الفصل 28
مع بداية الليل، تفرّقوا كل واحد في اتجاه مختلف، كأنهم خيط واحد انقطع إلى أجزاء لكنه ما زال يحمل نفس الهدف.
إيميليا كانت أول من تحرك.
ارتدت ملابس أبسط من السابق، وربطت شعرها بطريقة تجعل ملامحها أقل وضوحاً. خطواتها كانت ثابتة هذه المرة، لا تردد فيها كما أول مرة دخلت القصر.
في ذهنها لم يكن هناك ضجيج، فقط صور متتابعة: الورقة، الحديث داخل القاعة، وكلمة “القوة المفرطة”.
تمتمت لنفسها وهي تسير
هذه المرة لن أبحث… بل سأفهم كل شيء
عند القصر، كانت الأضواء أقل من النهار، والحراس أكثر يقظة. لكن هذه المرة، لم تكن بحاجة للاندفاع.
كان هناك طريق جانبي أقل مراقبة، تعرفت عليه من زيارتها السابقة.
تحركت بين الظلال، ثم توقفت لحظة خلف جدار حجري.
تنفست ببطء.
ثم دخلت.
داخل القصر، الجو لم يتغير كثيراً، لكن إحساسها به كان مختلفاً تماماً. لم يعد مكاناً غريباً، بل مكاناً يجب أن يُقرأ.
خطواتها كانت محسوبة، تتجنب الضوء المباشر، وتختبئ كلما مر أحد.
حتى وصلت إلى نفس الممر.
الممر الذي التقت فيه به.
توقفت للحظة.
نظرت حولها.
لم يكن هناك أحد.
لكن الذكرى كانت حاضرة.
في الخارج، كان نير يراقب أحد المداخل من مسافة بعيدة، مختبئاً بين الظلال. عيناه ثابتتان على البوابة.
تمتم بهدوء
دخلت…
لم يكن بحاجة لرؤيتها كاملة ليعرف ذلك.
وفي الجهة الأخرى، كان كارلوس يتحرك بين الأزقة، يراقب أي تغيير في حركة الحراس أو النبلاء.
قال لنفسه بصوت منخفض
إذا بدأوا بالتحرك… سنكون أول من يعرف
أما أنوس، فكان في موقع أبعد قليلاً، يتظاهر بأنه لا علاقة له بأي شيء، لكنه كان يراقب كل ما حوله بطريقة غريبة رغم مزاحه الدائم.
تمتم وهو يأكل شيئاً ما
كل شيء معقد جداً بالنسبة لأيام الجوع هذه…
داخل القصر، تقدمت إيميليا أكثر.
هذه المرة لم تكن تبحث عن باب مفتوح، بل عن مصدر الحقيقة.
حتى وصلت إلى زاوية قرب القاعة التي سمعت فيها الاجتماع سابقاً.
توقفت.
أصوات خافتة من الداخل.
نفس النقاش تقريباً… لكن بنبرة أكثر حدة هذه المرة.
“يجب أن يتم التنفيذ قريباً…”
“لا مجال للتراجع…”
شدّت قبضتها قليلاً.
لكن فجأة…
سمعت خطوة خلفها.
تجمدت في مكانها.
هذه المرة لم تلتفت فوراً.
لأنها عرفت… أن القصة بدأت تقترب من نقطة لن يعود بعدها أي شيء كما كان.
توقفت إيميليا في مكانها دون أن تتحرك، وكأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُكسر بحركة واحدة.
الخطوة خلفها لم تتكرر فوراً… وهذا ما جعل التوتر أسوأ.
ببطء شديد، أمالت رأسها قليلاً، دون أن تلتفت بالكامل.
ثم جاء صوت هادئ من خلفها
أنتِ تعودين بسرعة غير حكيمة
تجمدت لحظة.
ثم التفتت.
كان سيزار.
واقفاً خلفها مباشرة، لكن ليس قريباً بشكل مهدد. ملامحه كانت هادئة كما في المرة السابقة، لكن هذه المرة لم يكن هناك دهشة في عينيه… فقط تأكيد.
إيميليا رفعت حاجبها بخفة، تحاول إخفاء التوتر
يبدو أنك تحب الظهور في اللحظات الخاطئة
نظر إليها مباشرة
أو ربما أنتِ من تختارين أماكن خاطئة
ساد صمت قصير.
من داخل القاعة، كانت الأصوات ما تزال مستمرة، لكن أقل وضوحاً هنا في الممر.
إيميليا لم تبعد نظرها عنه
لم أعد أبحث عن أماكن… بل عن إجابات
سيزار رد بهدوء
والإجابات هنا لا تُعطى بسهولة
خطوة صغيرة منه للأمام، ثم توقف
ولا تُؤخذ دون ثمن
رفعت إيميليا ذقنها قليلاً
أنت تتكلم وكأنك جزء من المشكلة
لم يرد فوراً.
لكن نظراته كانت واضحة أكثر من الكلمات.
ثم قال أخيراً
كل من هنا جزء من شيء أكبر مما يظن
في تلك اللحظة، من بعيد، صوت حركة في الممر الآخر جعل كليهما يلتفتان للحظة قصيرة.
ثم عادا للنظر لبعضهما.
لكن التوتر أصبح مختلفاً الآن… ليس فقط مواجهة، بل إدراك أن الوقت لا يسمح بالكثير.
قال سيزار بصوت أخف
إذا بقيتِ هنا أكثر، لن يهم ما الذي جئتِ من أجله
إيميليا ردت بسرعة
أنا لا أغادر بدون ما أحتاجه
صمت.
ثم فجأة، ارتفع صوت من القاعة: خطوة أقرب إلى الخارج.
سيزار نظر نحو الباب ثم عاد إليها بسرعة
الآن
لكن هذه المرة لم يكن أمره.
بل تحذير.
إيميليا ترددت جزءاً من الثانية فقط… ثم خطت خطوة للخلف نحو الظل.
لكن قبل أن تختفي، نظرت إليه نظرة قصيرة
هذا لا ينتهي هنا
لم يرد.
لكن عينيه تابعتها حتى اختفت بين الممرات.
وبقي سيزار وحده للحظة.
ثم أدار نظره نحو القاعة، وكأن شيئاً في هذا الليل بدأ يتحرك في أكثر من اتجاه… دون أن يراه أحد بالكامل.