سجينة في قصر أبي - الفصل السادس - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

نصل الشك وفن الخديعة: بعد خروج القائد روبرت من الورشة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت الرياح التي تصفر عبر شقوق الجدران الخشبية. تصلب جسد تيا وهي تسمع صرير المفتاح في القفل الصدئ. التفتت بسرعة نحو كيمارا الجاثية على ركبتيها وأشارت لها بحزم يقطع الأنفاس: —عودي لمكانكِ! بسرعة! والدي لا يقل خطورة عن الحراس إذا شمّ رائحة المشاكل، إنه يرتعد من مجرد ذكر اسم الملك! ارتمت كيمارا خلف أكوام السلال مرة أخرى، وغطت نفسها ببقايا القش وهي تحاول كتم أنفاسها المتهدجة، واضعة يدها على فمها لئلا يصدر منها أي صوت. فُتح الباب، ودخل سيمونيل، صانع السلال العجوز، وكان وجهه شاحباً كأنه رأى شبحاً أو خرج من القبر للتو، يحمل سلة مكسوره فارغة جاء بها ليصلحها ويداه ترتجفان بشكل ملحوظ لدرجة أن السلة كادت تسقط منه. نظر سيمونيل إلى تيا التي كانت تحاول أن تبدو طبيعية وهي تمسح غبار الورشة عن ثوبها وتدعي الانشغال بترتيب بعض القش، وقال بصوت متقطع يملؤه الرعب: — تيا.. تيا يا ابنتي! لقد وقعت الواقعة! المملكة اشتعلت، والحرس في كل مكان، لقد أغلقوا البوابات الرئيسية ومنعوا حتى الطيور من الخروج! لم أرَ أركونيا بهذا الذعر منذ سنوات طويلة! اقتربت تيا منه بسرعة، وأخذت السلة من يده لتهدئ روعه، وحاولت أن تبدو ثابتة: — هدئ من روعك يا أبي، استنشق الهواء. لقد مروا من هنا أيضاً، روبرت اللعين ومعه كتيبة كاملة كاد يحطم الباب فوق رؤوسنا، لكنه رحل بعد أن أشببته توبيخاً كالمعتاد. ما الذي سمعته في السوق وجعلك بهذا الحال؟ هل صودرت البضائع ام انه تفتيش مرة اخري بأمر ارثر اللعين؟ جلس سيمونيل على كرسيه الخشبي المهترئ وسند رأسه بين يديه، ثم مسح جبينه بيده المرتجفة: — الأمر ليس مجرد تفتيش عادي يا تيا.. الأمر يتجاوز بضائعنا وحياتنا البسيطة. المنادون في كل مكان، والطبول تقرع في الساحات، والملك أرثر أصدر أمراً ملكياً عاجلاً كُتب بماء من غضب. لقد اختفت الأميرة كيمارا ابنته! يقولون إنها هربت من القصر عند الفجر، والملك أقسم أن يحرق المملكة زقاقاً زقاقاً، ويقلب كل حجر في أركونيا حتى يعيد ابنته إلى العرش. المدينة تحولت إلى ثكنة عسكرية في لمح البصر! وقعت الكلمات على مسمع كيمارا المختبئة كالصاعقة. شعرت ببرودة تسري في جسدها وتجمدت أطرافها؛ فوالدها لم يكتفِ بالبحث عنها خلف الأسوار، بل جعل العالم كله يعرف أنها هاربة، محولاً حريتها المنشودة إلى مطاردة علنية. تابع سيمونيل وهو ينظر إلى الباب برعب وكأنه يتوقع اقتحامه في أي لحظة: — يقولون إن من يجدها أو يدلي بمعلومات عنها سيعيش في رغد وذهب طوال حياته، مبلغ يسيل له لعاب القديسين! ومن يخفيها.. ومن يجرؤ على إيوائها، سيعلق رأسه على أسوار القصر بتهمة الخيانة العظمى دون محاكمة. يا ويلي يا تيا، نحن نعيش في زمن الموت، الملك فقد ابنته الوحيدة، وهذا يعني أنه فقد عقله أيضاً، ولن يرحم أحداً يقف في طريق بحثه! نظرت تيا نحو كومة القش بطرف عينها بذهول صامت، وشعرت بثقل السر الذي تحمله. لم يقل والدي شيئاً عن "يتيمة" أو "فتاة رثة"، بل تحدث عن "أميرة". فكرت تيا في سرها بصراع محموم: أيعقل أن كل هذا الضجيج من أجل الأميرة؟ وكارولين هذه التي ظهرت فجأة بيديها الناعمتين وعينيها المذعورتين.. ما علاقتها بتوقيت اختفاء الأميرة؟ هل من الممكن أن أكون قد وضعت يدي في عش الدبابير الحقيقي؟ لكن سيمونيل لم يتوقف، بل أضاف بخوف وهو يقبض على ثوب تيا: — يقول الحرس إن الأميرة قد تتنكر في أي زي، قد تلبس الخيش أو تتظاهر بالمرض، لكنها لا تزال 'أميرة' في النهاية. تيا، يجب أن نغلق ورشتنا فوراً، لا تفتحي الباب لأي طارق، ولا تنظري في وجوه المارة. يجب أن نبتعد عن الشوارع، لا أريد أن يظن أحد أننا نعرف شيئاً أو نخبئ شيئاً. أي غريب يدخل بيتنا اليوم هو مسمار في نعشنا، والقبر ينتظر كل من تسول له نفسه للشفقه احذري يا ابنتي! نحن لا نريد المتاعب لأنفسنا مجددا كفي ماحدث بالماضي في تلك اللحظة، تحرك القش ببطء محدثاً صريراً خفيفاً. لم تستطع كيمارا البقاء صامتة أو مختبئة أكثر وهي تسمع هذا العجوز يرتجف خوفاً بسببها، فخرجت من مخبئها وهي تنظر لسيمونيل بعينين دامعتين وقلب مثقل بالذنب. أدركت أن خطر بقائها هنا قد يعني إعدام هذه العائلة البسيطة التي لا ناقة لها ولا جمل في صراعات القصور. تجمد سيمونيل في مكانه، وسقطت عصاه من يده وارتطمت بالأرض بقوة وهو ينظر إلى كيمارا الملطخة بالطين والرماد، ثم صرخ بهمس محموم وجسده كله يرتجف وهو ينظر لابنته: — تيا! ما هذا؟ من هذه؟ ما الذي يفعله هذا البلاء في ورشتنا؟ ألم تسمعي ما قلته للتو؟ الملك يبحث عن ابنته بالسيوف والنار، والحرس يفتشون عن أي 'فتاة' غريبة.. وأنتِ تخبئين فتاة هنا؟ هل تريدين قتلنا جميعاً؟ اطلبي منها الرحيل فوراً قبل أن يرتد إلينا الحراس مره اخري! انهم الآن مثل النار في الهشيم ردت تيا بسرعة وهي تقف حائلاً بجسدها بين والدها وكيمارا، محاولةً حمايتها: — أبي، اسمعني أرجوك، لا ترفع صوتك! هذه كارولين.. إنها مجرد غريبة مسكينة من القرية المجاورة، وجدتها في السوق تائهة وسط الزحام ولا تعرف شيئاً عن الأميرة أو القصر أو هذه التعقيدات. لقد كانت خائفة من بطش الجنود فآويتها بدافع الرحمة، لم أكن أعلم أن الأمر بهذا السوء!" انها فتاة يتيمه جائت من قريه لقريه بعد ان مات والدها تبحث عن عمل لتحصد منه المال لتصرف على نفسها نظر سيمونيل إلى كيمارا بشك وقلق بالغين، متفحصاً ملامحها الدقيقة التي لم يستطع الطين طمسها تماماً، وقال: — القرية المجاورة؟ في هذا اليوم المشؤوم بالذات؟ يا ابنتي، الملك لا يمزح، وابنته المفقودة جعلت عقول الحراس في سيوفهم لا في رؤوسهم. إنهم يبحثون عن 'كبش فداء' ليقدموه للملك، ووجودها هنا هو حكم بالإعدام مؤكد علينا جميعاً! اذهبي يا فتاة، اخرجي من حيث أتيتِ! انحنت كيمارا برأسها، والدموع تحفر مسارات شاحبة على وجهها الملطخ بالرماد، وقالت بصوت مكسور يملؤه الندم: — سيدي سيمونيل.. اعتذر عن الرعب الذي سببته لك. سأغادر فوراً، سأخرج من الباب الخلفي ولن يشعر بي أحد. لا أريد أن أكون سبباً في هلاككم أو في ضياع تيا التي كانت كريمة معي. لم أكن أعرف أن الأميرة فُقدت، كنت أحاول النجاة بنفسي من الضياع فقط. لكن تيا، التي بدأ عنادها يشتعل، أمسكت بكتف كيمارا ومنعتها من التحرك، ونظرت لوالدها بإصرار وتحدٍ لم يعهده منها: — لن تذهب كارولين لأي مكان في هذا الوقت يا أبي! الشوارع مليئة بالكلاب المسعورة من الحرس. إذا خرجت الآن فسيقبض عليها الحرس بتهمة أنها 'الأميرة المتنكرة' أو أي تهمة أخرى لمجرد أنها غريبة لا تملك مأوى. خروجها الآن هو تسليمها للموت، وبقاءها هنا هو خيارنا الوحيد. سنخفيها في القبو، سنغير ملامحها أكثر حتى تهدأ الأمور. الملك يبحث عن ابنته 'الأميرة' بمواصفاتها المعروفة وبثيابها الحريرية، ولن يشك أحد في فتاة رثة، مريضة، تعيش في ورشة سلال بائسة وتساعدنا في العمل. أرجوك يا أبي.. لا تجعلنا نبيع ضمائرنا للخوف. نحن لسنا متعادين للخضوع هذا وأنت من علمني هذا يا أبي ارجوكِ دعها بيننا حتي تهدأ الاوضاع صمت سيمونيل وهو ينظر إلى ابنتة ثم إلى كيمارا، والورشة غارقة في صمت يسبق العاصفة، بينما صدى الأبواق لا يزال يتردد في الأفق البعيد. غضب التاج ونصل الاستجواب: بينما كانت كيمارا تحاول جاهدة أن تختفي وسط زحام أركونيا، كان القصر الملكي يغلي كمرجل من الفولاذ. لم يكن الملك أرثر رجلاً يقبل التمرد، واختفاء ابنته الوحيدة، وريثة عرشه، كان طعنة في كبريائه وسلطته المطلقة. جلس الملك أرثر على عرشه في القاعة الكبري، ولم يكن يرتدي تاجه، بل كان يرتدي درعه القتالي، وعيناه تلمعان ببريق مرعب يشبه نصل السيف. وقف القادة والحراس في صفوف متراصة، يسودهم صمت جنائزي لا يقطعه إلا صوت صرير حذاء القائد سيدريك وهو يتقدم نحو العرش. ضرب أرثر قبضة يده على مسند الكرسي حتى اهتزت القاعة، وصرخ بصوت رعدي: — مملكة كاملة.. بجيوشها، وحرسه، وقادتها، وأسوارها العالية، تعجز عن منع فتاة من الخروج؟ هل جنود أركونيا رجال أم دمى محشوة بالقش؟ كيف تتسلل ابنتي من تحت أنوفكم كالدخان؟ انحنى سيدريك برأسه وقال بصوت متهدج: — يا مولاي، لقد فتشنا كل زاوية، والرسالة التي تركتها الأميرة تشير إلى ضيقها من حياة القصر وقوانينه. يبدو أنها كانت تخطط لهذا منذ الفترة الاخيرة، ومن المؤكد ان هناك من ساعدها في تأمين ممر الخروج. اتسعت حدقتا أرثر، وهمس بنبرة تقطر سماً: — ضيق؟ قوانين؟ لقد أعطيتُها كل شيء، وهي الآن ترد الجميل بالفضيحة؟ أريد كل من لمس ثوبها، أو قدم لها طعاماً، أو وقف خلف بابها في الفترة الأخيرة.. هنا، الآن! سِيق خدم الجناح الملكي كالأغنام إلى القاعة، وكان في مقدمتهم ماري. كانت تمشي بخطوات مرتجفة، تضع يدها على قلبها، وتظهر علامات الفزع والانهيار ببراعة مذهلة. بمجرد أن رأت الملك، سقطت على ركبتيها وهي تنتحب: — يا مولاي.. ارحمني! لقد كانت غاضبة جداً، دفعتني بقوة لم أعهدها فيها، وسلبتني مفاتيح الممر السري وهي تهددني بالقتل إن صرختُ! اقترب الملك أرثر منها، ووقف أمامها مباشرة. سحب خنجره الذهبي ورفعه تحت ذقن ماري، ليرفع رأسها حتى تلتقي عيناها بعينيه. غاصت عيناه في عينيها محاولاً كشف أي ذرة كذب، وقال بهدوء مخيف: — ماري.. أنتِ كنتِ لها أكثر من خادمة، كنتِ كاتمة أسرارها. هل تريدين إقناعي أن ابنتي 'الرقيقة' التي لم تغادر غرفتها يوماً دون إذن، استطاعت أن تضع خطة هروب كاملة وتنفذها بمفردها دون مساعدة احد وانها تشاجرت معكِ؟ هذا هراء. ردت ماري بصوت متهدج: — "يا مولاي، لقد كانت تقضي الساعات في القراءة ومراقبة الحرس من الشرفة، ظننتُه مجرد ملل الأميرة المعتاد، لم أدرك أنها كانت ترسم خريطة لهروبها! لقد وجدتُ الرسالة فوق سريرها، تقول فيها إنها لن تعود لقفصها الذهبي أبداً! ألقى الملك الرسالة في وجه سيدريك وصرخ: — احبسوا الجميع في الزنازين السفلية. لا طعام ولا ماء حتى ينطق أحدهم بالحقيقة. أريد أن أعرف من الذي زودها بملابس العامة، ومن الذي أعطاها الجرأة لتهين تاجي بهذا الشكل! ثم التفت نحو القاعة وصوته يهز الجدران: — أخرجوا المنادين في كل زقاق! ألف قطعة ذهبية لمن يأتي برأس من ساعدها، ومثلهم لمن يعيدها حية. أبلغوا العامة أن من يخفي 'كيمارا' في بيته، فإنه يخفي موته بين جدرانه. لن أرحم أحداً، ولو كان الثمن حرق أركونيا بأكملها! بينما كان الحراس يجرون ماري والخدم نحو الأقبية، كانت ماري تدعو في سرها: —"اركضي يا كيمارا.. فوالدكِ لم يعد يراكِ كابنة، بل كخائنة للعرش، ونيران غضبه لن تنطفئ حتى يراكِ خلف القضبان مرة أخرى.ولكن هذه المره ستكون قضبان حقيقيه او موتك حتما بين نشارة الخشب ونبض الشارع: مرت الأيام الأولى على كيمارا في ورشة سيمونيل وكأنها عبور إلى عالم موازٍ. لم يعد جسدها يغلفه الحرير، بل قميص خشن من الكتان يفوح برائحة الخشب الرطب والقش. تخلت عن اسم "كيمارا" تماماً، وأصبحت بالنسبة للجميع ولـ تيا أيضاً هي "كارولين"، الفتاة اليتيمة التي هربت من قريتها بسبب الفقر والظلم. بعد موت ابيها كانت تيا تتعامل معها بخشونة فطرية، لا بدافع الكره، بل بدافع تعليمها "قوانين البقاء". في صباح اليوم الرابع، رمت تيا مكنسة خشبية نحو كيمارا وصاحت بها: — انهضي يا كارولين! هل تظنين أن القش سيكنس نفسه؟ في هذه الورشة، من لا يعمل لا يأكل. انظري إلى يديكِ.. إنهما ناعمتان كأيدي بنات النبلاء، وهذا سيجلب لنا المتاعب. اذهبي وافركي الأخشاب بالرمل حتى تخشن جلودكِ، الحرس يبحثون عن 'النعومة' ليجدوا الأميرة الهاربة، وأنا لا أريد جندية يشك فيكِ لأن يديكِ لم تلمسا الطين. بدأت كيمارا (كارولين) العمل بصمت مطبق. كانت تشعر بالألم يسري في أصابعها وهي تنظف أرضية الورشة وتجمع نشارة الخشب، لكنها كانت تشعر بنوع غريب من الرضا. لأول مرة، تأكل خبزاً يابساً غمسه سيمونيل في القليل من الزيت، لكن طعمه كان في فمها ألذ من مآدب القصر، لأنه كان طعم "الحرية". في الظهيرة، أخذتها تيا إلى السوق لتعلمها كيف تندمج وسط الزحام دون أن تلفت الأنظار. كانت تيا تمشي بتبختر وسط الباعة، بينما كانت كيمارا تسير خلفها رافعة الرأس، تحمل سلة ثقيلة. همست تيا وهي تمشي بجانبها: — لا تنظري في أعين الناس هكذا يا كارولين. نظرتكِ فيها تساؤل كبير، والفقراء هنا لا يسألون، بل يمشون ورؤوسهم في الأرض يبحثون عن قرش مفقود. احني كتفيكِ قليلاً، كوني نكرة.. كوني هواءً لا يشعر به أحد. انكِ تمشين مثل الأمراء توقفت كيمارا أمام بائع خضروات، ورأت جندياً يمسك بفتاة شابة ويدقق في وجهها بعنف قبل أن يدفعها بعيداً لأنها ليست "الأميرة المفقودة". تجمدت كيمارا من الرعب، لكن تيا جذبتها من يدها بقوة وقالت للجندي بوقاحة مصطنعة: — تنحَّ عن طريقنا يا سيدي الحارس، ابنة عمي هذه بلهاء خرساء ولا تفهم أوامركم، دعنا نلحق بوالدي قبل أن يغضب! عندما عادتا إلى الورشة، جلست كيمارا على الأرض منهكة. نظرت إليها تيا بشك طفيف وسألتها: — أخبريني يا كارولين.. من أي طينة أنتِ؟ رغم ثيابكِ الرثة، إلا أنكِ تتناولين الطعام وكأنكِ في حضرة ملك، وتمشين وكأنكِ تخافين أن تخدش الأرض قدميكِ. هل كنتِ خادمة في بيت لورد غني؟ أم أنكِ تحلمين بأكثر مما تملكين؟ ارتبكت كيمارا، وحاولت جاهدة أن تخفي نبرة صوتها الرقيقة: — لقد.. لقد كنتُ أراقب السيدات الاثرياء من بعيد في قريتي. كنتُ أظن أن تقليدهم سيجعلني أفضل منهن، لكنني الآن أدرك أن الطين هو حقيقتي الوحيدة. ضحكت تيا وهي تمسح وجهها بقميصها: — دعكِ من هراء النبلاء هذا يا فتاة. هنا في 'أركونيا' السفلى، القوة في اللسان السليط واليد الخشنة. الملك يبحث عن ابنته الأميرة، ويقولون إنها جميلة ورقيقة.. لو رآكِ الآن وأنتِ تغرقين في نشارة الخشب، لظن أنكِ ولدتِ في هذا القاع. بدأت كيمارا تندمج فعلياً؛ تعلمت كيف تميز بين أنواع الخشب، كيف تحمل السلال الثقيلة دون أن يتقوس ظهرها، وكيف تصمت عندما يتحدث الحراس عنها وعن "الأميرة الخائنة" بكلمات جارحة. لقد بدأت كيمارا تختفي، وولدت "كارولين" من جديد وسط الغبار، محميةً بجهل تيا التام بحقيقتها. صدمة الحقيقة ونحيب السوق: في الأحياء القريبة من أسوار القصر العالية، كانت بياتريس تركض بجنون، وقد شاب شعرها الفزع وسقط وشاحها عن رأسها. منذ الفجر وهي تبحث عن شقيقتها ماري؛ فقد انقطعت أخبارها تماماً منذ إعلان اختفاء الأميرة. لم يكن أمام بياتريس سوى الذهاب إلى البوابة الجانبية للقصر، حيث يتجمع أهالي الخدم المذعورين. هناك، واجهها نصلُ رمحٍ بارد منعها من الاقتراب. صرخت بياتريس بقلبٍ يرتجف: — أرجوكم! أنا أخت ماري، كبيرة وصيفات الأميرة.. لقد خرجتْ لعملها منذ ايام ولم تعد، أخبروني أنها بخير! نظر إليها الحارس ببرود وقال بنبرة جافة: — السيده ماري رهن التحقيق بأمر من القائد سيدريك. الملك يشك في كل من كان قريباً من الجناح الملكي منذ الليلة المشؤمه . لقد ألقوا بها في الزنازين السفلية مع بقية الخدم؛ ولن يخرج أحد منهم حتى تظهر الأميرة المفقودة وتبرئ ساحتم، أو يقر أحدهم على من ساعدها. سقطت بياتريس على الأرض وكأن صاعقة ضربتها. لم يكن هناك اتهام صريح، لكن "الاشتباه" في غرف الملك أرثر يعني الموت البطيء. غطت وجهها بيديها وهي تترنح عائدة نحو السوق، تمشي كالمغيبة وتنحب بنحيبٍ مرير يمزق نياط القلوب. في هذه الأثناء، كانت كيمارا (كارولين) تحمل سلة ثقيلة من السلال الخشبية خلف تيا وسط الزحام الخانق. كانت كيمارا تحاول جاهدة تقمص دور الفتاة الرثة، لكن عينيها كانت تائهة في الفراغ، تفكر في ماري وما آل إليه حالها، قبل أن يقطع حبل أفكارها صوت بكاء عارم. اندفعت بياتريس من وسط الزحام وهي لا ترى أمامها من كثرة الدموع، فاصطدم جسدها المنهار بجسد كيمارا بقوة. سقطت السلال من يد كيمارا وتناثر الخشب على الأرض. تراجعت كيمارا خطوة للخلف لتوازن نفسها، ونظرت إلى المرأة المنهارة أمامها بشفقة كبيرة، ولم تكن تعلم أنها شقيقة ماري. انحنت كيمارا بلهفة، ومدت يدها لتمسك بكتف بياتريس المحطمة، وقالت بصوت ناعم يملؤه الحنان: — مالكِ يا خالة؟ لماذا تبكين هكذا؟ هل حدث شيء؟ هل أصابكِ مكروه؟ رفعت بياتريس رأسها، ونظرت إلى وجه كيمارا الملطخ بالرماد والطين. لم يخطر ببال بياتريس للحظة أن هذه الفتاة الرثة التي تقف أمامها هي ذاتها الأميرة التي تخدمها أختها؛ فهي لم ترَ الأميرة كيمارا في حياتها قط، وكانت تظنها كائناً من نور وحرير لا يطأ الأرض. قالت بياتريس وهي تشهق بالبكاء مرير: — يا ابنتي.. لقد أخذوا أختي! ماري المسكينة إلي الزنازين! الملك وسيدريك يشكون في كل الخدم لأن الأميرة هربت. أختي بريئة، كل ذنبها انها كانت المقربه للأميرة لكنهم ألقوا بها في العتمة ليجبروا الأميرة على العودة! يا ويلي.. ماري الضعيفة لن تحتمل رطوبة الزنازين ولا سوط الجلادين! تجمدت الدماء في عروق كيمارا، وشعرت بركبتيها تخونها. —ماري.. شقيقة هذه المرأة هي ماري!". غص غصة في حلقها، وأدركت أن ثمن حريتها بدأ يُدفع من أعصاب هذه المرأة البريئة وأختها المحتجزة. همست كيمارا بصوت مرتجف كاد يختفي: — ماري.. في الزنزانة؟ هل.. هل عذبوها؟ هنا تدخلت تيا بسرعة البرق، وجذبت كيمارا بعيداً وهي تنظر لبياتريس بحذر شديد، وقالت بصوت حازم: — هيا يا كارولين! لمي السلال بسرعة واصمتي! الحديث مع أهالي المحتجزين في أمور القصر هو أقصر طريق للزنزانة المجاورة لهم. لا شأن لنا بهذا البلاء، دعي المرأة وشأنها اذهبي الآن يا خاله بياتريس! سحبت تيا كيمارا بقوة، بينما ظلت كيمارا تلتفت وراءها نحو بياتريس المنهارة وهي تنادي اسم أختها. شعرت كيمارا في تلك اللحظة أن "كارولين" ليست مجرد اسم مستعار، بل هي قناع بدأ يخنقها، لأنها تعرف الحقيقة التي لا تعرفها بياتريس، ولا تيا. قالت تيا وهي تمشي بسرعة وتشد على ذراع كيمارا: — وجهكِ أصبح شاحباً كالكفن يا كارولين.. لا تأخذي هموم العالم على عاتقكِ. ماري في يد القدر، ونحن في يد الفقر، وكلاهما مرّ. تحركي ولا تنظري خلفكِ! أغمضت كيمارا عينيها، وكان صوت بياتريس "أخذوا أختي" يتردد في أعماقها كصرخة لا يمكن إسكاتها، وهي تدرك الآن أن "الشك" الذي يحيط بماري هو خنجر مغروز في ضميرها هي. حبر الندم والوقوع في الفخ: عادت كيمارا إلى الورشة بجسدٍ حاضر وروحٍ غائبة. كان صوت نحيب بياتريس يطاردها، وصورة ماري في تلك الزنزانة الباردة تنهش ضميرها. لم تستطع النوم؛ فكلما أغمضت عينيها، تخيلت ماري وهي تُسأل عما لا تعرفه، وتُعاقب على ذنبٍ اقترفته هي وحدها. —يجب أن تصل رسالة للقصر.. رسالة تخبرهم أن ماري بريئة، همست كيمارا لنفسها وهي تتسلل نحو طاولة العمل الخاصة بسيمونيل في عتمة الليل. بحثت بين الأوراق المهملة ووجدت ريشة قديمة وبقايا حبر جاف، أضافت عليه قطرات من الماء، وبدأت تكتب بيدٍ ترتجف. كانت تنوي كتابة كلمات بسيطة، لكن يدها التي اعتادت على كتابة الرسائل الرسمية والمنمقة خانتها، فخرجت الحروف منسابة، أنيقة، وبخطٍ لا يملكه إلا من قضى عمره بين الكتب والمجلدات. "ماري والخدم لا علاقة لهم بهروب الأميرة. لقد رحلت وحدها دون مساعدة. لا تظلموا الأبرياء. رجاءا اتركوهم." بينما كانت تضع النقطة الأخيرة، لم تشعر بالظل الذي كان يقف خلفها يراقبها بصمت مخيف. — من أين ليتيمة قروية بائسة أن تتقن القراءة والكتابة يا 'كارولين'؟ قفزت كيمارا من مكانها بذعر، وكادت تطيح بالمحبرة. كانت تيا تقف هناك، متكئة على الباب، وعيناها تلمعان بريبة شديدة. تقدمت تيا ببطء وانتزعت الورقة من يد كيمارا قبل أن تخفيها، وقرأت الأسطر القليلة تحت ضوء القمر الشاحب. ضحكت تيا بمرارة وهي تهز الورقة: — ما هذا يا كارولين؟ خطٌ لا يملكه حتى تجار السوق الكبار! وكلمات عن ماري والأميرة؟ قلتِ لي إنكِ هربتِ من الفقر، فمن علمكِ فك الخط؟ وكيف تهتمين بخادمة في القصر وأنتِ لم تجدي ثمن رغيف خبز بالأمس؟ تصببت كيمارا عرقاً، وشعرت أن الخناق يضيق حول عنقها، لكنها استجمعت شجاعتها وقالت بصوت مهزوز: — تيا.. اسمعيني.. لقد كنتُ خادمة في بيت كاهن القرية، هو من علمني القراءة والكتابة لأساعده في تدوين السجلات. في مقابل ان يعطيني حفنه من النقود فكان أبي في ايامه الأخيرة مريض للغايه وعندما رأيتُ تلك المرأة تبكي في السوق، شعرتُ بالظلم.. أردتُ فقط أن أساعدها برسالة مجهولة. ضيقت تيا عينيها، ولم تبدُ مقتنعة تماماً بكذبتها، واقتربت منها قائلة: — خادمة كاهن؟ وتكتبين بهذا الرقي؟ كارولين، أنتِ تخفين شيئاً أكبر من مجرد 'خادمة'. ربما كنتِ سارقة، أو كنتِ مرافقة لإحدى النبيلات وهربتِ بشيء يخصهم. لهذا السبب يفتشكِ الحرس، ولهذا السبب تخافين من اسم الملك! تنفست كيمارا الصعداء قليلاً؛ فتيا بدأت تشك بأنها "سارقة" أو "خادمة هاربة"، ولم يخطر ببالها أبداً أنها "الأميرة" نفسها. مزقت تيا الورقة إلى قطع صغيرة ونثرتها على الأرض، وقالت بلهجة حازمة: — اسمعي يا ابنة الكاهن المزعومة.. إذا أرسلتِ هذه الورقة، فستقودين الحرس إلى بابنا في ثانية واحدة. خطكِ هذا سيفضحكِ، وسيجعلهم يظنون أنكِ شريكة في المؤامرة. انسِي ماري، وانسِي القصر، واهتمي فقط بكيفية تقشير الخشب غداً، وإلا سأطردكِ بنفسي قبل أن يشنقنا الملك جميعاً بسبب 'شهامتكِ' الغبية! عادت كيمارا إلى فراش القش، وهي تدرك أن سرها أصبح يحمل ثقلاً مضاعفاً. لقد نجت من شك تيا هذه المرة، لكنها الآن مكبلة؛ فلا هي قادرة على مساعدة ماري، ولا هي قادرة على التظاهر بأنها مجرد "يتيمة جاهلة" بعد الآن.