الضلال القرمزية - الفصل 15 - بقلم Aya | روايتك

اسم الرواية: الضلال القرمزية
المؤلف / الكاتب: Aya
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 15

الفصل 15

بعد ساعات من الاحتفال… بدأت الأزقة الضيقة في المدينة تخفّ تدريجياً من الضجيج. الأصوات العالية تلاشت، والناس عادوا إلى بيوتهم واحداً تلو الآخر، تاركين خلفهم بقايا ضحك، زجاج مكسور، ورائحة شراب ممزوجة بفرحٍ متعب. في وسط هذا الهدوء الجديد… كانت إيميليا ما تزال تسير بين الأزقة. خطواتها غير ثابتة، وابتسامتها خفيفة، وكأنها لم تعد تهتم بالاتجاه الذي تسير نحوه. كانت تغني بصوت منخفض، مقطعاً غير واضح، وتميل أحياناً وهي تضحك وحدها على شيء لا يفهمه أحد. مرت بجانب زاوية شارع مظلمة… ثم توقفت للحظة. هناك… رأت نفس الشخص الذي لفت انتباهها قبل قليل. شاب يقف بهدوء غير طبيعي وسط مجموعة من الرجال. تمتمت وهي تشير إليه بإصبعها: "هذا الولد… رأيته قبل قليل…" ثم ضحكت بخفة، وكأنها لا تعطي للأمر أهمية كبيرة. لكن قبل أن تقترب أكثر… تغير الجو فجأة. مجموعة من الرجال كانوا يحيطون به. ملابسهم غير مرتبة، ضحكاتهم عالية، وعيونهم مليئة بالسكر والغرور. قال أحدهم بسخرية: "يبدو أننا لم نخطئ… نبيل متنكر بيننا!" ضحك الآخر وأضاف وهو يقترب: "أرنا ما لديك… هل ستدافع عن نفسك؟" أحدهم أخرج سكيناً صغيراً، ورفعه بلا تردد: "هيا… أظهر لنا ما تخفيه أيها النبيل." لكن الشاب لم يتحرك. كان واقفاً بثبات. لا خوف. لا ارتباك. مجرد هدوء غريب، كأنه لا يرى فيهم تهديداً حقيقياً. في ذهنه: “إنهم ليسوا خطراً… مجرد ضجيج.” لكن قبل أن يتخذ أي خطوة… اندفعت إيميليا فجأة إلى المشهد. بشكل غير منتظم، وكأنها لا تفكر في المسافة ولا في العواقب. وقفت مباشرة أمامه. ثم رفعت رأسها نحو الرجال وقالت بصوت مرتفع ممزوج بالضحك: "ماذا تفعلون هنا؟ هل هذا عرض؟ لأنني لم أدفع للدخول!" ساد صمت قصير… ثم انفجر الرجال بالضحك. الشاب نظر إليها. وصدمته لم تكن من كلامها… بل من حضورها نفسه. فكر في نفسه: “هذه الفتاة… رأيتها تشرب قبل قليل كأنها… غولة.” ثم تنهد بهدوء: "أفف… ماذا يحدث الآن؟" إيميليا التفتت إليه وقالت وهي تترنح قليلاً: "أنت… لماذا تقف هكذا؟ يبدو أنك نسيتي كيف تُخاف!" الرجال بدأوا يقتربون أكثر، أحدهم قال: "ابتعدي يا فتاة، هذه ليست مشكلتك." لكنها لم تتحرك. بل رفعت يدها بتحدٍ غير متزن وقالت: "مشكلتي؟ كل شيء هنا يبدو مشكلة… وأنا أكره المشاكل، لذلك سأُنهيها بسرعة." ضحك أحدهم وقال: "ستنهينها؟ أنظري لنفسك أولاً!" ثم حاول الاقتراب منها. في لحظة واحدة… تحركت إيميليا. لم يكن تحركاً منظماً، ولا مدروساً… لكنّه كان سريعاً بشكل غير متوقع. ضربة أولى. ثم ثانية. ثم ارتباك كامل داخل المجموعة. سقط اثنان أرضاً دون وعي واضح، والآخران تراجعا بصدمة. ساد صمت ثقيل. الشاب حدّق فيها. ثم قال بصوت منخفض: "كيف…؟" أما هي… فكانت واقفة في مكانها، تتنفس ببطء، ثم ضحكت فجأة وكأن شيئاً لم يحدث: "هاها… كنت فقط أريد أن أنهي النقاش." ثم التفتت إليه، وتأرجحت قليلاً. وضعت يدها على كتفه وقالت وهي تبتسم بسذاجة: "لقد أنقذتك، أيها النبيل… أليس كذلك؟" ثم قال بهدوء: "كيف عرفتِ…؟" لكنها لم تجب. وكانت كلماتها الأخيرة قبل أن يغلبها النوم: "لا تقلق… أنا دائماً… أنقذ الناس… هاها…" ثم سكتت تماماً. ثم فقدت توازنها... في اللحظة التي فقدت فيها توازنها تماماً، اندفعت إيميليا إلى الأمام، جسدها يرتخي فجأة كأن كل الطاقة التي كانت فيها قد تبخرت دفعة واحدة. كان سيزار أقرب شخص إليها. رفع يديه بسرعة وأمسكها قبل أن تسقط على الأرض. ساد صمت قصير جداً. ثقل اللحظة لم يكن في جسدها… بل في الغرابة التي حدثت. كانت بين ذراعيه، رأسها مائل إلى الجانب، تنفسها بطيء وغير منتظم، ملامحها ما تزال تحمل شيئاً من ذلك الضحك الذي لم يكتمل. نظر إليها سيزار بصمت طويل. لم يكن يتوقع أن ينتهي الموقف بهذه الطريقة. خفض نظره قليلاً، ثم قال بصوت منخفض وكأنه يخاطب نفسه: "كيف يمكن لشخص أن يضحك ثم ينهار في لحظة…" حاول أن يثبتها أكثر بين ذراعيه حتى لا تنزلق. لكنها كانت بالفعل غارقة في النوم، بلا وعي، بلا مقاومة، كأن العالم كله توقف عندها فجأة. رفع رأسه قليلاً، ونظر إلى الأزقة حوله. كانت فارغة تقريباً الآن. الرجال الذين كانوا قبل لحظات يهددونه اختفوا في الظلام دون صوت، كأنهم لم يكونوا هنا أصلاً. الهدوء عاد، لكن بطريقة مختلفة… هدوء ثقيل، غير طبيعي. خفض نظره إليها مرة أخرى. ثم قال بهدوء: "لا يمكن أن تكوني عادية…" صمت لحظة. ثم أضاف وكأنه يقرر شيئاً داخلياً: "ولا يمكن تركك هنا أيضاً." أمسكها بشكل أفضل بين ذراعيه، وبدأ يخطو ببطء في اتجاه أحد الأزقة الجانبية، مبتعداً عن مكان الفوضى السابقة. كانت المدينة خلفه تغرق في سكونها، وهو يحمل بين يديه فتاة لا يعرف هل أنقذته… أم أدخلته في شيء أكبر بكثير مما يتصور.