سجين في بيتي - أسياد جدد - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: أسياد جدد

أسياد جدد

لم أعد ربّ هذا البيت، بل أحد ساكنيه، أو ربما ضيفًا طالت إقامته أكثر مما يجب. لم يحدث الأمر فجأة، لم يكن هناك يومٌ محدد يمكن أن أقول فيه إنني فقدتُ مكاني، أو أن سلطتي سُحبت مني كما تُسحب الأشياء الواضحة، بل كان الأمر أشبه بتآكلٍ بطيء، يبدأ من الأطراف دون أن يُلفت الانتباه، ثم يتقدّم نحو القلب حتى يصبح الفراغ هو الشيء الوحيد المؤكد. كنتُ في هذا البيت يومًا ما صوتًا يُسمع قبل أن يُرفع، وقرارًا يُؤخذ بعين الاعتبار قبل أن يُناقش، ووجودًا لا يحتاج إلى إثبات، لكن السنوات، تلك التي تمرّ دون أن نستأذنها، بدأت تُعيد ترتيب كل شيء من حولي، لا بعنفٍ يُقاوم، بل بهدوءٍ يُخضع، حتى وجدتُ نفسي أقف في نفس المكان، لكن دون أن أكون فيه فعلاً. كبر الأبناء، ولم يكبروا فقط في أعمارهم، بل كبروا في حضورهم، في نبراتهم، في طريقتهم في النظر إلى الأشياء، وكأنهم لم يعودوا يرون البيت كما رأيناه نحن، بل كمساحةٍ قابلة لإعادة التشكيل، لا تُحكمها الذاكرة بقدر ما تُحكمها رغباتهم الجديدة. لم يقولوا إنني لم أعد مهمًا، لم يعلن أحد ذلك بصراحة، لكنهم تصرفوا كما لو أن الأمر بديهي، كما لو أن الزمن نفسه قالها بدلًا عنهم، فصار وجودي يُختصر في زوايا صغيرة: كرسيّ ثابت، وقت محدد للكلام، وحدود غير مرئية لا ينبغي لي أن أتجاوزها. أصبحتُ أسكن غرفةً بدل دار، غرفةٌ لا تحمل من البيت إلا اسمه، ولا تمنحني من الانتماء إلا ما يكفي لأبقى فيها دون أن أُسأل إلى أين أذهب. تقلّصت المسافات من حولي حتى صارت خطواتي معدودة، وأيامي محصورة بين جدرانٍ تحفظ أنفاسي أكثر مما تحتملها. لم أعد أذهب إلى الطعام، بل يُصاغ إليّ، كما تُصاغ الأشياء لمن لم يعد قادرًا على الاختيار، يوضع أمامي بهدوءٍ زائد، بعنايةٍ تُخفي شيئًا من الشفقة، وكأنهم يحاولون أن يجعلوا من هذا العجز أمرًا طبيعيًا، لا يستحق الوقوف عنده، بينما أنا أراه يكبر فيّ كل يوم، يلتهم ما تبقّى من استقلالي دون أن يترك أثرًا يمكنني التمسك به. صرتُ اسمًا يُذكر باحترامٍ واجب، لا بحضورٍ يُفرض، تُقال لي الكلمات بصيغةٍ مدروسة، خالية من القسوة الظاهرة، لكنها أيضًا خالية من تلك الحرارة التي كانت تُشعرني يومًا أنني مركز هذا المكان. لم يقل أحد إنني أصبحتُ زائدًا عن الحاجة، لكن كل شيء من حولي كان يقولها بطريقته الخاصة، في النظرات التي لا تطول، في الأحاديث التي تُدار دوني، في القرارات التي تُتخذ وكأن وجودي تفصيلة لا تؤثر. المرض لم يدخل حياتي كحادثٍ عابر، بل كقوةٍ صامتة أعادت ترتيب كل شيء داخلي وخارجي، لم يكتفِ بإضعاف الجسد، بل امتدّ إلى ما هو أبعد، إلى تلك المساحة التي كنت أختبئ فيها من العالم، حيث كرامتي، حيث صورتي عن نفسي. انتزعها ببطء، دون أن يتركني أحتج، حتى وجدتُ نفسي أعيش في جسدٍ لم أعد أملكه تمامًا، وفي حياةٍ تُدار من حولي أكثر مما أعيشها. أصبحتُ أُعامل كشيءٍ يحتاج إلى عناية، يُراقب، يُسأل عنه، يُخشى عليه… لكن لا يُؤخذ منه. كأنني تحولت من شخصٍ يُعتمد عليه، إلى عبءٍ يُدار بحذر، يُحاط بالاهتمام الذي لا يحمل في داخله اعترافًا، بل نوعًا من التكيّف مع واقعٍ لا يريد أحد تسميته. رأيتُ زوجتي في مكانها المعتاد، لم تُسحب منها هيبتها كما حدث معي، ولم يُنتزع منها ذلك الكبرياء الذي كانت تُحيط به نفسها كدرعٍ لا يُخترق، لكن شيئًا آخر تغيّر؛ صوتها الذي كان يملأ البيت لم يعد يحمل نفس الصدى، وأحكامها الصريحة التي كانت تُنهي كل نقاش لم تعد تُقال بنفس الحدة، بل استُبدلت بطلباتٍ تُنفّذ أكثر مما تُناقش، وكأن سلطتها لم تُسلب، بل أُعيد تشكيلها بطريقةٍ لا تسمح لها بالانكسار الكامل ولا بالبقاء كما كانت. بقيت في زاويتها، كما بقيت أنا، لكن الفرق بيننا كان دقيقًا ومؤلمًا في آنٍ واحد؛ أنا ابتعدتُ عن المركز حتى تلاشى حضوري فيه، أما هي فبقيت قريبة من العرش، لا تجلس عليه كما في السابق، لكنها أيضًا لم تُزَح عنه تمامًا، تُصاغ إليها الأخبار لا طلبًا لرأيها كما كان يحدث، بل كنوعٍ من الإبلاغ الذي يُشبه المجاملة، حضورٌ يُحترم شكليًا، ويُتجاوز فعليًا. كانت تنصت أكثر مما تتكلم، تراقب أكثر مما تتدخل، وكأنها أدركت، دون أن تعترف، أن المعركة التي كانت تخوضها طوال حياتها لم تعد تخصّها بالكامل، وأن السلطة التي دافعت عنها لم تختفِ، بل انتقلت… بهدوء، دون إعلان، إلى أيدٍ أخرى. أما الشيخوخة، فلم تكن مجرد مرحلة نمرّ بها، بل كانت كائنًا خفيًا يتربّص بنا، يقترب دون أن نراه، يترك آثاره في تفاصيل يومنا دون أن يُعلن حضوره، حتى أصبحت الأيام، التي كانت تمرّ يومًا كأمرٍ عادي، تبدو الآن محمّلة بثقلٍ غريب، روتينها لم يعد مألوفًا بقدر ما أصبح مُقلقًا، وكأننا لم نعد نخشى بطئها كما في الماضي، بل صرنا نخاف سرعتها، لأنها تمضي بنا نحو شيءٍ نعرفه جيدًا… لكننا لا نملك الشجاعة لنُسميه. لم نكن نسمّي ذلك الخوف، كأن مجرد الاعتراف به سيمنحه شكلًا نهائيًا لا يمكن التراجع عنه، فتركناه معلقًا بيننا، يسير معنا في الأيام دون أن نلتفت إليه، يختبئ في تفاصيلنا الصغيرة، في صمتنا الطويل، في نظراتٍ نتجنب إكمالها، وفي أحاديثٍ تنتهي قبل أن تصل إلى معناها الحقيقي. صرنا نعيش وكأن الوقت لم يعد ملكنا، وكأن كل يومٍ يمرّ ليس امتدادًا للحياة، بل اقترابًا محسوبًا من نهايتها، ومع ذلك، استمر كل شيء كما هو، نفس الجدران، نفس الوجوه، نفس الروتين الذي نحتمي به من مواجهة ما نعرفه في أعماقنا. لكن النهاية، كما يبدو، لا تحتاج إلى إعلان. تأتي بهدوء، تتسلل كما تسلل كل شيء قبلها، دون صخب، دون مقدمات واضحة، فقط بإحساسٍ خافت يسبقها، كأن الروح تلتقط إشارتها قبل أن يدركها الواقع. وفي ليلةٍ لم تختلف عن غيرها في ظاهرها، وصلهم خبري الأخير، لا مني بل عنّي، بصوتٍ غريبٍ لا يشبهني، وكأنني لم أعد أنا من يروي حكايتي: — توفّى.