الفصل 17
انخفضت إيميليا قليلاً على السرير، لكنها لم تغمض عينيها هذه المرة. كانت تنظر إلى السقف ثم تعود بنظرها نحوه بين لحظة وأخرى، وكأنها تحاول التأكد أنه ليس حلماً آخر من أحلام السكر والفوضى.
سيزار بقي في مكانه دون حركة، هادئاً كعادته، لكن عينيه لم تبتعدا عنها.
بعد صمت قصير، جلست إيميليا مجدداً، وأسندت ذراعها على ركبتها. ثم قالت بنبرة أخف مما كانت عليه قبل قليل
أنت لا تبدو مثل أولئك الذين في الشارع
لم يرد فوراً. نظر إليها فقط، وكأنه ينتظر أن تكمل.
أضافت وهي تميل رأسها قليلاً
لم تكن خائفاً… ولم تهرب
قال بهدوء بعد لحظة
ولماذا أهرب
ابتسمت ابتسامة صغيرة وكأن السؤال أعجبها
لأنهم كانوا كثيرين
سكت قليلاً، ثم قالت وكأنها تكتشف الأمر بصوتها
أو لأنك واثق جداً بنفسك
رفع نظره إليها قليلاً دون أن يغير تعبيره
الثقة ليست سبباً للهروب
ضحكت بخفة، ضحكة قصيرة متعبة، ثم أسندت ظهرها من جديد إلى الجدار خلف السرير
إذن أنت غريب
لم يعترض، بل قال فقط
وأنتِ أكثر غرابة
سكتت للحظة، ثم نظرت إليه ببطء، وكأنها تفكر في الأمر فعلاً هذه المرة. لم تكن معتادة أن يرد أحد بهذه البساطة دون أن يحاول إهانتها أو السيطرة عليها.
قالت بعد صمت قصير
لماذا جئت بي إلى هنا؟.
السؤال جاء هذه المرة مختلفاً، أقل مزاحاً وأكثر جدية.
سيزار لم يجب فوراً. التفت قليلاً نحو النافذة الصغيرة، ثم عاد بنظره إليها.
لأنك كنتِ ستقعين على الأرض هناك
رمشت بعينيها، وكأن الإجابة أبسط مما توقعت
وهذا سبب كاف؟
أجاب بهدوء
كان كافياً في تلك اللحظة
ساد صمت جديد، لكن هذه المرة لم يكن مزعجاً. كان هناك شيء خفيف في الهواء، شيء لم يكن أي منهما يفهمه بعد.
إيميليا سحبت ركبتيها نحوها، وأسندت ذقنها عليها، ثم قالت بصوت أهدأ
أنت لا تبدو من هذا المكان أيضاً
توقف سيزار للحظة، ثم قال
ولا أنا كذلك
نظرت إليه طويلاً هذه المرة، بدون ضحك، بدون فوضى. فقط نظرة هادئة كأنها ترى شيئاً لأول مرة بوضوح.
ثم قالت بصوت منخفض
ربما لهذا أنقذتني
لم يجب هذه المرة. فقط بقي واقفاً، ينظر إليها، وكأن الجملة الأخيرة لم تمر مروراً عادياً داخله.
وبين صمتهما، بدا المخبأ أكثر هدوءاً، لكن شيئاً جديداً بدأ يتشكل داخله دون أن يُقال بصوت عالٍ.
بقي الصمت في الغرفة ثقيلاً للحظات، لكن هذه المرة لم يكن صمتاً بارداً كما في البداية، بل صمتاً مليئاً بتفكير غير معلن.
إيميليا كانت ما تزال جالسة على السرير، لكنها لم تعد تنظر حولها بارتباك كما قبل. عيناها استقرتا عليه بشكل أطول، وكأنها بدأت تعتاد وجوده.
سيزار ابتعد خطوة نحو الطاولة الخشبية، ثم أدار ظهره قليلاً، كأنه يحاول أن يضع مسافة بينهما دون أن يغادر الغرفة.
قالت إيميليا فجأة، بنبرة خفيفة فيها أثر تعب
هل هذا مكانك دائماً عندما تختفي
توقف سيزار للحظة، ثم أجاب
ليس دائماً
ابتسمت بخفة، ثم قالت
إذن أنت تهرب أيضاً
لم يلتفت فوراً. بقي صامتاً لثوانٍ، ثم قال بهدوء
أحياناً لا يكون الأمر هروباً
أمالت رأسها قليلاً
وماذا يكون إذن
التفت نحوها أخيراً، نظرة ثابتة لا تحمل انفعالاً
إعادة ترتيب الأشياء
سكتت لحظة، ثم ضحكت بخفة وكأنها وجدت الجواب غريباً
هذا يبدو كشيء يقوله شخص مهم جداً
لم يرد على المزاح هذه المرة، فقط بقي ينظر إليها.
إيميليا خفضت نظرتها قليلاً، ثم مررت يدها على معصمها وكأنها تتذكر شيئاً. للحظة قصيرة، لم تعد هناك ابتسامة على وجهها.
قالت بصوت أخف
لا أحب الأماكن المغلقة كثيراً
سألها بهدوء
لماذا
ترددت لحظة، ثم أجابت
لأنها تجعلني أتذكر أشياء لا أحب تذكرها
ساد صمت جديد.
سيزار لم يسأل أكثر، لم يضغط، فقط ظل واقفاً كما هو. وكأن فهمه للصمت كان أكبر من حاجته للكلام.
ثم قال بعد لحظة
لن تبقي هنا طويلاً
رفعت نظرها إليه بسرعة
ومتى سأغادر
أجاب بهدوء
عندما يصبح الخروج آمناً
سكتت، ثم قالت بنبرة نصف ساخرة ونصف جدية
وأنت تقرر ما هو الآمن؟
لم يرد مباشرة، ثم قال
في هذه اللحظة… نعم
نظرت إليه طويلاً، وكأنها تحاول أن تقرأه. لم يكن متسلطاً كما توقعت، ولا ضعيفاً أيضاً. كان شيئاً وسطاً، صعب التفسير.
ثم أسندت ظهرها إلى السرير من جديد، وغمغمت
هذا مزعج قليلاً
لم يعلق.
لكن في تلك اللحظة، لم يعد الصمت بينهما فارغاً، بل أصبح مليئاً بشيء جديد، شيء لم يكتمل بعد لكنه بدأ يتشكل ببطء داخل المخبأ الصغير البعيد عن العالم.