ما خلف الضوء
صدمة...
تجهم وجه أليندا، وقطبت حاجبيها غير مصدقة ما تسمعه.
صحيح أنها كانت تعلم، في مكان ما داخلها، أن من رباها ليسا والديها الحقيقيين... لكنها لم تؤمن بذلك يوما.
كانت تظنه كابوسا عابرا، فكرة ثقيلة لا أكثر.
لكن الآن...
ها هي ترى والديها الحقيقيين أمامها.
تبددت كل آمالها بأن ما تمر به مجرد وهم،
وانكشفت الحقيقة... في وقت لم يكن مناسبا لها أبدا.
وبينما كانت تحدق في الصورة، اجتاحها شعور غريب بالرفض... بالعصيان.
"اسمع، والداي في المنزل. لا أعرف من يكون هذان، ولا لماذا أنا في تلك الصورة... لكنني أعلم أن والدي هناك، ويجب أن أعود. ربما هما قلقان علي."
أجاب الصوت، بتنهد ثقيل:
"أتكذبين على نفسك... أم علي؟ نحن الاثنان نعلم أنهما ليسا والديك. وقد حان وقت العودة إلى الديار."
ظنت أليندا أن المقصود بالديار هو منزلها... لكنها كانت مخطئة.
"إذن كيف أخرج من هنا لأعود إلى المنزل؟"
تنهد الصوت مجددا، وكأنه يستسلم لبطء استيعابها:
"ما قصدته بالديار... ليس المنزل."
تجمدت ملامح أليندا، ولم تفهم قصده.
اختارت الصمت هذه المرة، بعدما أدركت نفاد صبره...
لكن الصوت، كعادته، أجاب ما دار في رأسها:
"ألم تدركي بعد أنني أسمع أفكارك؟"
ثم أضاف، بصوت أخفض... أكثر عمقا:
"ما قصدته بالديار... هو عالمك الحقيقي."
اتسعت عيناها بدهشة:
"أي عالم؟ لا توجد عوالم أخرى..."
ساد صمت لثوان،
كأن الصوت يبحث عن الطريقة المناسبة ليخبرها الحقيقة...
ثم قال أخيرا:
"انظري داخل الصندوق... هناك ستجدين كل الأجوبة."
إتجهت اليندا بعينيها لصندوق لتجده مفتوحا تقدمت نحوه ببطئ ونظرة داخله من بعيد وكأنها تخاف الإقتراب أكثر.
داخل الصندوق، لم يكن هناك الكثير...
فقط قلادة واحدة.
كانت تستقر بهدوء فوق قطعة قماش داكنة، كأنها شيء نائم... ينتظر من يوقظه.
سلسلتها رفيعة، بلون فضي يميل إلى البياض، تتشابك بدقة غريبة، وكأنها لم تُصنع بيد بشرية.
أما القلادة نفسها...
فكانت على شكل دمعة، تبدو وكأنها منحوتة من زمرد أخضر نقي.
لم تكن جامدة كما يفترض،
بل كان بداخلها ضوء خافت يتحرك ببطء...
كأنه نفس حي، أو قلب صغير ينبض بصمت.
يتدرج لونها بين الأخضر العميق ولمحات ذهبية خفيفة،
وكأن غابة كاملة تنعكس داخلها.
وحولها، التف إطار معدني دقيق على هيئة أغصان رفيعة،
وحين اقتربت أليندا منها أكثر...
شعرت بدفء خفيف يتسلل إلى أطراف أصابعها،
ثم نبضة...
نبضة لم تكن من القلادة وحدها،
بل من قلبها أيضا.
وكأنهما... خلقا ليلتقيا.
وضعت أليندا يدها على صدرها،
كأنها تحمي قلبها من السقوط،
وانحنت نحو القلادة ببطء.
مدت أناملها، تتلمس تفاصيلها بحذر...
ومع أول لمسة، عاد قلبها لينبض-
لكنها لم تكن نبضة عادية،
بل نبضة قوية، عميقة...
كأن طبلا دق في وسط صدرها.
شهقت بخفة، وتراجعت للحظة،
ثم عادت تلتقط القلادة بحذر،
كأنها تخشى أن تنكسر بين يديها.
همست، وعيناها معلقتان بها:
"إنها... جميلة."
جاءها صوته هادئا، لكنه يحمل أمرا لا يرفض:
"ارتديها."
أزاحت أليندا خصلات شعرها الأحمر المموج، الذي كان قد جف من ماء المطر، على طرف كتفها
ورفعت القلادة ببطء، ثم لفتها حول رقبتها...
وبمجرد أن أغلقتها، توقف الزمن لوهلة.
اتسعت عيناها،
وانحبس نفسها،
لتشعر بطاقة غريبة تجتاح جسدها...
بدأت من القلادة،
ثم انتشرت في صدرها،
لتتسلل إلى عروقها، كأنها ضوء حي يسري بداخلها.
خفق قلبها بقوة،
نبضات متسارعة، غير مألوفة...
وكأن قلبا آخر استيقظ بداخلها.
ثم...
ظهر وهج أخضر خافت حول القلادة،
يمتد شيئا فشيئا،
حتى غمر جسدها كله.
أغمضت عينيها،
غير قادرة على تحمل ما يحدث...
لتفتح عينيها مجددا...
لكن النور كان قويا، أجبرها على إغماضهما للحظة،
قبل أن يخف تدريجيا...
وحين استطاعت الرؤية أخيرا، تجمدت ملامحها في صدمة.
كانت تقف...
على قمة جبل شاهق. الهواء يصفع وجهها،والفراغ تحتها يمتد بلا نهاية.
تراجعت خطوة للخلف،
وعيناها تتسعان بذهول وهي تنظر إلى الأسفل...
إلى عالم لم تر مثله من قبل.
عالم لا يقبله عقل،
ولا يشبه أي شيء عرفته يوما.
رأت...
من ذلك الارتفاع الشاهق،
امتد العالم أسفلها كلوحة حية لا تشبه شيئا تعرفه.
غابات شاسعة بلون أخضر داكن،
تتشابك أشجارها كأنها كائن واحد يتنفس ببطء.
أنهار متعرجة تشق الأرض،
تلمع تحت ضوء غريب، كأنها خيوط فضة سائلة.
وبين تلك الغابات...
مدن لم تبن كمدن البشر،
أبراجها عالية، منحنية، تتداخل مع الطبيعة،
وكأنها نبتت من الأرض بدل أن تشيد فوقها.
في السماء،
لم يكن الفراغ صامتا...
مخلوقات تحلق،
بأجنحة واسعة، شفافة أحيانا، أو داكنة كظلال الليل،
تتنقل بخفة بين الغيوم.
ومن بينها...
هيئات تشبه البشر،
لكنها لم تكن بشرا تماما.
تتحرك في الهواء كما لو أنه أرضها،
تنزلق، تدور، تختفي وتظهر بين الضوء والضباب،
بخفة لا يمكن لعالمها أن يفهمها.
وقفت أليندا مدهوشة،
عيناها تلتهمان المشهد...
هذا العالم...
لم يكن خيالا.
كان حقيقيا.
تراجعت إلى الخلف، لتتعثر بفستانها الطويل...لكنها لم تسقط.
توقفت فجأة،
ونظرت إلى ما ترتديه...فستان أخضر طويل،
تتخلله زخارف ذهبية ناعمة،ي نساب حول جسدها بخفة،كأنه صنع ليتحرك مع كل نسمة هواء.
لم يكن يغطي كتفيها،
بل ينسدل على ذراعيها بنصف أكمام مموجة،
تشبه أمواج البحر في حركتها الهادئة.
رفعت يديها أمام عينيها، تتفحصهما بقلق...
لكن لا شيء غريب، طبيعيتان تماما.
تلمست وجهها...
بشرتها، ملامحها...
كل شيء كما هو.
لكن...
حين وضعت يديها على أذنيها،
تجمدت.
لم يكن ملمسهما طبيعيا.
كانتا... حادتين.
وطويلتين.
شهقت بخفوت،وكأن أنفاسها قد سرقت منها.
وفجأة،
هبت نسمة قوية،حركت شعرها بعنف،لينسدل على كتفيها...
أطول مما كان عليه.
أطول بكثير.
تجمدت أليندا في مكانها، وكأن الريح التي ضربت وجهها لم تكن مجرد هواء... بل صفعة من الحقيقة، أيقظت فيها شيئا لم تكن تعرف أنه نائم داخلها.
تقدمت خطوة صغيرة، ثم أخرى، لكن قدماها كانتا ثقيلتين بشكل غريب، كأن الأرض نفسها لا تزال تتأقلم مع وجودها، أو كأن هذا المكان يرفض أن يصدق أنها أصبحت جزءا منه.
رفعت عينيها ببطء نحو الامتداد الهائل أمامها، وكل شيء بدا أكبر مما يجب... أعمق، أقدم، كأن العالم نفسه يحمل ذاكرة لا تنتمي إليها.
"هذا... ليس حلما..."
تمتمت بصوت مبحوح، بالكاد خرج من صدرها.
وفي اللحظة التي قالت فيها ذلك...
تغير شيء في السماء.
لم يكن تغيرا واضحا في البداية، بل إحساسا غريبا... كأن الهواء نفسه شد أنفاسه.
ثم ظهر ذلك الكائن.
أحد المخلوقات التي كانت تحلق في الأفق توقف فجأة. لم يهبط... لكنه «نظر».
نظرة واحدة فقط كانت كافية لتجعل الهواء من حولها يبرد فجأة، وكأن دفء العالم انسحب دفعة واحدة.
ثم بدأ يقترب.
ليس طيرا، وليس إنسانا... بل شيء بين الاثنين. جناحاه الأسودان العملاقان كانا يمتدان خلفه كظل طويل، يجر خلفه صمتا ثقيلا، وكأن الضوء نفسه يتراجع احتراما لمروره.
كل رفرفة من جناحيه كانت تمزق الهواء بصوت خافت، كهمس خطر لا يقال بصوت مرتفع.
تراجعت أليندا خطوة للخلف تلقائيا، دون أن تفكر، كأن جسدها سبق عقلها إلى الخوف.
"لا تتراجعي..."
همس الصوت داخلها، هذه المرة بنبرة أكثر حدة.
ارتجفت أنفاسها.
"من هو؟"
سألت، وقلبها يخفق بعنف، كأنه يحاول الخروج من صدرها.
لكن الصوت لم يجب مباشرة.
"لقد علموا بوجودك..."
كانت الجملة كافية لتجعل الدم يتجمد في عروقها.
اقترب الكائن أكثر... أكثر مما ينبغي، حتى بات يمكنها سماع صوت الهواء وهو يتمزق حوله، وكأن وجوده وحده يفرض قانونا جديدا على الطبيعة.
ثم توقف أمامها مباشرة.
صمت.
لم يكن صمتا عاديا... بل صمتا ثقيلا، ممتلئا بشيء غير مرئي، كأن آلاف العيون تراقب من خلف الغيب.
كأن العالم كله حبس أنفاسه معها.
رفع يده ببطء...
وفي اللحظة التي ظنت فيها أليندا أنه سيهاجمها، أو يمحوها من الوجود...
انحنى.
انحناءة احترام.
انحناءة لا تمنح لأي أحد.
وقال بصوت لم يكن بشريا تماما، عميقا كأنه يأتي من أعماق الغابة نفسها:
"أهلا بقدوم الحارسة."
وفي تلك اللحظة... لم تشعر أليندا بالخوف فقط.
بل شعرت بشيء أعمق بكثير...
كأن إسمها الحقيقي، الذي لم تعرفه يوما، قد بدأ أخيرا في الاستيقاظ.