الفصل الثالث
في الأيام التالية…
لم يحدث شيء واضح.
لكن في داخلها…
بدأ كل شيء يتغيّر.
كانت ليان تسير في ساحة الجامعة كعادتها، تضحك مع صديقاتها، تتحدث، تتحرك بخفة…
لكن شيئًا صغيرًا كان يزعجها.
شيء لم تستطع تحديده في البداية.
"وين أحمد؟"
سألتها صديقتها فجأة.
توقفت لثانية، ثم قالت بشكل عادي:
"ما أدري… أكيد موجود."
لكنها كانت تعرف…
أنه لم يعد "موجود" كما كان.
في السابق،
كان يظهر قبل أن تبحث عنه.
يرد بسرعة.
يسأل.
يهتم.
أما الآن…
فقد أصبح حضوره خافتًا،
وكأنه انسحب من المشهد دون أن يعلن ذلك.
رأته صدفة في الممر.
كان يسير بهدوء، ينظر أمامه، وكأن العالم لا يحمل شيئًا يستحق التوقف.
نظرت إليه…
وانتظرت.
انتظرت أن يلتفت.
أن يبتسم.
أن يقول "ليان".
لكن…
لم يحدث شيء.
مرّ بجانبها…
كما يمر أي شخص غريب.
توقفت مكانها.
التفتت خلفه، تراقب خطواته وهو يبتعد.
شعور غريب تسلل إلى داخلها…
لم يكن حزنًا،
ولم يكن غضبًا.
كان… فراغًا.
"غريبة…"
همست لنفسها.
في تلك الليلة،
فتحت المحادثة بينهما.
تأملت آخر رسالة أرسلتها:
"وينك؟ اختفيت فجأة"
ولم يأتِ بعدها شيء.
كتبت:
"أحمد"
توقفت.
مسحت الكلمة.
ثم كتبت من جديد:
"وينك هذه الأيام؟"
أرسلت الرسالة…
وظلت تنظر إلى الشاشة.
مرّت دقيقة…
دقيقتان…
خمس دقائق…
لا رد.
على الجانب الآخر،
كان أحمد يرى الرسالة.
قرأها.
لكن هذه المرة…
لم يشعر بنفس الاستعجال.
لم يبتسم.
لم يتوتر.
لم يفكر ماذا يكتب.
فقط… وضع الهاتف جانبًا.
لم يكن يتجاهلها بدافع الانتقام…
بل لأنه لم يعد يشعر بنفس الدافع للرد.
في اليوم التالي،
قررت أن تتحدث معه.
رأته جالسًا مع سامر، يتحدث بشكل عادي.
اقتربت.
"أحمد."
رفع نظره بهدوء:
"أهلين."
رد عادي…
بلا حرارة.
جلست أمامه دون استئذان.
"رسلت لك أمس."
"إيه، شفتها."
"طيب؟"
سكت لحظة، ثم قال:
"كنت مشغول."
نفس الجملة…
لكن هذه المرة، شعرت بها.
نظرت إليه بتركيز:
"أحمد… أنت متغير."
أخذ نفسًا خفيفًا، وقال:
"يمكن."
"في شيء؟"
"لا."
هذا الـ "لا"
لم تكن مثل كل مرة.
كانت مغلقة…
كأنها نهاية طريق.
سكتت، ولم تعرف ماذا تقول.
لأول مرة…
تشعر أن الحديث معه صعب.
هو نفسه…
لكن ليس كما كان.
"طيب… نشوفك."
قالتها وهي تقف.
"أكيد."
مشى كلٌ منهما في اتجاه…
لكن هذه المرة،
هي من التفتت خلفه.
لم يكن مجرد شخص ابتعد…
كان شعورًا كاملًا…
اختفى.
وفي داخلها،
بدأ سؤال يتكرر بصمت:
"ليش أحس إني فقدت شيء…
كنت متأكدة إنه موجود دائمًا؟"