة مستترة:
— أنتِ تملكين لساًناً يقطر عسلاً يا فتاة. هل هذه هي ابنة عمك؟ لقد كنتُ أدقق في تفاصيلها لأرى إن كان هذا القوام الرقيق ينتمي حقاً لورشة سلال.. يبدو أن أركونيا تخبئ كنوزاً من الأنوثة في أكثر الأماكن قذارة.
ضحكت تيا ضحكة رنانة واقتربت منه خطوة إضافية بكل ثقة، وهي تلعب بطرف وشاحه الفاخر:
— نعم، هي كارولين.. قطعة الصمت المتحركة. أما أنا فاسمِي تيا، وأنا من يملك الكلام كله هنا. سيدي الأمير، يبدو أنك وضعت عينك على مسكينتنا الخرساء، لكن صدقني، الكلام معي أكثر متعة بكثير من مراقبة فتاة لا تملك حتى صوتاً لتتنهد به أمام نظراتك المعجبة!
ابتسم روجيل ابتسامة جانبية، ولم يهمه معرفة من تكون أو من أين أتت؛ فقد قرر في قرارة نفسه أن "كارولين" هي تسليته الجديدة. نظر إليها نظرة أخيرة طويلة اخترقت وشاحها، ثم غمز لتيا وقال:
— ربما تكونين محقة، الكلام معكِ ممتع.. لكن 'كارولين' تملك سحراً صامتاً يجعلني أرغب في تذوق صمتها مجدداً. سأكون في الجوار، فربما أحتاج لزيارة ورشتكم قريباً.
سحبت تيا كيمارا بسرعة البرق وهي تلوح له بيدها بدلال:
— الورشة ترحب بالزبائن الوسيمين دوماً! اذهب الآن للقصور ، واترك لنا الغبار والعمل!
ابتعدت الفتاتان، وظل روجيل واقفاً يراقب اهتزاز جسد كيمارا وهي تبتعد، وقد اشتعلت في رأسه رغبة التملك لتلك الفتاة التي لم تنطق بكلمة، لكنها أثارت فيه كل غرائزه.
رسالة من السماء.. والنجاة من مقصلة الفجر:
ساد السكون أروقة القصر الملكي، إلا من وقع أقدام الحراس، حتى انشق الصمت بدخول القائد سيدريك إلى قاعة العرش المصغرة. كان الملك أرثر يقف أمام نافذة ضخمة يراقب مدينته بنظرات يملؤها السخط، وبين أصابعه كأس من النبيذ لم يذق منه رشفة واحدة.
تقدم سيدريك، وبحركة رصينة، وضع لفافة صغيرة من الورق الفاخر فوق المنضدة الأبنوسية. التفت الملك ببطء، وعيناه المحتقنتان بالدم تنظران إلى القائد بتساؤل صامت.
— مولاي،" بدأ سيدريك بصوت ثابت رغم ما يحمله من أخبار غريبة، "أحضر حرس البرج الشمالي هذه الرسالة. لقد اعترضوا حمامة زاجلة كانت تحلق فوق أسوار القصر. ووجدناها تحمل هذه الرسالة
اندفع أرثر نحو المنضدة، والتقط الرسالة بلهفة مَن وجد خيطاً في ظلام دامس. فتح الرساله وقرأ الكلمات التي كُتبت بخط دبلوماسي رفيع:
"إلى جلالة الملك أرثر ماكدون، ملك أركونيا العظيم وصديقنا الوفي.. نحيطكم علماً بأن الأميرة كيمارا قد وصلت إلى حدودنا وهي الآن في حماية 'التاج الفالاري'. وبما أننا نقدر روابط الدم والصداقة التي تجمع مملكتينا، كان واجبنا ان نبلغك حتي لو كان هذا ضد رغبتها، ونرجو منكم العدول عن أي إجراءات قاسية بحق خدمها وصوحباتها، فكرامة الأميرة من كرامة مستضيفيها، ونحن لا نرغب في أن يشوب علاقتنا أي كدر بسبب دماء تُسفك في غيابها. الأميرة بخير، وسنوافيكم بتفاصيل عودتها في القريب العاجل."
تجمد الملك أرثر في مكانه، وصمتُه كان أشد وطأة من صراخه. قرأ الرسالة مرة، واثنتين، وثلاثاً. انقلبت ملامحه من الغضب العارم إلى حيرة مربكة.
— فالاريا.." تمتم أرثر وهو يطبق بيده على الورقة، "كيف وصلت إلى هناك بهذه السرعة؟ ملك فالاريا رجل حكيم، ولن يجرؤ على مراسلتي بهذا الشكل إلا إذا كانت تحت سقفه بالفعل.
اتخذ سيدريك خطوة للأمام، وحاول أن يزرع بذور الشك بحذر:
— مولاي، ملك فالاريا صديق وحليف، وهذا لا غبار عليه. لكن ألا يبدو الأمر يسيراً لدرجة مريبة؟ أسبوع واحد فقط وتصل رسالة من قلب مملكتهم؟ ربما تكون خدعة من أعوانها هنا لتأجيل الإعدام.
التفت إليه أرثر بحدة، وعيناه تلمعان ببريق غريب:
— وهل يملك العامة في سوق أركونيا رفاهيه القراءة والكتابه؟ يا سيدريك؟ هل يملكون حماماً مدرباً يعرف طريق القصر؟ لا.. ملك فالاريا لن يضحي بسمعته من أجل مساعدة فتاة هاربة ما لم تكن بين يديه. إن أعدمتُ ماري الآن، سأبدو أمام صديقي الملك بمظهر الطاغية الأرعن الذي يقتل الأبرياء انتقاماً من ابنة لجأت لبيت صديق.
سار الملك في القاعة ذهاباً وإياباً، ثم توقف فجأة وأصدر أمره الصارم:
— سيدريك! اذهب فوراً إلى السرداب. أريد إطلاق سراح ماري وجميع من احتُجزوا معها من الخدم."
صُدم سيدريك للحظة:
—مولاي؟ الإفراج التام؟
رد أرثر بصوت جهوري:
— نعم! إفراج تام، ولكن ليس حرية مطلقة. أخرجهم من الزنازين، وضعهم تحت الرقابه أريد أن تصل أخبار رحمتي إلى أذني كيمارا في فالاريا. إذا كانت هناك، فستعلم أن والدها لم يفقد عقله بعد، وأن طريق العودة لا يزال مفتوحاً بسلام.
أردف الملك بلهجة أكثر انخفاضاً وخطورة:
— ولكن اسمعني جيداً.. إذا اكتشفتُ أن هذه الرسالة كانت مجرد مسرحية، أو أن الحمامة أُطلقت من مكان مجهول في هذه المدينة، فستكون رؤوس هؤلاء الخدم هي أول ما يسقط، وسألحق بها رؤوس الحراس الذين سمحوا لهذه الخديعة بالمرور. اذهب الآن!
انحنى سيدريك بطاعة، وخرج متوجهاً إلى الزنازين، وعقله يضج بالأسئلة. كان يشعر بذكاء "كيمارا" وصمتها في كل كلمة قرأها في تلك الرسالة. وبينما كان ينزل السلالم الحجرية الباردة نحو الزنزانة، كان يتخيل وجه ماري وهي تتلقى خبر نجاتها المعجزة، ويتساءل في سره:
— من بعث هذه الرساله حقاً ؟ وهل يظن أن ملكاً وصقراً مثلي سينخدعان بحمامة زاجلة للأبد؟
ماري تخرج من الظلام إلى النور، وكيمارا في الورشة تنتظر حصاد خطتها بقلب يرتجف.