الفصل الثاني
لم أتخذ قرار الابتعاد…
بل حدث ذلك بهدوء، وكأنه شيء طبيعي كان يجب أن يحدث منذ البداية.
في اليوم التالي، دخلت الجامعة كعادتي.
نفس المكان.
نفس الوجوه.
حتى هي… كانت هناك.
لكنني هذه المرة، لم أبحث عنها.
رأيتها من بعيد.
كانت تضحك مع صديقاتها، تتحرك بعفوية كأن العالم خفيف على كتفيها.
نظرت إليها لثوانٍ… فقط لأتأكد من شيء واحد:
أنها لم تتغير.
ثم صرفت نظري.
ببساطة… كما لو أنني أنظر إلى أي شخص عابر.
"هاه؟ وين تركيزك اليوم؟"
قالها سامر وهو يجلس بجانبي.
أجبته بهدوء:
"موجود."
نظر لي قليلًا، ثم قال:
"غريبة… ما سألت عنها."
فهم قصده دون أن يذكر اسمها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"مو لازم أسأل عن كل شيء."
رفع حاجبه باستغراب، لكنه لم يعلّق.
مرت المحاضرة ببطء، أو ربما أنا من كنت هادئًا أكثر من اللازم.
لم ألتفت.
لم أراقبها.
لم أبحث عن صوتها بين الأصوات.
كنت أجلس… وكأنني أستعيد نفسي قطعة قطعة.
عند خروجي من القاعة، سمعت صوتها:
"أحمد!"
توقفت.
للحظة فقط…
ثم التفت.
اقتربت مني بسرعة، وعلى وجهها نفس تلك الملامح التي كنت أضعف أمامها دائمًا.
"وينك أمس؟ اختفيت فجأة."
نظرت إليها بهدوء، وقلت:
"كان عندي شغل."
رد بسيط… بلا تفاصيل.
توقعت أن تسأل أكثر،
لكنها فقط قالت:
"طيب… ليش ما رديت على رسالتي؟"
نظرت إليها لثانية، ثم قلت:
"كنت مشغول."
لم أكذب…
لكنني لم أكن واضحًا.
سكتت قليلًا، وكأنها تشعر بشيء مختلف.
"أحمد… فيك شيء؟"
هذا السؤال…
الذي كنت أنتظره سابقًا بشوق،
مرّ الآن بشكل عادي جدًا.
أجبتها:
"لا، عادي."
نظرت إليّ أكثر، وكأنها تحاول أن تقرأني…
لكن هذه المرة، لم تجد نفس الشخص.
الشخص الذي كان يفتح قلبه بسهولة…
لم يعد موجودًا.
قالت بابتسامة خفيفة:
"طيب، لا تختفي كذا مرة ثانية."
أومأت فقط:
"إن شاء الله."
لم أعدِ بشيء…
ولم أشرح شيئًا.
مرّ خالد بجانبنا، ولوّح لها:
"ليان، نروح؟"
التفتت إليه فورًا:
"إيه، دقيقة."
ثم نظرت لي وقالت:
"نشوفك بعدين."
قلت بهدوء:
"أكيد."
راقبتهما وهما يبتعدان…
لكن هذه المرة،
لم أشعر بأي شيء.
لا غيرة.
لا حزن.
لا حتى فضول.
وكأن قلبي… قرر أخيرًا أن يصمت.
في السابق،
كنت سأبقى أفكر في هذا المشهد لساعات.
أما الآن…
فقد انتهى داخلي قبل أن ينتهي أمامي.
أخرجت هاتفي.
فتحت المحادثة بيني وبينها.
تأملت الرسائل قليلًا…
ثم ضغطت على "كتم الإشعارات".
لم أحذفها.
بعض الأشياء لا تُحذف…
لكنها لا تعود تعني شيئًا.
"شكلك تغيّرت."
قالها سامر وهو يراقبني.
ابتسمت ونظرت أمامي:
"يمكن…"
سكت قليلًا، ثم أضفت:
"أو يمكن أنا رجعت لنفسي."
لم يكن انسحابي ضعفًا…
ولا هروبًا.
كان اختيارًا هادئًا…
لأحافظ على ما تبقى مني.
ومن بعيد…
كانت تضحك.
لكن هذه المرة…
لم تكن تلك الضحكة تعنيني.
🔥