سجينة في قصر أبي - الفصل السابع - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع

الفصل السابع

قناع جديد وودٌّ تحت الاختبار: استيقظت كيمارا على ضوء خافت يتسلل من شقوق السقف، وعلى صوت تيا وهي تدندن بلحن شعبي بسيط وهي ترتب أدوات العمل وتجر السلال الخشبية. لم تكن نبرة تيا قاسية كما كانت ليلة أمس، بل عادت إليها تلك النبرة المشاغبة التي تحاول بها تخفيف التوتر وتلطيف الأجواء المشحونة. ركلت تيا طرف فراش كيمارا بخفة وقالت بابتسامة مستفزة ملأت وجهها: — انهضي يا 'سيدة الأقلام والرسائل المنمقة'! الفجر لا ينتظر ذوات الخط الجميل، ونشارة الخشب تشتاق ليديكِ التي لم تتعود بعد على خشونة العمل الشاق. هل كنتِ تظنين أن العمل في ورشة سيمونيل هو نزهة في حديقة؟ اعتدلت كيمارا في جلستها، وشعرت ببعض الحرج مما حدث ليلة أمس والسر الذي كاد أن ينكشف، وقالت بخفوت وهي تمسح عينيها: — صباح الخير يا تيا، ظننتُكِ ستطردينني .. بعد كل ما قلته، ظننت أن وجودي أصبح عبئاً لا تطقينه، خصوصاً بسبب تلك الرسالة اللعينة. ضحكت تيا وهي تمسح وجهها بخرقة مبللة، ثم اقتربت من كيمارا وجلست بجانبها على القش بوضعية مريحة، ومالت نحوها قائلة بصوت منخفض: — أطردكِ؟ وأضيع على نفسي فرصة معرفة كيف ليتيمة مشردة أن تكتب كأنها ابنة دوق ترعرعت في المكتبات الملكية؟ أنتِ لغز ممتع يا كارولين، والفقر علمنا أن التمسك بالألغاز قد يكون مفيداً أحياناً. لكن اسمعي جيداً، رغم أنني أحببتُ شهامتكِ الغبية من أجل تلك الخادمة 'ماري'، إلا أن ذكاءكِ خانكِ في تلك اللحظة. الخط الجميل في حيّنا هذا تهمة صريحة، والبراعة في صياغة الكلمات قد تقودكِ للمشنقة قبل أن تكملي النقطة الأخيرة. نحن نريد أن نجعلكِ نكرة، مجرد ظل عابر لا يلتفت إليه أحد.القادة لم يحبون من تفك الخط في هذه القريه بل المملكة بأكملها أخرجت تيا من خلف ظهرها وعاءً صغيراً تفوح منه رائحة نفاذة وقوية، وقالت وهي تغمز بعينها بخبث: — "اليوم سنكمل تمثيلية 'الخرساء'. ستبقى 'كارولين' هي هويتكِ، ولكن بلمسة فنية جديدة. هذا الوعاء يحتوي على صبغة قشور الجوز المغلية والرماد؛ سنغطي هذا الشعر الأشقر اللامع الذي يفضحك هذا ونحوله للون داكن كفحم المداخن، حتى يظن من يراكِ أنكِ لم تعرفي الصابون يوماً. بدأت تيا تلطخ خصلات شعر كيمارا بالصبغة ببراعة وسرعة، وهي تتابع استفزازها اللطيف لتكسر حاجز الخوف والرهبة الذي تملك كيمارا: — أخبريني الصدق الآن يا فتاة.. هل كنتِ تسرقين الكتب و الحبر من مكتبة ذلك الكاهن خفية؟ أم كنتِ تخبئينه في ثيابكِ وتكتبي تحت ضوء الشموع المسروقة؟ ومن علّمكِ أن تقفي بظهر مستقيم هكذا حتى وأنتِ في قمة ذعركِ؟ يبدو أن كاهنكِ هذا كان يعلمكِ أصول الإتيكيت بجانب القراءة! اليس كذلك؟ ابتسمت كيمارا رغماً عنها، وشعرت لأول مرة منذ هروبها أن تيا ليست مجرد حامية غريبة ألقى بها القدر في طريقها، بل بدأت تصبح صديقة تفهمها وتتقبلها: — ربما الصمت هو ما علمني التركيز يا تيا.. عندما لا تتحدثين، تلاحظين كل شيء بدقة، تلاحظين حتى كيف يمسك الناس أقلامهم، وكيف يضعون ثقلهم على الحروف. الكتابة كانت طريقتي الوحيدة لأقول ما عجز لساني عن قوله. توقفت يد تيا للحظة عن صبغ الشعر، ونظرت في عيني كيمارا بجدية حانية غير معهودة: — اسمعيني جيداً يا كارولين، منذ هذه اللحظة، إذا دخل أي غريب، أو حتى جار ملقوف، أنتِ لا تملكين صوتاً. الخرس هو درعكِ الوحيد، والصمت هو حصنكِ. سأقول للجميع إنكِ أصبتِ بمرض قديم وخطير في طفولتكِ أذهب صوتكِ لكنكِ تسمعين الأوامر جيداً وتنفذينها. تظاهري بالبلاهة، ابحثي عن عمل يدوي تشغلين به نفسكِ، ولا تنظري في أعين الحرس مباشرة، فالعين تملك لغة تفضح ما يحاول اللسان والرماد إخفاءه. وفجأة، سُمعت طرقة ثقيلة، جافة ومنتظمة على الباب الخارجي للورشة، كانت الطرقات تحمل هيبة السلطة وصرامة العسكر. تجمدت الدماء في عروق كيمارا وشحب وجهها رغم الرماد. نادى سيمونيل من الخارج بصوت متهدج يرتجف خوفاً: — تيا! افتحي الباب بسرعة.. الحرس الملكي يفتشون الورش والمنازل بموجب مرسوم القائد سيدريك الشخصي! لا تتأخري! تلاشت الابتسامة عن وجه تيا فوراً، لكنها لم تفقد رباطة جأشها المعتادة. جذبت كيمارا من يدها بقوة ودفعتها نحو كومة من السلال الكبيرة نصف المكتملة في ركن مظلم، وهمست في أذنها بصرامة وقلق: — ابدئي بالعمل فوراً. لا تتوقفي عن نسج الخيزران مهما حدث، ولا ترفعي رأسكِ. تذكري.. أنتِ الآن كارولين الخرساء، الفتاة التي لا تفهم سوى لغة التعب والعرق، ولا تملك من الدنيا سوى صمتها. فُتح الباب بعنف أدى لاصطدامه بالجدار، ودخل جنديان مدججان بالسلاح، وخلفهما ظهر القائد سيدريك بخطواته الرزينة الواثقة التي تترك أثراً في القلوب قبل الأرض. كانت عيونه التي تشبه الصقر تجوب المكان بحدة. جال بنظره في أركان الورشة البسيطة المتواضعة، شم رائحة الصبغة الممزوجة بالخشب، ثم استقر نظره الثاقب على الفتاة الجالسة في الزاوية، بوجها الملطخ بالرماد وشعرها الداكن المصبوغ حديثاً الذي كان لا يزال رطباً بعض الشيء. مشى سيدريك ببطء نحو كيمارا، وصوت مهماز حذائه يطرق على الأرضية الخشبية كأنه عد تنازلي. توقف أمامها تماماً، وظله الطويل غطى جسدها الصغير المرتجف. نظر إليها لثوانٍ بدت كأنها دهر، ثم انحنى قليلاً وقال بنبرة هادئة لكنها تخفي خلفها عاصفة: — أنتِ.. ارفعي رأسكِ وانظري إليّ. هل رأيتِ وجهاً مألوفاً في هذا الزقاق اليوم؟ انحبست أنفاس كيمارا، وشعرت أن قناعها على وشك الانهيار أمام الرجل الذي يعرف ملامحها منذ كانت طفلة. تيا، التي كانت تراقب الموقف بقلب ينبض بعنف، تقدمت بخطوة سريعة وقالت بلهجة مشاغبة وصوت عالٍ لتشتت الانتباه: — يا سيدي القائد! لا تتعب نفسك بسؤالها، المسكينة كارولين لا تملك لساًناً لترد به، لقد سلبها المرض صوتها منذ زمن طويل، لكنها تملك أذنين تسمعان دبيب النمل، فهل هناك ما يمكننا مساعدتك به غير السلال المتينة؟ ميزان الريبة ونظرة الصقر: لم يلتفت القائد سيدريك لحديث تيا فوراً، بل ظل واقفاً كالجبل أمام كيمارا، وعيناه لا تفارقان حركاتها المرتجفة. كان الصمت في الورشة حاداً كالنصل، حتى خُيل لكيمارا أنها تسمع دقات قلبها وهي تقرع صدرها كالطبول. انحنى سيدريك أكثر، وبطرف قفازه الجلدي رفع ذقن كيمارا ببطء لتواجه عينيه. شعرت كيمارا ببرودة الجلد على بشرتها، وكادت أن تصرخ باسمه من فرط الذعر عندما لمسها فهو لم يجرء على فعل مثل ذلك لو كانت امامه الأميرة نفسها، لكنها تذكرت وصية تيا؛ أرخت فكها، وجعلت عينيها تائهتين وفارغتين من أي ذكاء، تماماً كما يفعل من سلبه المرض عقله وكانت فراغه فمها قال سيدريك بنبرة هادئة ومركزة: — خرساء؟ هذا مؤسف.. لكن العينين لا تكذبان يا فتاة. لماذا ترتجفين كعصفور بلله المطر؟ هل تخشين حرس الملك، أم أنكِ تخفين ما يخشاه القانون؟ هنا، تدخلت تيا مجدداً ببراعة وشقاوة، فاقتربت وحملت سلة نصف منتهية ووضعتها بين سيدريك وكيمارا بحجة ترتيب المكان، وقالت بضحكة مصطنعة: — يا سيدي القائد، إنها ترتجف لأنها لم ترَ في حياتها فارساً بقدر وسامتك ودرعك الذي يلمع كالشمس! كارولين مسكينة، جاءت من قرية نائية لم يدخلها جندي قط، وهي تظن أن كل من يحمل سيفاً قد جاء ليقطع رأسها. ارحم روعها، فهي بالكاد تفهم كيف تنسج الخشب. حول سيدريك بصره نحو تيا، وضاقت عيناه بريبة: — لسانكِ طويل ومعسول كالعادة يا ابنة سيمونيل. أخبريني.. متى وصلت هذه الفتاة إلي هنا؟ ومن هي؟ ؟ لم أرها في تفتيش الأسبوع الماضي. ردت تيا دون أن يرف لها جفن، وهي تضع يدها على كتف كيمارا بحميمية: — "وصلت منذ يومين فقط، فهي ابنة عمي ميراج بعد أن مات ، لم يبقَ لها مأوى. سيمونيل العجوز رق قلبه لها، وقرر أن يعلمها حرفتنا لعلها تجد لقمة عيشها بصمتها هذا. أليس كذلك يا أبي؟ أومأ سيمونيل برأسه بخوف من بعيد، وهو يفرك يديه ببعضهما البعض. ظل سيدريك صامتاً، ثم مد يده فجأة ليمسح خصلة من شعر كيمارا الداكن. تجمدت أنفاس كيمارا؛ فقد كانت الصبغة لا تزال رطبة، وإذا تلطخ قفازه بلون الجوز، فسيعرف فوراً أن هذا السواد زائف. سحب سيدريك يده في اللحظة الأخيرة قبل أن يلمس الشعر، اغمضت عيناها برتياح بينما هو نظر إلى الرماد الذي يغطي وجهها بتقزز طفيف، ثم قال: — رائحة هذه الورشة غريبة اليوم.. رائحة قشور الجوز والقطران قوية جداً، أليس كذلك؟ يا سيمونيل قالت تيا بسرعة وهي تشير إلى وعاء الصبغة المفتوح: — نحن نصبغ السلال يا سيدي! السوق يطلب السلال الداكنة هذا الموسم، وكارولين الخرقاء سكبت الوعاء على نفسها وعلى القش منذ قليل، لهذا تبدو بهذا المنظر القذر. هل تريد أن نفتش لك السلال واحدة تلو الأخرى؟ ابتعد سيدريك خطوة، وعدل من وضع سيفه، ثم نظر إلى كيمارا نظرة أخيرة طويلة جعلتها تشعر وكأنه يقرأ أفكارها، وقال: — سأكتفي بهذا القدر اليوم. لكن تذكري يا ابنة سيمونيل.. الملك أرثر لا يبحث عن أميرة فحسب، بل يبحث عن كل من يظن أنه أذكى من التاج. إذا اكتشفتُ أن هذه 'الخرساء' تملك صوتاً أو سراً، فلن تكفيكِ سلال الأرض كلها لتختبئي فيها. خرج سيدريك وخلفه الجنود، وأغلق الباب بعنف خلفهم. سقطت كيمارا على الأرض وهي تتنفس بصعوبة كأنها كانت غارقة تحت الماء، بينما استندت تيا على الجدار ومسحت عرقاً بارداً عن جبينها. التفتت تيا نحو كيمارا وقالت بصوت مرتجف رغم محاولتها المزاح: — أرأيتِ؟ لقد أخبرتكِ أن الصمت درع. كدتِ أن تفضحينا بعينيكِ الزرقاء اللتين تلمعان كالجواهر! من الآن فصاعداً، سنضع مزيداً من الطين على وجهكِ.. يبدو أن القائد سيدريك يملك حساً يشم به رائحة الخداع والكذب من على بعد أميال. أنفاس القبو وتراتيل الصمود: في أعماق القصر الملكي، حيث لا تصل أشعة الشمس ولا تُسمع سوى أصوات قطرات الماء الرتيبة وهي تسقط من الأسقف الحجرية، كانت ماري تجلس على فوق سرير حديدي رث في زاوية زنزانة ضيقة. لم يكن الحرير يلمس جسدها الآن، بل ثوب الكتان الممزق الذي فاحت منه رائحة الرطوبة. بجوارها، كانت تقبع ليندا، وهي خادمة شابة كانت تعمل في مطابخ الجناح الملكي، محنية الظهر وتضم ركبتيها إلى صدرها وهي ترتجف من البرد والخوف. قالت ليندا بصوت مختنق بالبكاء: — ماري.. هل تظنين أننا سنخرج من هنا؟ لقد مرّت أسبوع كامل سبعة ليالي، وفي كل مرة يفتح الحراس الباب، أظن أنهم جاءوا ليقودونا إلى المقصلة. كل هذا لأن الأميرة قررت أن تلهو بالحرية؟ التفتت ماري إليها بحدة، ورغم شحوب وجهها والتعب الواضح في عينيها، إلا أنها احتفظت بهدوء غريب، وهمست بصوت رزين: — لا تقولي 'تلهو' يا ليندا. الأميرة كيمارا لم تكن تلهو، بل كانت تختنق. أما نحن.. فنحن هنا لأن الملك يبحث عن كبش فداء يفرغ فيه غضبه. تذكري، الصمود هو وسيلتنا الوحيدة، إذا انكسرنا واعترفنا بأشياء لم نفعلها، فسنعطيهم الحبل الذي سيشنقوننا به. ضربت ليندا يدها على الأرضية الحجرية بمرارة وقالت: — لكن سيدريك حقق معي لساعات! كان يصرخ في وجهي ويسألني عن الملابس التي اختفت من المخزن. سألني إن كنتُ قد رأيتُكِ تهربين شيئاً لها. ماري.. الجميع يعلم أنكِ كنتِ الأقرب إليها، إنهم يركزون عليكِ، والملك أقسم قال انه لن يرحمكِ إذا ثبتت مساعدتكِ لها. ابتسمت ماري ابتسامة شاحبة ومريرة: — ليشُكّوا كما يشاؤون. الشك لا يبني مشنقة، الدليل هو ما يفعل. طالما أن الأميرة بعيدة عن أنظارهم، وطالما أنني أتمسك بروايتي بأنها دفعتني وسلبتني مفاتيحي، فلا يملكون سوى الانتظار. أنا لا أخاف على نفسي يا ليندا، أنا أخاف عليها هي.. أركونيا في الخارج أصبحت غابة من السيوف. ياتري اين هي الآن؟ وماذا تفعل؟ وماهو مصيرها؟ سكتت ماري قليلاً، ثم تابعت وهي تنظر إلى كف يدها المرتجف: — هل تعرفين؟ ليلة هروبها، نظرت في عينيّ وقالت لي إنها تشعر بالذنب لأنها ستتركني أواجه غضب والدها. أخبرتها حينها أن حياتي فداء لضحكتها الصادقة بعيداً عن هذه الجدران. إذا كان ثمن حريتها هو بقائي هنا، فأنا أقبله. شهقت ليندا بهلع: — أتقبلين الموت يا ماري، الملك قد ينفذ وعيده في أي لحظة! بياتريس شقيقتكِ تقف كل يوم عند البوابة وتصرخ باسمكِ، لقد سمعتُ الحراس يستهزئون بها. من خلف هذه الجدران اللعينه عند ذكر اسم شقيقتها، اهتز ثبات ماري قليلاً، وترقرقت الدموع في عينيها، لكنها سرعان ما مسحتها بظهر يدها الخشنة وقالت بقوة: — بياتريس قوية، ستتدبر أمرها. المهم الآن هو ألا نضعف. إذا دخل الحراس مجدداً، ابكي، انتحبي، قولي إنكِ لا تعرفين شيئاً، لكن إياكِ أن تذكري اسم أي شخص ساعد في تمويه الحراس ليلة الهروب. نحن لا نحمي أميرة فحسب، نحن نحمي أنفسنا من أن نصبح خونة في نظر ضمائرنا. تنهدت ليندا بعمق، وسندت رأسها على الجدار البارد، بينما أغمضت ماري عينيها وهي تتمتم بصلوات خفية، تتمنى فيها أن تكون كيمارا قد وجدت مأوى آمناً، وأن يكون سواد أركونيا قد أخفاها جيداً عن عيون والدها التي لا تنام. وفجأة، دوت أصوات مفاتيح حديدية تصطدم ببعضها، وصوت صرير الباب الثقيل وهو يُفتح ليظهر منه ظل حارس ضخم يحمل سوطاً في يده، صرخ بصوت أجش: — ماري! القائد سيدريك يريدكِ في غرفة التحقيق مرة أخرى.. ويبدو أن صبر الملك قد نفد هذه المرة. وقفت ماري ببطء، عدلت ثوبها الممزق بشموخ، ونظرت إلى ليندا نظرة أخيرة وكأنها تودعها، ثم مشت نحو الجلاد بخطوات ثابتة لا ترتجف. عرش من جمر وعقول حائرة: في قاعة الحرب الكبرى، حيث تتوسط الطاولة الرخامية خريطة ضخمة لمملكة أركونيا، كان الجو مشحوناً لدرجة أن الأنفاس تكاد تُسمع من فرط التوتر. لم يكن الملك أرثر جالساً على عرشه، بل كان يذرع القاعة جيئة وذهاباً بخطوات ثقيلة ومضطربة، وصرير درعه القتالي يمزق الصمت السائد كأنه نذير شؤم. كان الارتباك واضحاً في حركاته؛ يمسك بمقبض سيفه ثم يتركه، يفرك جبينه بعنف، وعيناه المحمرتان من قلة النوم تجولان بين القادة والمستشارين بحدة تجعل أعتى الرجال يطأطئون رؤوسهم. لقد مضى أسبوع كامل.. سبعة أيام بلياليها وكيمارا مفقودة، وكل ساعة تمر كانت تنهش في كبريائه وعقله. ضرب أرثر الطاولة بقبضته بقوة جعلت القطع الخشبية التي تمثل كتائب الجيش تتطاير، وصرخ بصوت أجش يملؤه الغضب والذهول: — أسبوع! سبعة أيام كاملة وابنتي مفقودة كأن الأرض انشقت وابتلعتها! أخبروني، كيف يمكن لأميرة لم تغادر أسوار هذا القصر يوماً بمفردها أن تتوارى عن أعين جيشٍ يملأ الأفق؟ هل هي أذكى منكم جميعاً، أم أنكم تتواطؤون معها لكسر هيبتي وإظهاري بمظهر العاجز أمام الممالك؟ تقدم كبير المستشارين، وهو رجل عجوز يرتجف صوته، وقال بحذر محاولاً تهدئة العاصفة: — يا مولاي، لقد أغلقنا الموانئ منذ اللحظة الأولى، ووضعنا عيوناً في كل زاوية، الجواسيس يمشطون الأحياء الفقيرة بيتاً بيتاً. لكن يا مولاي.. أسبوع كامل في الخفاء يعني أنها وجدت مأوى حصيناً، أو أن أحداً من العامة يطعمها ويخفيها. قاطعه أرثر بضحكة هستيرية مشوبة بالمرارة والارتباك: — يخفيها؟ الرعاع يخفون أميرة أركونيا؟ لا.. كيمارا هنا، أشم رائحة تمردها في هواء المدينة. إنها تختبئ خلف وجوههم القذرة، خلف الفقر الذي ظننتُ أنها تحتقره! توقف الملك فجأة أمام القائد سيدريك، الذي كان واقفاً بجمود عسكري، وسأله بنبرة منخفضة ومرعبة: — سيدريك.. أنت عدت من تفتيش حي الورش والأسواق عدة مرات هذا الأسبوع. أخبرني عن الوجوه التي رأيتها. هل يعقل أن تمر سبعة أيام دون خيط واحد؟ ابنتي تملك روحاً لا يمكن إخفاؤها خلف الرماد للأبد، أريد خطة لا تعتمد على الانتظار، أريد خطة تزلزل أركونيا لتظهر هي! رد سيدريك بصوت ثابت رغم الارتباك المحيط بالملك: — مولاي، لقد ضاعفنا المكافآت حتى سالت لعاب الفقراء، وبدأنا بالضغط على المقربين منها في الزنازين. لكن، بما أن أسبوعاً قد مر ولم تظهر، فعلينا أن نغير استراتيجيتنا. سأقوم بتفتيش المنازل مجدداً، ولكن هذه المرة سأقتلع الأبواب، ولن نترك شبراً واحداً دون قلبه رأساً على عقب. بدأ أرثر يهز رأسه بموافقة مضطربة، ثم صرخ فجأة وهو يرمي خريطة المملكة من فوق الطاولة: — أسبوع يكفي لانهاء هذه المسرحيه الهزليه! أعلنوا في الميادين.. إذا لم تعد كيمارا قبل غروب شمس الغد، فسأبدأ بإعدام وصيفاتها وخدم الجناح الملكي في الساحة الكبرى. واحدة تلو الاخري واننا سنبدأ بماري هذه المرأة العجوز! لنرى إن كانت 'مثالية' ابنتي ورحمتها المزعومة ستصمد أمام رؤية دماء خادمتها المفضلة تلطخ الحجر! أسبوع من الاختباء سينتهي بمجزرة إن لم تظهر! كان الملك يبدو محطماً، يرتجف جسده بين غضبه كحاكم يرفض الهزيمة وخوفه كأب فقد السيطرة. التفت نحو المستشارين وأمرهم بصوت يرتجف من الانفعال: — اخرجوا جميعاً! لا أريد أن أرى وجوهكم إلا ومعكم خبر يقين. وإلا.. فالمقصلة التي أعدها للخدم، تتسع لرقاب المستشارين والقادة الفاشلين أيضاً! خرج الجميع في صمت مطبق يسابقون الزمن، تاركين الملك أرثر وحده في القاعة، يسند رأسه على حافة الطاولة الباردة، وهو يهمس لنفسه بذهول وانكسار: — سبعة أيام يا كيمارا.. سبعة أيام وأنتِ تكسرين ظهري.. أين أنتِ؟ وكيف تجرئتِ على فعل هذا؟ صخب السوق وفن ترويض الفضول: كان السوق في ذلك الصباح يغلي كمرجل، والمنادون يصرخون بأوامر الملك الجديدة عن إعدام الوشيك للخدم، مما زاد من توتر الأجواء. لكن تيا، كعادتها، لم تكن لتسمح لقتامة الأخبار أن تطفئ بريق مشاغبتها. كانت تسير بخيلاء، تدفع المارة بمنكبيها وهي تسحب خلفها كيمارا (كارولين) التي كانت تضع وشاحاً باهتاً يغطي معظم وجهها الملطخ بالرماد. توقفت تيا أمام بائع القماش، وبدأت تعبث باللفائف وهي تصيح بصوت عالٍ ليسمعها الجميع: — يا رجل! هل هذا قماش أم ليف لتنظيف القدور؟ وتطلب فيه خمس قطعات فضية وأنا لا أقبل به حتى غطاءً لسلال والدي! يبدو أن الجشع انتقل إلى دمائكم! وبينما كانت تيا تواصل مناكفتها للباعة وسط ضحكات المارة بما فيهم كيمارا نفسها، برزت من بين الزحام امرأة ضخمة الجثة، عيناها تشبهان عيني الصقر في تتبع الأخبار، وهي تضع يديها على خصريها. كانت هذه سيفين، المرأة العجوز التي يُقال إنها تعرف ما يُطبخ في قدور أركونيا قبل أن ينضج. صاحت سيفين بنبرة حشرية مستفزة: — أوه! انظروا من هنا.. تيا، ابنة سيمونيل، التي لا يتوقف لسانها عن الرنين! من هذه الفتاة التي تجرينها خلفكِ كظلكِ يا تيا؟ لم نرها في الحي من قبل، ووجهها يبدو كأنها سقطت في مدخنة! تجمدت كيمارا في مكانها، وشعرت برغبة في التلاشي، لكن تيا لم تمنحها فرصة للخوف. استدارت تيا نحو سيفين بابتسامة عريضة ومستفزة، وقالت بصوت مسموع: — أهلاً بخالتنا العزيزه سيفين، رادار الحارة الذي لا ينام! هذه كارولين، ابنة عمي المسكينة. ألم تسمعي؟ يبدو أن أخبار 'من طبخ ماذا' شغلتكِ عن أخبار الأقارب او ان سمعك بدأ يثقل! اختصارا لكل هذا، كارولين لقد فقدت صوتها منذ سنوات، لذا هي لا تستطيع الرد على أسئلتكِ الطويلة التي لا تنتهي. اقتربت سيفين بفضول، وحاولت إزاحة وشاح كيمارا لتدقق في وجهها: — ابنة عمكِ؟ وخرساء؟ يا للصدفة! وتوقيت وصولها مريب جداً مع اختفاء الأميرة، أليس كذلك؟ والرماد على وجهها يبدو مرسوماً بعناية فائقه.. ضحكت تيا بقوة وقامت بحركة بهلوانية، حيث سحبت سيفين من ذراعها وأخذت تدور حولها وهي تقول: — مريب؟ يا خالة سيفين، لو كانت هذه هي الأميرة، لكنتُ الآن أتعشى مع الملك أرثر بقطع الذهب، ولما كنتُ أفاصل هذا البائع المسكين على قطعة قماش بالية! ثم إن الرماد هو زينة الفقراء، أم أنكِ نسيتِ شكل الفقر بعد أن امتلأت بطنكِ من خيرات جيرانكِ الذين تتجسسين عليهم. حتي كادت ان تبتلع السوق بأكمله تعالت الضحكات حولهما، واحمرّ وجه سيفين خجلاً وغضباً، لكنها لم تستطع الرد على سليطة اللسان تيا. وفي تلك اللحظة، فُتحت نافذة قريبة، وخرجت منها سيمون، ابنة سيفين وصديقة لتيا، وهي تضحك بصفاء وتنظر إلى تيا بإعجاب. قالت سيمون وهي تسند ذقنها على يدها: — كفى يا تيا! ستصاب والدتي بجلطة بسبب لسانكِ السليط. يا أمي، دعي الفتاة وشأنها، تيا لن تترك لكِ فرصة للفوز في أي حوار، أنتِ تعرفين أنها تملك السيطرة على هذا السوق بكلمة واحدة! نظرت تيا نحو سيمون وغمزت لها بمرح: — أهلاً بسيمون! أخبري والدتكِ أن تبحث عن سر جديد، فسر 'كارولين' ممل جداً.. إنها مجرد فتاة خرساء تعمل في قش السلال، ولا تملك في جيبها سوى الغبار! قهقهت سيمون على خفة ظل صديقتها، بينما تمتمت سيفين بكلمات غير مفهومة وانسحبت لتدخل بيتها وهي تشعر بالهزيمة كالعادة أمام دهاء تيا. جذبت تيا كيمارا بقوة وابتعدت عن المكان وهي تهمس في أذنها: — أرأيتِ؟ الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع. سيفين هذه لو شكت بكِ للحظة، ستجعل السوق بالكامل يتحدث عنكِ، لذا كان عليّ أن أجعلها أضحوكة قبل أن تجعلكِ خبراً. تنفست كيمارا الصعداء، ونظرت إلى تيا بامتنان عميق، مدركة أن مشاغبة تيا ليست مجرد طيش، بل هي الدرع الذي يحميها من عيون المتطفلين في مدينة أصبحت كلها جواسيس. للملك