الاستسلام 🖤🦢
بعد أن ألقت نوران بالاختبار في سلة المهملات وواجهت أحمد بكلماتها القاسية، رأت في عينيه تحولاً مخيفاً؛ لم يكن غضباً عابراً، بل كان جنوناً نرجسياً ينذر بجريمة وشيكة. قبضته على ذراعها كانت ستحطم عظمها، ونظراته كانت تمزق روحها أمام المارة.
سحبت لمار نوران بسرعة من بين يديه، وأعادتها إلى داخل أسوار الجامعة بعيداً عن أنظاره، بينما ظل أحمد واقفاً عند سيارته كالوحش الكاسر، ينظر إليهما بصمت مرعب.
ارتمت نوران على مقعد خشبي قديم، وانفجرت في بكاء مرير وهستيري، بكاء يخرج من أعماق قلبٍ ذبحه الظلم. كانت تشهق كأن روحها تنتزع منها، ولمار تمسك بكتفيها وتحاول تهدئتها وهي تبكي أيضاً.
لمار ( بشهقات متقطعة): "نوران.. أرجوكِ، اهدئي! لقد اتفقنا أن نخبره لكي يصلح الأمر، لماذا فعلتِ ذلك؟ لماذا تحديتِه بقرار الإجهاض؟ أحمد سيفقد عقله، لقد رأيتِ نظرة عينيه.. سيقتلكِ يا نوران!"
نوران (تتحدث بمرارة وسط بكائها): "لا أستطيع يا لمار.. لا أستطيع أن أعطيه هذا الانتصار. كيف أخبره وكأنه خبر سعيد؟ كيف أمنحه ابناً يكون نسخة منه؟ هو لا يريد طفلاً، هو يريد قيداً يربطني بساحته للأبد!"
لمار (تمسح دموع نوران): "لكننا اتفقنا! قلتِ لي أنكِ ستوافقين على الزواج لتنتهي هذه القصة. الصدام معه الآن سينهي حياتكِ وحياة الجنين، وربما يفضح كل شيء أمام العائلة. نوران.. ليس لديكِ خيار آخر."
توقفت نوران عن البكاء فجأة، وساد سكون غريب على وجهها، سكون يشبه هدوء المقابر. نظرت إلى لمار بعينين محطمتين تماماً، وأدركت أن تحديها لأحمد في هذه اللحظة هو انتحار بطيء سيفجر حياتها وحياة عائلتها.
نوران (بصوت ميت، فارغ من أي حياة): "معكِ حق يا لمار.. أنا ضعيفة، وهو يملك كل الخيوط.
لمار (بأمل زائف): "إذن.. هل ستوافقين؟ هل نخرج إليه ونخبره أنكِ كنتِ غاضبة فقط؟"
نوران (تقف ببطء وهي تمسح وجهها وشعرها المبعثر): "سأوافق.. أخبريه أنني موافقة على الزواج في أقرب وقت. أخبريه أنني سأحتفظ بالجنين بشرط أن يبتعد عني الآن ويتركني أعود للمنزل. لا أستطيع ركوب السيارة معه، لا أطيق حتى رائحة عطره."
لمار: "سأفعل.. سأذهب وأهدئه، وأقول له إنكِ كنتِ في حالة صدمة نفسية."
خرجت لمار إلى أحمد الذي كان ما يزال واقفاً كالصخرة، وأخبرته بموافقة نوران "النهائية" على الزواج وسكونها. نظر أحمد باتجاه بوابة الجامعة، فرأى نوران واقفة من بعيد، تراقب المشهد بجمود.
ابتسم أحمد ابتسامة نصر خبيثة؛ فقد علم أن "ثورة" نوران قد خمدت، وأنها عادت إلى القفص برضاها. أخرج هاتفه وأرسل لها رسالة وهو ينظر إليها:
"القرار الصحيح يا حبيبتي ".
في بيت عائلة نوران، كانت الزغاريد والتحضيرات تجري على قدم و ساق كأنها طقوس احتفالية، لكنها في نظر نوران كانت "جنازة" تُعدّ بعناية. جلس أحمد مع الأعمام والأخوال، وعلى وجهه قناع "العريس الوفي"، واتفق الجميع على أن يكون يوم 30 أفريل (آخر الشهر) هو موعد عقد القران والزفاف. عشرة أيام فقط تفصل نوران عن السجن المؤبد.
الجهة الأخرى، لم يكن رامي غافلاً. ومن خلال تحقيقاته الخاصة وتفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بمنزله، لم يجد أحمد في الصورة، بل وجد سائق أحمد الخاص. تذكر رامي أن هذا السائق لا يتحرك إلا بأمر من سيده. في تلك اللحظة، رُبطت الخيوط في ذهنه؛ أحمد هو المحرك، والسائق هو الأداة.
بمجرد أن علم رامي أن أحمد هو ابن خال نوران وأنهما بصدد الزواج، جن جنونه. اتصل بنوران وطلب مقابلتها في مكان معزول عن أعين المتطفلين.
وصلت نوران للمكان، كان وجهها يعكس شحوباً يختصر كل آلامها. نظر إليها رامي بنظرة ممزوجة بالشفقة والغضب.
رامي (بصوت حاد): "نوران، السائق الذي يعمل عند أحمد هو من أحرق منزلي! أحمد هو من أرسله ليخرجني من الطريق ويخلو له الجو معكِ. أخبريني، لماذا توافقين على الزواج من مجرم مثل هذا؟"
نظرت إليه نوران بعينين يملؤهما اليأس، وانهارت قواها لتجلس على مقعد حجري، وبدأت تسرد له الكابوس الذي تعيشه.
نوران (بين شهقاتها): "أحمد.... هو وحش. لقد استغل قرابتي، وانتهك جسدي وحياتي.. هو من أجبرني على رفضك، وهو من يبتزني الآن."
رامي (بذهول): "لماذا تمنحينه هذا النصر؟ سنذهب للشرطة، سنفضحه!"
نوران (تضع يدها على بطنها بمرارة): "لقد فات الأوان يا رامي.. أنا حامل منه. لقد زرع قيده داخلي في تلك الليلة الملعونة . زواجي منه بعد عشرة أيام، في الثلاثين من أفريل، ليس رغبة مني، بل لأنني أصبحتُ أسيرة لهذا الجنين ولجنونه النرجسي."
ساد صمت جنائزي. شعر رامي وكأن الأرض تميد به. الرجل الذي كان يظنه أخاً، لم يحرق بيته فقط، بل أحرق حياة الإنسانة التي أحبها، وحولها إلى رهينة.
رامي (بعينين تشتعلان بنار الانتقام): "عشرة أيام.. يظن أحمد أنه فاز بالرهان، ويظن أن حريق منزلي سيلهيني عنه. لكنه أخطأ يا نوران. لن تظلي رهينة له، ولن يحصل على هذا الزفاف حتى لو كان ذلك آخر شيء أفعله في حياتي."
نوران (بذعر): "ماذا ستفعل يا رامي؟ هو خطر، قد يقتلك!"
رامي (يمسح دموعها بقسوة ويقف بشموخ): "دعيه يرى وجه 'الصديق' حين يتحول إلى خصم. اذهبي الآن ومثّلي دور العروس الخاضعة، واتركي لي أمر الثلاثين من أفريل،
السائق الذي استخدمه سيكون هو الخيط الذي سيشنقه. أمامنا عشرة أيام.. ولن ينتهي هذا الشهر إلا وأحمد خلف القضبان، لا في قاعة الزفاف."
غادر رامي والمكان يشتعل بوعود الانتقام، بينما عادت نوران لبيتها، تراقب الأيام وهي تتساقط نحو الثلاثين من أفريل، متأرجحة بين يأسها المطلق وأمل ضعيف وضعه رامي في قلبها.