الفصل 1 : العيدُ قريب!
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً، بينما غرقت جزيرة ليفاس بأكملها في أجواءٍ صاخبة ومليئة بالحياة. ارتفعت الضحكات في كل مكان، واختلطت أصوات الأطفال وهم يركضون بين الخيام بأصوات النساء اللواتي انشغلن بتعليق الزينة على الأشجار والحبال الممتدة بين الأعمدة الخشبية. كانت الأضواء الصغيرة تتمايل مع نسمات المساء، فتبدو الجزيرة وكأنها تتلألأ تحت السماء الداكنة.
في الجهة القريبة من السواحل، كان بعض الرجال يحملون صناديق الزينة ويتجهون نحو المرتفعات لإكمال التزيينات فوق الأشجار العالية، بينما انتشرت رائحة الطعام الدافئة في الأرجاء حتى بدا الهواء نفسه شهيًّا. أصوات الأواني، وضحكات الناس، ولهيب النيران الصغيرة المشتعلة قرب الخيام... كل شيء كان يعلن اقتراب عيد اكتمال القمر.
داخل إحدى الخيام الدافئة، كانت ديانا تقف أمام مرآة صغيرة مائلة قليلًا، تحاول بتركيزٍ شديد أن تضع بعض اللمسات على وجهها. كانت تمسك حبّة كرز صغيرة وتسحقها بأصابعها بحذر لتلوّن بها شفتيها، ثم مالت نحو المرآة أكثر وهي تبتسم لنفسها بحماس طفولي واضح، قبل أن تصرخ فجأة:
«عيد اكتمال القمر قريب!»
وما إن أنهت عبارتها حتى انفتح ستار الخيمة بسرعة، وظهرت آنييه وهي تراقبها لثوانٍ بصمت، ثم ضحكت بخفة واقتربت منها بخطوات هادئة، وفجأة سحبت حبّة الكرز من يدها بسرعة. شهقت ديانا وهي تستدير نحوها بصدمة:
«آنييه!»
أما آنييه فاكتفت بالضحك وهي ترفع الكرز عاليًا بعيدًا عن متناولها، ثم قالت بمكر:
«ما زال عمركِ تسع سنوات فقط، لماذا تتزينين بهذا الشكل؟»
ثم أضافت وهي تدّعي الجدية:
«أعطيني إياها، أنا أحتاجها أكثر منكِ.»
ضيّقت ديانا عينيها بانزعاجٍ مصطنع، ثم قفزت محاولةً أخذ الكرز منها، لكن آنييه ابتعدت بسرعة وهي تضحك. وبعد ثوانٍ قليلة تحولت الخيمة إلى فوضى كاملة؛ ديانا تحاول الإمساك بأختها، وآنييه تهرب بينها وبين الوسائد والأغطية، بينما تتعالى ضحكاتهما أكثر فأكثر.
«أعيديها حالًا!»
«حاولي أولًا!»
وفي أثناء العراك اختل توازن الاثنتين فجأة، فسقطتا أرضًا فوق الأغطية القديمة، ثم نظرت كل واحدةٍ منهما إلى الأخرى لثانية قصيرة قبل أن تنفجرا بالضحك بصوتٍ عالٍ.
بعد فترة قصيرة، جلست ديانا على ركبتيها وهي تمسح دموع الضحك عن عينيها، ثم بدأت تنظر حولها بتردد:
«لحظة... أين تاجي؟»
اختفت ابتسامتها قليلًا وهي تنهض بسرعة، ثم بدأت تفتش أنحاء الخيمة بحذر. رفعت الوسائد، وفتحت الصناديق الصغيرة، بل حتى نظرت أسفل الطاولة الخشبية القديمة، لكن التاج لم يكن موجودًا.
تمتمت بانزعاج:
«أين اختفى...؟»
في تلك اللحظة، اقترب شيبي، الماعز الأبيض الصغير الذي كان يعيش معهما منذ سنوات، كان يحمل حول عنقه قطعة قماش صغيرة مزينة بجرس ذهبي يصدر رنينًا خفيفًا كلما تحرك. اقترب من ديانا ثم بدأ ينطح ساقها برأسه الصغير بينما يشير نحو خارج الخيمة.
رمشت ديانا باستغراب وهي تنظر إليه:
«ماذا؟»
أصدر شيبي صوتًا قصيرًا، ثم أشار برأسه مجددًا نحو الخارج.
توقفت ديانا لثوانٍ، ثم اتسعت عيناها فجأة:
«لا تقصد... آنييه أخذته؟!»
حرّك شيبي رأسه بحماس، وكأنه فخور جدًا بنفسه لأنه كشف الجريمة.
شهقت ديانا وهي تندفع نحو الخارج بسرعة، وما إن خرجت حتى رأت آنييه تركض بعيدًا وهي تضع التاج فوق رأسها بكل برود، بينما يتطاير شعرها مع الهواء.
«آنييييه!»
التفتت آنييه إليها وضحكت بصوتٍ عالٍ، ثم أكملت ركضها:
«الأكبر يأخذ الأشياء الثمينة!»
شهقت ديانا بصدمة مصطنعة وهي تلحق بها بين الخيام:
«هذا ليس عدلًا! ذلك تاجي!»
كانت آنييه تركض وهي تضحك دون توقف، حتى وصلت إلى والدتهما التي كانت تقف قرب إحدى الأشجار تحمل فانوسًا مضيئًا، تراقب الناس وهم يعلقون الزينة. وما إن احتمت خلفها حتى وصلت ديانا أيضًا وبدأت تحاول سحب التاج منها، فتحولت الأم خلال ثوانٍ إلى حاجز بشري بين ابنتيها.
«أعيديه!»
«لن أفعل!»
«أمي، أخبريها أن تعيده!»
ضحكت الأم وهي تحاول منع الاثنتين من إسقاط الفانوس من يدها، لكن الفوضى ازدادت أكثر عندما ظهر ليو فجأة من بين الخيام، وقد بدا متحمسًا فور رؤيته للشجار:
«ماذا يحدث هنا؟!»
ثم اندفع مباشرة نحوهم دون أن يفهم شيئًا أصلًا، وبدأ يحاول أخذ التاج هو أيضًا:
«أعطوني إياه أنا!»
«ليو، ابتعد!»
«لا، دوري الآن!»
أما شيبي، فكان يقفز حولهم ويصدر أصواتًا عالية وكأنه يشارك في المعركة بكل جدية.
تنهدت الأم أخيرًا، ثم أمسكت التاج بسرعة قبل أن ينتقل إلى كارثة حقيقية، ورفعته عاليًا بعيدًا عن أيديهم.
توقف الجميع فورًا وهم ينظرون إليها بترقب.
ابتسمت الأم وهي تقول:
«الفتاة التي ستساعد أكثر في التزيين الليلة... وتحسن عملها جيدًا، ستحصل على التاج.»
ساد الصمت لثوانٍ، ثم ارتفعت أصواتهم جميعًا بحماس شديد:
«حاااضررر!»
حتى شيبي أصدر صوتًا عاليًا وكأنه وافق معهم.
اقترب الثلاثة منها بسرعة وهم يسألون في الوقت نفسه:
«وماذا سنفعل؟!»
ضحكت الأم من حماسهم المبالغ فيه، ثم قالت:
«ستقومون بتزيين الخيام من الداخل والخارج.»
تجمدت ابتساماتهم فجأة، ثم قالوا جميعًا بتذمر واضح:
«لااا! نريد تزيين الأشجار مع الكبار!»
قالت الأم محاولةً إقناعهم:
«هذا خطر، قد يسقط أحدكم من فوق الأشجار.»
ثم نظرت إلى آنييه تحديدًا وأضافت:
«حتى أنتِ، ما زال عمركِ اثنتي عشرة سنة فقط.»
عقدت آنييه ذراعيها ونفخت وجنتيها بانزعاج:
«لكنني كبيرة! أريد أن أجرب مرة واحدة فقط.»
وهتف البقية مباشرة:
«نعم! كلنا نريد!»
أغمضت الأم عينيها للحظة وكأنها تحاول جمع صبرها الهارب، ثم تنهدت أخيرًا:
«حسنًا... لكن يجب أن يرافقكم شخص بالغ، مفهوم؟ وانتبهوا جيدًا.»
وقبل أن يفرحوا كثيرًا، أمسكت بيد ليو فجأة وقالت بحزم:
«أما ليو فلن يذهب معكم، إنه صغير جدًا، ما زال قريبًا من إكمال عامه السابع فقط.»
احتجت ديانا فورًا، لكنها توقفت فجأة ثم أشارت بسرعة خلف والدتها وهي تفتح عينيها بصدمة متقنة:
«أمي! ما ذلك الشيء هناك؟!»
استدارت الأم بسرعة نحو الخلف بقلق.
وفي اللحظة نفسها، أمسكت ديانا وآنييه بيد ليو وسحبتاه معهما قبل أن تبدأ الثلاثة بالركض بعيدًا وهم يضحكون بصوتٍ عالٍ:
«سنراكِ لاحقًا يا أمي!»
التفتت الأم إليهم بصدمة وهي تلوح بالفانوس بعصبية:
«قلت إن ليو لن يذهب معكم!»
ثم أطلقت زفرة طويلة وهمست بتعب:
«يا إلهي... ارحمني من هؤلاء الأطفال...»
ركضوا بعيدًا عن الخيمة الرئيسية نحو أطراف التجمع، حيث تبدأ الأشجار في التباعد قليلًا ويصبح المكان أكثر هدوءًا وأقل ازدحامًا. كل شجرة في تلك الليلة كانت لها زينة خاصة بها، فبعضها مُعلّق عليه سلال صغيرة من الفوانيس، وبعضها تتدلّى منه أشرطة مضيئة تتحرك مع الهواء، وكأن الجزيرة كلها قررت أن تتحول إلى مهرجان من الضوء.
اختارت آنييه شجرة متوسطة الارتفاع، قفزت نحوها بسرعة كأنها معتادة على ذلك، وبدأت تربط الأشرطة وتعلق الزينة بخفة وثقة. في الجهة الأخرى، كان ديانا وليو يحاولان تسلق نفس الشجرة، يتعثران أحيانًا لكنهما يضحكان ويكملان، بينما شيبي يدور حول الجذع بحماس، يقفز أحيانًا كأنه يحاول المشاركة رغم أنه لا يفهم شيئًا مما يحدث، لكنه مقتنع أنه جزء مهم جدًا من المهمة.
وقفت آنييه فوق غصن أعلى قليلًا، ثم رفعت صوتها بحماس وهي تبتسم:
«لتبدأ فقرة غناء أغنية عيد اكتمال القمر لكل عام!»
لم تتأخر ديانا ولا ليو لحظة، فصاحا معًا بحماس شديد:
«حسنا!»
وقفز شيبي بقوة في الأسفل وأصدر صوتًا عالياً كأنه يوافق أيضًا، ثم بدأ الجميع بالغناء معًا بصوت طفولي ممتلئ بالحماس، يختلط فيه الضحك مع الكلمات، وكأن العالم كله توقف ليستمع لهم وحدهم...
يا قمرُ تعالَ إلينا في ليلٍ هادئٍ وجميل
نُشعلُ نورًا صغيرًا كي يهربَ خوفٌ ثقيل
نعلّقُ زينتَنا فوقَ غصونٍ تميلُ بخفّة
ونضحكُ دونَ سببٍ كأنَّ الفرحةَ حلّت فجأة
يا قمرُ لا تتأخّر فنحنُ نراكَ أمانًا
حينَ الظلُّ يطولُ قليلًا نشعرُ في القلبِ حنانًا
نرسمُ وجهَك ضوءًا فوقَ النوافذِ والأبواب
ونهمسُ باسمكَ سرًّا كي لا يسمعَنا الغياب
نركضُ حولَك مرحًا ونصفّقُ دونَ ترتيب
نغنّي لليلِ الباردِ حتى يصيرَ قريب
يا قمرُ ابقَ معنا وامسحْ خوفَ السنين
واجعلْ ليلَ لقائِنا بعدَ يومينِ دفءً وحنين
ومع كل بيت كانوا يرفعون أصواتهم أكثر، ويتمايلون بين الأغصان وكأن الشجرة نفسها تشاركهم الغناء، بينما الفوانيس المعلقة تلمع حولهم بخفة، فتجعل المشهد كله يبدو وكأنه حلم صغير دافئ.
انتهت الأغنية وسط ضحكات عالية وتصفيق عشوائي، وبدت وجوههم متحمسة وسعيدة لدرجة مبالغ فيها، وكأنهم نسوا تمامًا التعب الذي استمر لساعات. كان العيد يقترب، وبقي يومان فقط، وهذا وحده كان كافيًا ليجعلهم في قمة الحماس.
لكن أصوات الكبار لم تتأخر كثيرًا، إذ ارتفعت من جهة التجمع الرئيسي تنادي بانتهاء وقت التزيين. كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة مساءً، وبعد أربع ساعات كاملة من العمل والركض بين الأشجار، لم يعد هناك مجال للمزيد من الفوضى الليلة.
بدأ الجميع بالنزول ببطء من على الأشجار، بعضهم يتذمر، وبعضهم لا يزال يضحك، والبعض الآخر يحاول إخفاء أنه لا يريد أن تنتهي الليلة أصلًا.
عادوا جميعًا نحو الخيام، بينما كانت آنييه وديانا تتقدمان مع أمّهما نحو خيمتهما، ومعهما شيبي الذي كان يمشي بينهما كأنه يراقب الطريق بحرص، وليو أيضًا كان معهم وهو لا يزال يبدو متحمسًا رغم التعب.
ما إن دخلوا الخيمة حتى قفزت ديانا مباشرة على سريرها الصغير، واستلقت وهي تضع شيبي بجانبها وتبتسم بلا سبب واضح، ثم قالت بصوتٍ مريح:
«يا إلهي... أحب القمر كثيرًا.»
ابتسمت الأم وهي تمسك بيد ليو بلطف، ثم قالت بهدوء:
«الأفضل أن تعود إلى خيمتك الآن، الوقت متأخر، ووالدتك ستقلق عليك.»
نظر ليو نحو ديانا وآنييه وشيبي، وكأن فكرة الرحيل لا تعجبه إطلاقًا، لكن قبل أن يقول شيئًا، قاطعت آنييه الموقف بسرعة وقالت:
«أميييي، لدي سؤال!»
رفعت الأم حاجبها قليلًا وهي تنظر إليها بنظرة تشك فيها بكل شيء تقريبًا:
«ما هو السؤال؟»
تقدمت آنييه قليلًا، ثم قالت بفضول واضح:
«نحن نحتفل بعيد اكتمال القمر لأنه أمان لنا... لكن منذ متى وجزيرة ليفاس تحتفل بهذا العيد؟»
في تلك اللحظة، دخل والدهم إلى الخيمة بهدوء، وكأنه كان يقف خارجها يستمع طوال الوقت، ثم ضحك بخفة وقال:
«من الأفضل ألا تخبريهم بعد، ما زالوا صغارًا.»
تبادل الأطفال نظرات مليئة بالفضول، وكأن الجملة فتحت بابًا كبيرًا داخل رؤوسهم. ثم قالوا جميعًا في نفس الوقت تقريبًا، بنبرة واحدة مليئة بالدهشة:
«هااا؟ هل حدث شيء حتى نحتفل به؟»
ابتسم الأب والأم معًا، بينما نظرت الأم إلى ديانا وابتسمت بخفة، ثم قالت وهي تحاول تهدئة حماسهم:
«تريدون أن يكون الجواب قصة الليلة؟»
اتسعت عينا ديانا فورًا، وهي تحتضن شيبي بقوة وتقول بحماس:
«هااا؟ هي قصة؟»
ثم صرخت آنييه مع ليو معًا بحماس شديد:
«ابدئي يا أمي!»
ضحكت الأم، ثم اقتربت منهم أكثر، وجعلتهم يجلسون على شكل دائرة صغيرة داخل الخيمة، بينما جلس الأب يراقب بصمت وابتسامة خفيفة على وجهه.
وقالت الأم بهدوء:
«حسنًا يا أطفال...»