الفصل 16
كان الليل قد أصبح أهدأ، لكن آثار الفوضى ما زالت معلقة في الهواء خلفهما.
سيزار كان يسير في الأزقة الضيقة بخطوات ثابتة، يحمل إيميليا بين ذراعيه دون أي تردد. لم يكن يتجه نحو القصر، ولا نحو الشوارع الرئيسية، بل نحو مكان مخفي يعرفه جيداً كأنه جزء من ذاكرته وحده. كلما ابتعد، قلّ الضجيج، وزاد الصمت ثقلاً.
توقف أمام جدار حجري قديم بين مبنيين مرتفعين. من الخارج يبدو المكان كأنه مجرد جزء عادي من المدينة، لكن هناك باب خشبي صغير لا يلاحظه إلا من يعرفه. اقترب ودفعه بخفة، فانفتح بصوت خافت، ثم دخل.
كان الداخل بسيطاً جداً، غرفة صغيرة، طاولة خشبية قديمة، سرير في الزاوية، وشمعة مضاءة تترك ضوءاً دافئاً خافتاً يملأ المكان. مكان هادئ بعيد عن العالم.
تقدم سيزار ووضع إيميليا على السرير بحذر، ثم تأكد أنها مستلقية بشكل مريح قبل أن يبتعد خطوة. كانت ما تزال غارقة في النوم، ملامحها هادئة بشكل لا يشبه الفوضى التي كانت فيها قبل ساعات.
وقف لحظة ينظر إليها بصمت، ثم قال بصوت منخفض
كان يجب أن تبقي بعيدة عن ذلك المكان
أدار نظره نحو الباب ثم نحو النافذة الصغيرة. الخارج كان بعيداً جداً الآن، بلا أصوات، بلا ضجيج، فقط عزلة ثقيلة. ثم عاد ينظر إليها مرة أخرى.
لم تتحرك، فقط تنفسها الهادئ كان يملأ الغرفة.
بقي سيزار واقفاً لحظة أطول من اللازم، كأنه لا يعرف إن كان يجب أن يبقى أو يغادر، ثم ساد الصمت الكامل داخل المخبأ.
بقي الصمت يملأ المخبأ لثوانٍ طويلة، كأنه جزء من الجدران الحجرية الباردة.
سيزار لم يتحرك من مكانه، وعيناه ما زالتا مثبتتين عليها، وكأنه يحاول أن يفهم كيف انتهى بهما الأمر هنا.
اقترب خطوة واحدة فقط من السرير، ثم توقف مجدداً. لم يكن من عادته أن يتردد، لكن وجودها هنا كان مختلفاً عن أي شيء واجهه من قبل.
في تلك اللحظة، تحركت إيميليا قليلاً.
ارتعش جفنها، ثم فتحت عينيها ببطء. كان الضوء الخافت للشمعة أول ما رأته، ثم السقف الخشبي، ثم الجدران الغريبة التي لا تعرفها.
رفعت نفسها فجأة نصف جلسة، ويدها على رأسها، تحاول أن تستوعب أين هي.
نظرت حولها بسرعة، ثم توقفت عيناها عليه.
سيزار كان ما يزال واقفاً، هادئاً، دون أي رد فعل متسرع.
سكتت لحظة طويلة، ثم خرج صوتها متعباً ومربكاً
أين أنا
لم يجب فوراً. فقط ظل يراقبها بهدوء، ثم قال بصوت منخفض
مكان آمن
نظرت إليه بشك خفيف، وكأن الكلمة وحدها لا تكفي لتفسير ما تراه
آمن بالنسبة لمن
صمت للحظة قصيرة، ثم أجاب
بالنسبة لك الآن
تغيرت ملامحها قليلاً، بين عدم الفهم والارتباك، ثم مسحت وجهها بيدها وكأنها تحاول استرجاع ذاكرتها. صور الشارع، الضحك، الأزقة، ثم السقوط، كلها عادت بشكل متقطع ومشوش.
قالت بصوت أخف
أنا كنت في الشارع
أجاب بهدوء
وما زلت هناك لو لم آخذك
سكتت، ثم نظرت إليه جيداً هذه المرة، كأنها تحاول تثبيت صورته في ذاكرتها.
هو لم يبدُ غاضباً، ولا خائفاً، فقط هادئاً بشكل مزعج.
قالت بعد لحظة
لماذا؟
لم يفهم سؤالها فوراً، أو ربما لم يرغب في إجابته بسرعة.
ثم قال
لأنك كنت ستبقين هناك وتسببين مشكلة أكبر
رفعت حاجبها بخفة، وكأنها لم تعجبها الإجابة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة
يبدو أنني بارعة في المشاكل إذن
لم يرد، لكن نظرته تغيرت قليلاً، كأنه لا يعرف إن كان يجب أن يوافق أو يعترض.
ساد صمت قصير بينهما، هذه المرة لم يكن ثقيلاً تماماً، بل مليئاً بشيء غير واضح بعد.
إيميليا أرجعت ظهرها قليلاً إلى السرير، ما زالت تحاول فهم ما حدث، بينما سيزار بقي واقفاً في مكانه، وكأن هذا اللقاء الأول الحقيقي بين عالمين مختلفين بدأ الآن فقط.