سيف القانون 🖤🦢
داخل قاعة المحكمة، لم يكن أحمد يواجه القاضي فحسب، بل كان يواجه "ظهره" الذي انقسم. في الصفوف الأولى، جلست عائلته؛ والده الذي كان يرفض النظر إليه، وأمه التي كانت تتشح بالسواد وكأنها في مأتم، ولمار التي كانت تمسك يد نوران في إشارة علنية للبراءة من دم أخيها.
يقف الجميع بوقار مع دخول هيئة المحكمة. يجلس القاضي، يعدل نظارته، وينظر بحدة نحو قفص الاتهام حيث يقبع أحمد بملامح شاحبة.
القاضي: "تفتح الجلسة في القضية الجنائية رقم (...) المتعلقة بالمتهم 'أحمد' بتهم الحرق العمدي، والابتزاز، والاعتداء تحت الإكراه. "
وكيل الجمهورية (بصوت يملؤه الاحتقار):"سيدي الرئيس، نحن أمام مجرم لم يحترم لا صلة رحم ولا حرمة جسد. وفق الفصل 307 من المجلة الجزائية، فإن حرق محل مسكون بواسطة الغير هي جناية تستوجب أقصى العقوبات. ولكن الأدهى هو استغلاله لضعف المجني عليها وإجبارها على الزفاف تحت التهديد، وهو ما يجرمه الفصل 25 من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017."
والد أحمد (يقف فجأة في القاعة وصوته يرتجف):
"سيدي القاضي.. أنا والده، وأقولها أمام الملأ: ابني خان الأمانة، ومن يخون ابنة خاله ويحرق بيت صديقه لا يستحق الرأفة. نحن كعائلة، نتبرأ من فعله ونطلب العدل لنوران قبل أي شيء."
كانت هذه الكلمات كالصاعقة التي شلت حركة أحمد داخل القفص. نظر لأبيه بذهول، ثم لأمه التي هزت رأسها بالرفض وأشاحت بوجهها عنه. في تلك اللحظة، سقطت "هيبة" أحمد؛ فقد أدرك أن العالم الذي بناه على الأكاذيب قد انهار فوق رأسه.
تقدمت نوران، كانت ترتدي بدلة رسمية بسيطة، عيناها متعبتان لكن وقفتها كانت كالجبل.
القاضي: "نوران.. المحكمة استمعت لشهادة السائق الذي اعترف بوقوف أحمد خلف حرق منزل السيد رامي. لكننا اليوم بصدد الشق المتعلق بكِ. المتهم يدعي أن علاقتكما كانت برضاكِ وأن الزفاف كان باتفاق عائلي. ما ردك؟"
نوران (بصوت يرتجف في البداية ثم يقوى): "سيدي الرئيس.. أي رضا هذا الذي يُكتب بدموع الخوف؟ أحمد لم يطلب يدي، بل 'اشتراني' بصمتي. استغل لحظة ضعف، انتهك فيها حرمة جسدي، ثم جعل من ذلك الجنين سوطاً يجلدني به كل يوم. كان يهددني بوالدي، بسمعتي، وبأنني لن أكون إلا 'حطاماً' بدونه."
مرافعة الدفاع والنيابة (المواجهة القانونية)
محامي أحمد (يقف محاولاً التشكيك): "سيدي الرئيس، نحن نتحدث عن عادات وتقاليد. موكلي أراد 'الستر' على ابنة خاله. أليس الزواج هو الحل الأمثل في مجتمعنا لمثل هذه الحالات؟ لماذا نصور الأمر كجريمة بينما هو محاولة لإصلاح خطأ؟"
وكيل الجمهورية (يقف بقوة ويقاطع): "اعتراض سيدي الرئيس! هذا المنطق هو الجريمة بعينها! نحن في رحاب قانون لا يعترف بـ 'الستر' على حساب الذات البشرية. المتهم ارتكب 'عنفاً سياسياً ونفسياً وجسدياً' وفق الفصل 3 من القانون عدد 58 لسنة 2017. لقد استخدم 'الإكراه' لإجبار المتضررة على القبول بالزواج، وهو ما يعاقب عليه الفصل 25 من نفس القانون بصريح العبارة."
وكيل الجمهورية (يوجه نظره لأحمد): "أنت لم ترد الستر، أنت أردت امتلاك الضحية وإخفاء معالم جريمتك الأولى (الاعتداء) بجريمة ثانية (الزواج القسري)."
نوران (تقف بطلب من القاضي، بصوت ثابت): "سيدي الرئيس، لكنني أطلب حقي في الحرية وفي حماية ابني من أبٍ لا يعرف معنى الرحمة."
يطرق القاضي بمطرقته، ويقف الجميع لسماع الحكم التاريخي الذي سيضع حداً لغطرسة أحمد:
القاضي: "باسم الشعب، وبعد الاطلاع على الفصول 307 و308 من المجلة الجزائية المتعلقة بالحرق العمدي، وعلى القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة:
ثبوت إدانة المتهم 'أحمد' بتهمة التحريض على الحرق العمدي لمحلاّت مسكونة، ومعاقبته بـ 12 سنة سجناً.
ثبوت إدانته بتهمة التهديد والابتزاز وإكراه امرأة على الزواج، ومعاقبته بـ 3 سنوات سجناً إضافية وفقاً للفصل 25 من قانون 58.
بخصوص الجنين، تقرر المحكمة وضع المتضررة تحت الحماية الاجتماعية والصحية اللازمة، مع حرمان المتهم من ممارسة أي حق من حقوق الولاية مستقبلاً نظراً لخطورته الإجرامية."
ما إن طرقت مطرقة القاضي معلنةً سجن أحمد، حتى انفتح باب القاعة الضخم. خرجت نوران، لم تكن تلك الفتاة المنكسرة التي دخلت قبل ساعات؛ كانت تمشي بخطوات ثابتة، ورأسها مرفوع، رغم الدموع التي لم تجف بعد.
بعد نطق الحكم بـ15 سنة سجناً، خرجت نوران من القاعة يحيط بها المحامون. في البهو الفسيح، كانت عائلة أحمد (خال نوران وزوجته) يقفون بوجوه شاحبة. لم يكونوا يعلمون بالتفاصيل الدقيقة؛ كانوا يظنون أنها مجرد خلافات وتهديدات، لكن شهادة نوران داخل القاعة عن "انتهاك عرضها" و"الجنين" نزلت عليهم كالصاعقة.
تقدم خال نوران (والد أحمد) بخطوات ثقيلة، كان يرتجف بالكامل. ارتمى على ركبتيه أمام ابنة أخته، وفي مشهد أبكى الحاضرين، أمسك يدها وبدأ يرتعد.
الخال (بصوت مبحوح من القهر): "سامحينا يا ابنتي.. والله ما كنا نعلم أنه وصل لهذا الحد من الخسة. يوم خطفها المرة الأولى، جئنا إليكِ وقلنا 'استري عليه فهو ابن خالكِ'، أجبرناكِ على الصمت ونحن نظن أننا نحمي سمعتنا.. لم نكن نعلم أننا كنا نسلمكِ لذئب ينهش لحمكِ!"
زوجة الخال (أم أحمد): كانت تلطم وجهها بحرقة، مذهولة من بشاعة ما فعله ابنها. اقتربت من نوران وحاولت تقبيل رأسها وهي تصرخ: "ليتنا تركناكِ تشتكين عليه منذ البدء! ليتنا لم نخرس صوتكِ باسم القرابة! نحن من أجرمنا في حقكِ قبل أحمد.. نحن من أعطيناه السكين ليذبحكِ بصمتنا المُرّ!"
نوران (بصوت مكسور لكنه حازم): "لقد فات الأوان على الأسف يا خالي.. يوم خطفني المرة الأولى، أتيتُ إليكم باكية، فقلتم لي 'اسكتي، الفضيحة تقتل'. صمتكم هو من أعطاه القوة ليفعل ما فعله لاحقاً. لو أنصفتموني يومها، لما كان هذا الجنين الآن يحمل دمه، ولما احترق بيت رامي، ولما انتهت حياتنا جميعاً في المحاكم."
ساد صمت جنائزي في البهو. رامي كان واقفاً خلفها، وضع يده على كتفها ليدعمها، بينما كانت عائلة أحمد منهارة تماماً، يدركون أن "الستر" الذي سعوا إليه لم يكن إلا قناعاً بشعاً لظلم عظيم.
نوران (بصوت مكسور لكنه حازم): "لقد فات الأوان على الأسف يا خالي.. يوم خطفني المرة الأولى، أتيتُ إليكم باكية، فقلتم لي 'اسكتي، الفضيحة تقتل'. صمتكم هو من أعطاه القوة ليفعل ما فعله لاحقاً. لو أنصفتموني يومها، لما كان هذا الجنين الآن يحمل دمه، ولما احترق بيت رامي، ولما انتهت حياتنا جميعاً في المحاكم."
كانت لمار هي الأكثر تضرراً. كانت تشعر بذنب فظيع لأنها حاولت إقناع نوران بالستر والزواج. في مشهد مؤثر، ذهبت لنوران بعد المحاكمة وقبلت يدها وهي تنهار بالبكاء:
"سامحيني يا نوران.. سذاجتي كانت ستدمركِ. كنتُ أدافع عن 'أخ' لا أعرفه، وأحارب 'صديقة' هي المظلومة.
ساد صمت جنائزي في البهو. رامي كان واقفاً خلفها، وضع يده على كتفها ليدعمها، بينما كانت عائلة أحمد منهارة تماماً، يدركون أن "الستر" الذي سعوا إليه لم يكن إلا قناعاً بشعاً لظلم عظيم.
والدة نوران (بصوت مخنوق): "سامحيني يا بنيتي.. كنتُ أظن أنني أحميكِ بالصمت، فكنتُ أدفنكِ حية. لقد كنتِ أشجع منا جميعاً. اليوم، أنتِ من سترتِنا بصدقك، وليس هو بغدره."
ارتمت نوران في حضنها، وفي الجهة المقابلة كانت لمار تبكي وتعانق نوران، معلنةً براءتها من أفعال أخيها، مؤكدة أن الدم لا يبرر الظلم.
بمجرد خروجها إلى ساحة المحكمة الخارجية، تفاجأت بنهر من البشر. لم يكن رامي وحده، بل كانت هناك المئات من النساء والرجال، يحملون لافتات كتب عليها:
"نوران.. صوتكِ كسر القيود"
"لا للستر على حساب الروح"
"الشرف في الصدق، وليس في الصمت عن الظلم"
كانت كاميرات القنوات الإخبارية تحيط بها، ووسائل التواصل الاجتماعي تشتعل ﴿كلنا_نوران.﴾ لقد تحولت قصتها من "فضيحة عائلية" كما كان يهددها أحمد، إلى قضية رأي عام هزت المجتمع من جذوره.
توقفت نوران أمام الميكروفونات، نظرت إلى الجموع، ثم قالت بكلمات زلزلت القلوب:
نوران: "لقد أرادوا أن يلبسوني ثوب العار لأنني كنت ضحية، وأرادوا إقناعي أن 'الستر' هو أن أعيش مع جلادي في غرفة واحدة. لكنني اليوم أقول لكل امرأة خائفة: العار ليس في ما حدث لنا، العار في من فعله بنا، وفي من صمت عنه. كرامتنا ليست غشاءً ولا جدران كوخ مهجور، كرامتنا هي حقنا في أن نقول 'لا' في وجه أقرب الناس إلينا إذا حاولوا كسر أرواحنا."
في تلك الليلة، لم تنم المدينة. أقيمت ندوات وحوارات تلفزيونية تناقش "المعتقدات البالية". ثار الشباب والفتيات على الموروث الذي يربط شرف العائلة بجسد المرأة ويغفره للرجل.
أصبح اسم "نوران" رمزاً للثورة على القوانين غير المكتوبة التي تقيد المرأة العربية. حتى رامي، الذي وقف بجانبها كتب مقال انتشر كالنار في الهشيم:
"لقد أحرق أحمد منزلي، لكن نوران أحطمت بصدقها أصناماً من الجهل كانت تسكن عقولنا لقرون."