الفصل 3
لم تمضِ لحظة على بداية الاضطراب حتى فقدت الشوارع هدوءها تماماً.
كأن شيئاً انكسر في قلب المدينة، وانسكب منه كل ما كان مكبوتاً لسنوات طويلة.
الأصوات لم تعد متفرقة… بل أصبحت موجة واحدة.
كانت إيميليا تتحرك وسط الحشد دون تردد،
عينها تراقب الاتجاهات، خطواتها ثابتة رغم الفوضى التي تتصاعد من حولها.
إلى جانبها، كان نير يشق طريقه بصمت، يفتح المجال أمامهم بنظرات حادة فقط.
أما كارلوس فكان يقرأ حركة الناس كأنه يقرأ ساحة معركة.
وأنوس يتحرك بخفة، يتفادى الازدحام ويحدد المسارات الممكنة.
لم يكن أحد منهم يركض بلا هدف.
كل خطوة كانت محسوبة.
فجأة…
اندفع الحشد بقوة نحو أحد الشوارع الضيقة المؤدية إلى البوابة الرئيسية.
كان الضغط هائلاً، والأجساد تتدافع بلا رحمة.
في الخلف، سقط رجل أرضاً.
لم يتوقف أحد.
الأقدام كانت أقوى من الرحمة في تلك اللحظة.
توقف أنوس للحظة، ثم انحنى بسرعة، وسحب الرجل من تحت التدافع بعنف، وأدخله إلى جانب الجدار الضيق.
قال بصوت منخفض:
“لو بقينا هنا أكثر، سنُسحق.”
لكن إيميليا لم تجب.
كانت عيناها مثبتتين على الأمام.
بدأت أصوات الحديد تعلو.
اصطدامات قوية تتكرر…
البوابة الأمامية بدأت تهتز.
كارلوس تمتم:
“هم يصلون…”
وفي تلك اللحظة…
ارتفع الصراخ إلى ذروته.
الحشد كله اندفع دفعة واحدة.
لم يعد هناك تنظيم… فقط قوة بشرية واحدة تتحرك كالسيل.
من بعيد، ظهرت بوابة ضخمة من الحديد.
تتلقى الضربات…
تهتز…
ثم تصمد للحظة…
ثم مرة أخرى.
تراجع الحراس.
ثم…
بدأ الانكسار.
في لحظة صمت قصيرة بين الضجيج…
وقفت إيميليا بثبات.
لم تكن تبتسم.
ولم تكن خائفة.
فقط قالت بصوت منخفض:
“الطريق فُتح.”
نير نظر إليها للحظة، ثم قال بهدوء:
“والبداية انتهت.”
لكن قبل أن يتحركوا…
كانت المدينة كلها قد دخلت في مرحلة لا عودة فيها.