نحو المجهول
جلست على الكرسي في منزلها، تنتظر عودة والدها لأول مرة بعد الحادث.
بعد أن حضرت المنزل لاستقباله،
كانت تنظر نحو الباب مباشرة...
ذلك الباب الذي غادر منه ولم يعد حتى الآن.
كان أكبر مخاوفها...
ألا يُفتح ذلك الباب مجددا.
وبينما هي غارقة في أفكارها،
سمعت صوت المفاتيح تلامس القفل.
تجمدت في مكانها،
وتعلقت عيناها بالباب، تنتظر من سيدخل.
فتح الباب...
لتدخل والدتها، تدفع والدها على كرسيه المتحرك.
ذلك الكرسي الذي قال الأطباء إنه سيلازمه لبقية حياته.
تجاهلت أليندا حالته،
لم ترد أن تظهر له شفقة تجرحه،
فهي تعلم مسبقا بما حدث.
ركضت نحوه، واحتضنته بكلتا يديها...
لكنه لم يبادلها العناق.
رغم أن الشلل لم يشمل يديه، بل قدميه فقط.
لم تنتبه أليندا للأمر من شدة سعادتها بعودته أخيرا بعد أكثر من شهر.
فكرت أنه ربما جائع، أو اشتاق لطعام المنزل.
"أبي... حضرت لك الحساء الذي تحبه... هل تريد أن أضعه لك؟"
رفع الأب نظره مباشرة نحوها، صمت قليلا...
ما جعل أليندا تتوتر بشدة.
ثم نطق أخيرًا... ويا ليته لم يفعل:
"هل تريدين أن تسمميني أيضًا؟ ألا يكفيك أنك سبب إعاقتي؟"
ترقرقت الدموع في عيني أليندا، بينما وضعت والدتها يدها على فمها من كلام زوجها.
ولم يتوقف، وأكمل قائلاً:
"ثم لماذا ما زلتِ تنادينني بأبي؟ جميعنا نعلم أنني لست كذلك."
دفع كرسيه نحو الممر متجها إلى غرفته، لحقته والدتها وفتحت له باب الغرفة.
أما أليندا، فقد وقفت في مكانها، غير مصدقة أن هذه الكلمات خرجت من فم ذلك الرجل.
ذهبت نحو غرفتها، والدموع تنهمر بصمت على وجنتيها.
فتحت الباب، دخلت، واتجهت نحو سريرها، ورفعت رأسها لتنظر باتجاه مكتبها، حيث لا تزال أوراق المذاكرة مرتبة...
لكن عقلها رسم لها كل صورة مؤلمة مرت بها مؤخرا.
ثم... فجأة...
عاد الصوت:
"نحن عائلتك."
تجهم وجه أليندا.
"يا إلهي... هل أصبت بالجنون من كثرة الصدمات، أم أن الجنون يلاحقني؟"
الصوت استمر:
"لست مجنونة... نحن عائلتك."
استلقت أليندا على فراشها، وضغطت أذنيها بالوسادة لتذهب الكلمات...
لكن الصوت لم يكن من أذنيها، بل من داخلها، كأنه جزء من عقلها، ينبض مع قلبها، موجود معها دائمًا.
غفت أليندا، لتستيقظ بعد ساعات.
نظرت نحو الساعة المعلقة...
"إنه منتصف الليل."
جلست على طرف السرير، وضعت يدها على رأسها من شدة الصداع.
"أهذا بسبب الصوت أم البكاء؟"
همست لنفسها...
لكن الصوت أجابها:
"ربما الاثنين!"
تفاجأت أليندا، وانتبهت لشيء...
الصوت يجيبها بالفعل.
قد يبدو هذا مخيفا، لكنها استطاعت التحدث معه، وسألت في نفسها قبل أن تقول أي كلمة:
ثم عاد الصوت مجددا:
"أعلم ما تفكرين فيه... لا تقلقي، ستكون الليلة ليلة الحقيقة."
قاطع صوت المطر شرودها.
نظرت نحو النافذة، لكنها شعرت بشيء غريب يغمرها عند سماع قطرات المطر... شعور بالمغادرة، بالرغبة في الخروج من هذا المنزل.
وقفت أليندا عن سريرها أخيرا، إرتدت معطفها وخرجت من غرفتها، تمشي على أطراف أصابعها لتجنب إيقاظ أحد.
ارتدت حذاءها، فتحت الباب بحذر، ثم أغلقته بنفس الطريقة.
بدأت تركض.
كانت تركض فقط، بلا وجهة... نحو المجهول.
وقلبها كان بوصلتها، ركضت كما لم تفعل من قبل.
خصلات شعرها الأحمر المبتلة تنزل على وجهها، ودموعها تختلط بقطرات المطر... لكنها استمرت في الركض.
كان الطريق مألوفا لها كأنها تعرفه، حتى وصلت أخيرا إلى أحد الشواطئ.
توقفت، وضعت يديها على ركبتيها، سحبت أنفاسها بصعوبة.
رفعت رأسها واستمرت بالسير حتى لمحت قاربا من بعيد.
زاد خفقان قلبها، لكن فضولها كان يغلب كل حواسها.
ركضت نحو القارب، وكأنها تخاف أن يختفي.
وحالما اقتربت، رأت صندوقا صغيرا مرصعا بالمجوهرات، تعكس ضوء القمر الذي ظهر من بين الغيوم.
تقدمت نحو القارب، لتنحني وتمسك بالصندوق، وكأنها تعلم أنه يعود لها.
تلمست تفاصيله بأناملها الرقيقة... لم يكن هناك رمز أو قفل.
حاولت فتحه، لكنه كان مغلقا.
ثم نطق الصوت:
"وجهتك الآن الغابة."
"ماذا سأفعل في الغابة في مثل هذا الوقت؟"
سألت أليندا.
رد الصوت:
"الصندوق لن يفتح إلا هناك."
وضعت أليندا الصندوق في جيب معطفها، وعادت تركض... لكنها هذه المرة تعرف وجهتها: الغابة.
كانت تعلم في نفسها أنها قد تكون مجنونة... وأن هذا الصوت مجرد وهم.
لكنها شعرت بالراحة عند سماعه، كأنه جزء صغير منها، يكملها.
الغريب أنها كانت تعرف الغابة التي ستذهب إليها،
وحالما وطأت قدماها أرضها، شعرت برعشة تسللت إلى كامل جسدها، كأن الغابة ترحب بها.
بدأت بالسير في الظلام بين الأشجار.
سمعت همسا غريبا... لم يكن الصوت داخل رأسها، بل كأنه ينبع من حولها، شيء لم تسمعه من قبل.
استدارت حول نفسها، ضائعة بين الطرق المتشابهة، والأغصان التي تشبه أيديًا نحيلة تحاول الإمساك بها.
فجأة، لمحت بين الأشجار ضوءًا خافتًا من بعيد...
كأن شخصًا ينتظرها هناك، لكنه يختفي كلما اقتربت خطوة.
وقفت في مكانها، وضعت يدها على قلبها لتسمع خفقانه، يحذرها من الاقتراب...
لكن الفضول اجتاحها، وتجاهلت التحذير.
خطوة أخرى، ووجدت نفسها في ساحة كبيرة، خالية من الأشجار، تتوسطها بناية كبيرة تشبه قصرا قديما.
تقدمت نحو الباب... كان يبدو قديما، محفورا عليه رموز غريبة تتلألأ في الظلام، كأنها تدعوها للدخول.
تجاهلت مخاوفها، دفعت الباب... لكنه لم ينفتح.
تلمست الحائط من حوله، ودست قدمها على حجر بالخطأ...
سمعت صوت آلات بعيدة، وفجأة انفتحت حفرة عميقة من تحت قدميها، وسقطت دون أن تشعر، ولم يتبق سوى صوت صرختها الأخير، مع صوت الرعد القوي.
سقطت داخل مكان مظلم لا يظهر منه شيء، كان باردا للغاية من قوة الصدمة.
لم تشعر بالوقوع، لكنها وقفت مسرعة، تحاول إيجاد أي قفل يشغل الإنارة.
وجدت واحدًا، ضغطته... وانار المكان.
كان المكان يشبه القبو، لكنه ليس فارغا.
في وسطه منصة بنصف طولها تقريبا.
همس الصوت:
"الصندوق."
تذكرت أليندا الصندوق، أخرجته من جيب معطفها، ونظرت مباشرة نحو المنصة.
سارت نحوها بخطوات مترددة، حتى وصلت.
كان هناك مكان واضح لوضع الصندوق، محفور عليه رموز غريبة.
حملت الصندوق بكلتا يديها، وضعته في مكانه...
بدأت أصوات غريبة تصدر من الأعلى، وكأن المكان ينهار.
تراجعت أليندا إلى الخلف مبتعدة عن المنصة قليلا،
لكن فجأة انقطعت كل الأضواء.
خفق قلبها، وارتجفت كل أعضاء جسدها.
ثم فجأة، انبثق نور من الصندوق، يعكس صورا عديدة على سقف القاعة.
رفعت رأسها لتتأمل الصور... لتصدم بما رأت:
صورها وهي طفلة، في أماكن لم ترها من قبل، لكن هناك صورة واحدة لفتت انتباهها أكثر من غيرها...
امرأة ذات شعر أحمر مجعد تحمل طفلة في حضنها.
كانت أليندا تحدق في الطفلة، تعرفها جيدا... كانت تعلم أن الصورة تعود لها.
بجانبها رجل قوي البنية يضع يديه على كتفي المرأة وكأنه يقول: "أنا سندك."
علقت عينا أليندا على الصورة،
"المرأة... إنها تشبهني."
رد الصوت:
"الرجل أيضا يشبهك."
تمعنت أليندا في تفاصيله...
نعم، كان يمتلك نفس عينيها الزمردتين، وأنفه كأنه نحت من أنفها.
"من يكونان؟"
سألت، صامتة...
الصوت أجابها بهدوء:
"إنهما والداك."