الفصل الرابع
لم يكن قراري أن أنجح…
بل قراري أن أتوقف عن التشتت.
في الأيام التي ابتعدت فيها،
لم أحاول نسيانها…
كنت فقط أحاول أن أعود لنفسي.
أصبحت أيامي أبسط.
محاضرات.
ملاحظات.
مكتبة هادئة في آخر الممر.
أجلس هناك لساعات، أكتب، أراجع، وأحيانًا… فقط أفكر.
لكن ليس بها.
بل بي.
"واضح إنك داخل حرب مع الكتب."
قالها سامر وهو يضع كوب قهوة أمامي.
ابتسمت بخفة:
"يمكن أول مرة أركز صح."
جلس أمامي وقال بنبرة نصف جادة:
"ولا أول مرة تبعد عن شيء كان شاغلك؟"
نظرت إليه لثوانٍ، ثم قلت:
"بعض الأشياء لما تبعد… توضح."
لم أعد أنتظر رسالة.
لم أعد أبحث عن اسمها في هاتفي.
حتى صوتها…
لم يعد يسكن رأسي كما كان.
ومع الوقت…
بدأ شيء آخر يظهر.
نتائجي تغيّرت.
أصبح اسمي يُذكر بين الأوائل.
الدكاترة بدأوا يلاحظون.
حتى زملائي…
أصبحوا يسألونني بدل أن أسأل أنا.
في إحدى المحاضرات،
قال الدكتور وهو ينظر في الأوراق:
"أحمد… شغلك ممتاز جدًا."
رفعت رأسي بهدوء:
"شكرًا."
لم أشعر بالفخر الصاخب…
بل بشيء أعمق.
رضا هادئ.
في الخلف…
كانت هناك من تراقب.
ليان لم تكن تفهم ما يحدث.
نفس الشخص…
لكن ليس كما كان.
لم يعد يقترب.
لم يعد يبتسم لها بنفس الطريقة.
ولم يعد ينتظرها.
لكن ما أزعجها أكثر…
أنه أصبح أفضل.
"من متى أحمد صار كذا؟"
سألت صديقتها وهي تنظر إليه.
"من زمان هو شاطر… بس شكله مركز هالفترة."
هزّت رأسها ببطء، لكنها لم تقتنع.
هي تعرفه…
أو كانت تظن ذلك.
في ساحة الجامعة،
كان يقف مع مجموعة من الطلاب يناقشون مشروعًا.
يتحدث بثقة.
يشرح بهدوء.
ويبتسم… لكن ليس لها.
ترددت قليلًا…
ثم اقتربت.
"أحمد."
التفت.
"أهلين."
نفس الرد…
الذي لم تعد تعرف كيف تفسّره.
"سمعت إنك جبت أعلى درجة."
"الحمدلله."
سكتت لحظة، ثم قالت:
"مبروك."
"الله يبارك فيك."
انتهى الحديث…
بسرعة.
بشكل لم تعتد عليه.
وقفت لثوانٍ، وكأنها تنتظر أن يقول شيئًا آخر…
أن يسألها.
أن يمد الحديث.
لكن…
لم يحدث.
"طيب… نشوفك."
قالتها بهدوء.
"أكيد."
ابتعدت…
لكن هذه المرة،
لم يكن شعورها مجرد فراغ.
كان شيء أقرب للضيق.
"ليش أحس إنه ما عاد يحتاجني؟"
سؤال لم تعتد أن تسأله.
أما هو…
فلم يكن يحاول أن يُثبت شيئًا.
لم يكن ينتقم.
لم يكن يمثل القوة.
كان فقط…
أصبح كذلك.
وفي داخله،
بدأ يدرك حقيقة بسيطة:
أن بعض الأشخاص…
حين تبتعد عنهم،
لا تخسرهم…
بل تكسب نفسك.
لم تكن الخطة أن يدخل أحد جديد في حياتي…
لكن بعض التغييرات تأتي دون استئذان.
كنت أجلس في المكتبة كعادتي، أراجع ملاحظاتي، غارقًا في هدوء اعتدته مؤخرًا.
"ممكن أقعد هنا؟"
رفعت رأسي.
كانت فتاة تقف أمامي، تحمل بعض الكتب، ونظرتها هادئة.
"أكيد."
جلست بهدوء، وبدأت تفتح أوراقها دون إزعاج.
مرّت دقائق في صمت،
ثم قالت:
"أنت أحمد، صح؟"
نظرت لها باستغراب بسيط:
"إيه."
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"أنا سارة… معاك في نفس الدفعة. بصراحة، شرحك في المحاضرة كان واضح."
هززت رأسي:
"شكرًا."
لم تكن مثل ليان.
لم تحاول أن تقترب بسرعة.
لم تبالغ في الاهتمام.
كانت بسيطة…
وهذا ما جعل الحديث معها مريحًا.
"إذا ما عندك مانع… ممكن أراجع معاك أحيانًا؟"
فكرت لثانية، ثم قلت:
"عادي."
ومن تلك اللحظة…
بدأ وجودها يتكرر.
كانت تجلس بجانبي في بعض المحاضرات.
تسأل بهدوء.
تستمع أكثر مما تتكلم.
لا تفرض نفسها…
ولا تختفي.
ومع الوقت،
أصبحت جزءًا من يومي…
لكن بشكل مختلف.
"واضح إنك دخلت مرحلة جديدة."
قالها سامر وهو يبتسم بمكر.
نظرت له:
"لا تبالغ."
ضحك:
"أنا ما أبالغ… أنا ألاحظ."
لم أرد.
لأنني لم أكن أفكر بنفس الطريقة.
في ساحة الجامعة،
كنت أقف مع سارة نتحدث عن مشروع، نراجع بعض النقاط.
"أنت تشرح بطريقة تخلي الموضوع سهل."
قالتها وهي تنظر في الأوراق.
ابتسمت:
"يمكن لأني كنت أعقده على نفسي قبل."
في تلك اللحظة…
كان هناك من يراقب.
ليان.
وقفت على بُعد، تتابع المشهد بصمت.
لم يكن مجرد حديث عادي بالنسبة لها.
كان… مختلفًا.
"مين هذه؟"
سألت صديقتها بنبرة حاولت أن تبدو عادية.
"ما أعرف… شكلها من دفعتكم."
نظرت مرة أخرى.
كانت ترى أحمد…
لكن ليس معها.
شيء لم يعجبها.
لم يكن غيرة واضحة…
بل إحساس مزعج.
كأن مكانًا تعرفه…
بدأ يمتلئ بشخص آخر.
اقتربت بخطوات هادئة.
"أحمد."
التفت.
"أهلين."
نظرت إلى سارة، ثم قالت:
"ما تعرفني؟ أنا ليان."
ابتسمت سارة بلطف:
"أكيد، تشرفنا."
سكتت لحظة، ثم قالت ليان:
"واضح إنكم مشغولين."
نظرت إليها بهدوء:
"شغل مشروع."
هزّت رأسها ببطء،
ثم قالت:
"طيب… لا أطول عليكم."
استدارت ومشت.
لكن خطواتها… لم تكن بنفس الخفة.
لأول مرة…
تشعر أن هناك من أخذ مكانًا…
لم تكن تعترف أصلًا أنه مهم.
أما أنا…
فعدت أكمل حديثي بشكل طبيعي.
لم أحاول أن أوصل رسالة.
لم أحاول أن أجعلها تغار.
لكن الحياة…
فعلت ذلك عني.
وفي تلك اللحظة،
بدأت الأمور تتغير…
ليس بيني وبينها فقط،
بل داخلها هي.