رحلة بلا عودة - استجواب الخائن - بقلم محمود نادر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رحلة بلا عودة
المؤلف / الكاتب: محمود نادر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: استجواب الخائن

استجواب الخائن

وفي ليلةٍ ماطرةٍ، ثقيلة الغيوم، كانت الغرفة تغرق في إضاءةٍ خافتةٍ، شاحبة، لا تكاد تكشف تفاصيل الوجوه. كان الخائنُ مكبَّلاً، جالساً على كرسيٍ خشبيٍّ متآكل، وقد أحاط به أحمد وسبعة عشر. قال أحمد بسخطٍ مكبوت، وصوته يرتجف من الغضب: «إن لم تخبرني من أرسلك، فسأهشم عظامك ». التفت سبعة عشر نحوه بهدوء، ووضع يده على كتفه: «اهدأ قليلاً يا أحمد... دعنا نسمع أولاً». لكن عينَي أحمد كانتا لا تزالان مثبتتين على الخائن كالخنجرين. «تكلَّم... وإلا...». تنهَّد الخائنُ طويلاً، ثم رفع رأسه ببطء وقال بصوتٍ متهدِّج: «حسناً... من أرسلني هم الفضائيون أنفسهم... أولئك الذين هاجموكم». ارتفع حاجبا أحمد دهشةً وترقُّباً: «وأين هم الآن؟». لم يكمل أحمد سؤاله، إذ انقضَّت فجأةً طائرةٌ صغيرةٌ مظلمة من الظلام الخارجي، وأطلقت شحناتٍ ناريةً حادةً صوب الخائن. انقضَّ سبعة عشر كالصاعقة على الطائرة، وأخذ يطلق عليها شحنةً بعد شحنة بلا هوادة، حتى اهتزَّ جسمها وانحدرت تسقط على الأرض في صوت انفجارٍ مكتوم. ثم التفت سبعة عشر إلى الخائن الميت، ثم إلى أحمد، وقال بصوتٍ هادئ لكنه متوتر: «ماذا نفعل الآن؟». أجاب أحمد ببرودٍ عسكري: «العدو ما زال على اراضينا... ونحن لن نتركه يرتاح». وفي صباح اليوم التالي، اجتمع أحمد بمن يثق بهم من بين «الأرقام»، وكشف لهم خطته باختصارٍ حازم. أول الأمر، أرسل فرقاً استطلاعية لتفقُّد المنطقة ومعرفة أماكن العدو حولهم. أُرسلت عشرون فرقةً تُمشِّط الأرضَ شبراً شبراً. وعند حلول الليل، عاد خمسةٌ فقط منهم، وهم الذين كانوا قد تفقَّدوا المناطق القريبة. أخبر أحدهم أنهم اكتشفوا قاعدةً صغيرةً متخفيةً، لا تبعد كثيراً عن موقعهم. فأرسل أحمد على الفور عدة فرقٍ أخرى لمهاجمة هذه القاعدة، واستمرَّ بنفسه في تنظيف المناطق المجاورة من بقايا الأعداء، خطوةً بخطوة، بلا رحمة. في إحدى اللحظات الهادئة بين المعارك، حدَّث أحمد سبعة عشر بصراحةٍ لم يعهدها منه: «أنا لا أريد هذا المنصب... لا أريد أن أكون قائداً لهم». نظر إليه سبعة عشر بدهشة: «ولِمَ؟». أطرق أحمد برأسه، وأخذ ينظر إلى الأرض الترابية تحت قدميه طويلاً، ثم قال بصوتٍ منخفض: «أنا لم آتِ إلى هنا لأصبح قائداً... أنا لا أريده أبداً». ابتسم سبعة عشر ابتسامةً خفيفةً، ووضع يده على كتفه مرةً أخرى: «حسناً... لك ما تريد يا صديقي». وفي لحظة بزوغ الشمس، حين كانت السماء تتلوَّن بلون الدم الخفيف، كان أحمد جالساً وحده على قمة أحد التلال القريبة. ينظر إلى الأفق البعيد، إلى تلك الأرض الحمراء الشاسعة التي أصبحت سجنه ومأواه. كان وجهه يعكس شوقاً عميقاً، شوقاً يمزق الصدر. همس لنفسه بصوتٍ لا يكاد يُسمع: «متى... متى أعود؟». وظلَّ السؤال يتردَّد في ذهنه، كصدىٍ لا ينتهي: هل سيعود أحمد يوماً إلى الأرض؟ أم سيبقى إلى الأبد على هذا الكوكب الأحمر الغريب؟