نيمفوريا - إقترب الوقت - بقلم هديل حميدان | روايتك

اسم الرواية: نيمفوريا
المؤلف / الكاتب: هديل حميدان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: إقترب الوقت

إقترب الوقت

فتحت عينيها أخيرا، لتجد نفسها ممدة على سرير بغرفة بيضاء تشبه غرف المستشفيات... في الواقع، هي غرفة مستشفى بالفعل. أمعنت النظر في السيروم المعلق بجانبها، يتدفق مباشرة إلى ذراعها، ومع كل قطرة شعرت بوخزة غريبة في جسدها. صداع قوي اجتاح رأسها، كأنه سينفجر في أي لحظة. الجو بارد، أو ربما جسدها كان باردا، فالخارج حار في شهر جولية. نظرت نحو الساعة المعلقة: الثانية ليلا... إذا فقدت الوعي ليوم كامل. "ترى كيف حاله..." تمتمت لنفسها، قبل أن تسمع صوت باب يفتح. دخلت والدتها. "استيقظت أخيرًا يا حبيبتي..." صمتت لحظة، ثم أكملت: "أرجوكي، لا تفعلي بي هذا مرة أخرى، أنت مصدر قوتي الوحيد في هذه المواقف." ابتسمت أليندا، وضعت كفها فوق يد والدتها التي كانت على كتفها، محاولة مواساتها. ثم رفعت عينيها مباشرة نحو بؤبؤ والدتها، وقالت: "كيف حاله؟" "أتقصدين والدك؟" أخفضت أليندا رأسها عند سماع تلك الكلمة، مدركة أن الوقت ليس مناسبا للحديث عن ذلك. "نعم... أقصده... أقصد والدي." "حالته مستقرة الآن. الطبيب قال إنه إذا بقي على هذه الحال، فسيستيقظ بعد أسبوع على الأقل." تنفست أليندا الصعداء، ووضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة دقات قلبها المضطربة. كانت تخاف من استيقاظه، لكنها بالتأكيد لم ترغب بموته. مدت قدميها على الأرض، وارتكزت على يديها لتقف بصعوبة بالغة. شعرت بدوار قوي، لكنها تمسكت بحامل السيروم كي لا تقلق والدتها. "إلى أين ستذهبين؟" قالت والدتها بفزع: "عليك أن ترتاحي." "أريد رؤيته..." "شكله على حاله لم يتغير، ماذا سترين؟" "سأراه هو..." ابتسمت والدتها بخفوت: "يا لها من فتاة عنيدة... لكن خمس دقائق فقط." هزت أليندا رأسها بالموافقة، وسارت خارج الغرفة، تسحب حاملة السيروم معها. الممرات الطويلة كانت صامتة، والأضواء البيضاء خافتة، لكن قدميها قادتها دون وعي إلى غرفة الإنعاش. وقفت أمام الزجاج، والدموع تنهمر على وجنتيها، لكنها لم تجد الكلمات. وضعت يدها على الزجاج كأنها تلمس وجه والدها، وقالت بتردد: "أبي... أنت... ارجوك، لا تتركني." ثم شعرت بذراع يلتف حول كتفها. نظرت، فوجدت والدتها إلى جانبها. "أمي هل هو حقا يكره وجودي؟" عيني الأم التقطت كل الحزن والألم والخذلان والحيرة في عيني ابنتها الزمرديتين. مسحت الأم يدها على شعرها الأحمر المموج وقالت: "بالطبع لا، كيف لأب أن يكره وجود ابنته؟" "هو ليس أبي... وأنت تعلمين ذلك، لا تحاولي" قالت أليندا بصوت مبحوح "بالطبع هو والدك. ما قاله كان لحظة غضب... لم يقصد." سكتت أليندا لحظة، ثم همست: "ماذا عنك" "ماذا عني... ماذا تقصدين" "هل حقا ندمت على إحضاري؟" سالت دمعة من عين الأم، وقالت باندفاع: "بالطبع لم أندم... كل ما فعلته من أجلك. أرجوكي سامحيني." إبتسمت أليندا إبتسامة مستهزئة: "أسامحك؟ بالطبع سأسامحك كيف لا أسامح والدتي" صمتت قليلا ثم أكملت "من والداي الحقيقيان، أم أنكم أحظرتماني من الميتم دون علم" تغيرت تعابير وجه الأم وترددت قبل أن ترد على سؤال أليندا المؤلم، وقبل أن تقول شئ سمعو صوتا من داخل غرفة الإنعاش نظرتا نحو الغرفة بفزعة "أمي إنه جهاز قياس دقات القلب... لقد إستقام الخط" صدمة الأم وبقيت تحدق في الخط المستقيم دون حراك لكن أليندا بدأت بالصراخ والمنادات على الأطباء "أرجوكم ليساعدنا أحد" دخل الطبيب مسرعا، يتبعه عدد من الممرضين. أُغلق باب غرفة الإنعاش بسرعة، وبقيت أليندا ووالدتها خلف الزجاج، تتابعان ما يحدث بقلوب مرتجفة. وقف الطبيب عند السرير فورا، ونظر إلى جهاز مراقبة نبض القلب حيث كان الخط مستقيما بلا حركة. قال بصوت حازم: "إبدؤوا الإنعاش!" اقترب أحد الممرضين بسرعة وبدأ الإنعاش القلبي الرئوي، يضغط على صدر الرجل بإيقاع سريع ومنتظم. بينما أحضر ممرض آخر جهاز الصدمات الكهربائية ووضع قطبيه على صدره. "ابتعدوا!" قال الطبيب. صدر صوت حاد من الجهاز، وارتجف جسد الرجل للحظة. لكن الخط على الشاشة بقي مستقيما. خلف الزجاج، وضعت أليندا يدها على فمها وهي تبكي بصمت، بينما أمسكت والدتها بذراعها بقوة وكأنها تخشى السقوط. قال الطبيب مرة أخرى: "اشحنوا الجهاز... مرة أخرى!" عاد الصوت الحاد يتردد في الغرفة، واهتز جسده من جديد. مرت ثوان بدت كأنها عمر كامل. ثم... ارتعش الخط على الشاشة فجأة. نبضة. ثم نبضة أخرى. تحول الخط المستقيم إلى موجات صغيرة متقطعة. قال أحد الممرضين بارتياح: "عاد النبض!" تنفست أليندا بعمق، وكأن الهواء عاد إلى صدرها بعد أن حرم منه طويلا. انزلقت دموعها بصمت، لكنها هذه المرة لم تكن دموع انهيار... بل دموع نجاة. أسندت رأسها إلى الزجاج وهمست بصوت مرتجف: "أبي... لا تتركني... ليس الآن." بقيت والدتها واقفة بجانبها، تحدق في الرجل داخل الغرفة، وعيناها ممتلئتان بالدموع والخوف... وبينما كانت أليندا غارقة في دوامة أفكارها، تحدق في وجه والدها خلف الزجاج، تساءلت داخل عقلها: ماذا كان سيحدث لو بقي الخط مستقيما؟ هل كان والدي سيرحل إلى الأبد؟ شعرت بوخزة خفيفة في صدرها، وكأن الفكرة نفسها تؤلمها. لكن فجأة... سمعت صوتا داخل رأسها. "أنت لست منهم." اتسعت عيناها في صدمة. رفعت رأسها بسرعة، ونظرت حولها، لكنها لم تر أحدا. ظنتها مجرد أفكار... أو ربما إرهاق. لكن الصوت عاد مرة أخرى، هذه المرة أوضح: "نحن عائلتك." تجهم وجه أليندا، وتمتمت بخفوت: "أهذا ما يعرف بالتخاطر؟... أعلم جيدا أن هذا ليس صوت أفكاري." في تلك اللحظة، التفتت إليها والدتها بقلق. "ما الأمر يا حبيبتي؟" ارتبكت أليندا قليلا، ثم قالت محاولة إخفاء ارتباكها: "لا شيء... ظننت أنني سمعت شيئا." نظرت إليها والدتها مطولا، وكأنها تحاول قراءة ما يدور في عقلها، ثم أعادت نظرها نحو الرجل داخل غرفة الإنعاش. أما أليندا... فلم تستطع إبعاد ذلك الشعور الغريب. ذلك الصوت... لم يكن مجرد خيال. كان هادئا، عميقا... وكأنه يعرفها منذ زمن. وفجأة همس مرة أخرى داخل عقلها: "اقترب الوقت..." تسارعت دقات قلبها. لكن هذه المرة، لم يكن خوفها من فقدان والدها... بل من شيء آخر... شيء لم تفهمه بعد. مرت الأيام ببطء شديد، وكل يوم يشبه الذي قبله. انتظار قاتل ينهش قلب الفتاة ووالدتها. مجرد لحظة غضب... كانت كافية لتقلب حياتهما رأسا على عقب، وتدخلهما في عالم من القلق والخوف. في اليوم السادس نقل الأب إلى غرفة عادية، بعد أن أخبرهم الطبيب أن حالته لم تعد حرجة. لكن... لم يستفق من غيبوبته. أما أليندا، فلم تفارقه يوما واحدا. كانت تجلس على الكرسي بجانب سريره، ممسكة بيده طوال الوقت، وكأنها تخشى أنه إذا أفلتت يده... سيأخذه الموت منها. مرت أربعة أيام أخرى على هذه الحال. أيام طويلة وثقيلة، لم يتغير فيها شيء... سوى ازدياد التعب في عيني أليندا. وفي اليوم التاسع... عند تمام الساعة العاشرة مساء... حدث أخيرا ما كانت تنتظره. تحركت أصابعه قليلا. رفعت أليندا رأسها فجأة، ظنت للحظة أنها تتوهم من شدة الإرهاق. لكن في اللحظة التالية... فتحت عيناه ببطء تمتمت أليندا وهي تنظر في عينيه غير مصدقة: "أ... أبي؟" في تلك اللحظة انهمرت دموعها كما لم تفعل من قبل. لم تعرف ماذا تفعل... هل تبكي؟ هل تضحك؟ هل تصرخ؟ وقفت فجأة، ثم خرجت مسرعة من الغرفة وهي تصرخ في الممر: "لقد فتح عينيه! أبي... لقد إستيقظ!" سمعتها والدتها التي كانت تجلس على أحد الكراسي في الممر. رفعت رأسها بسرعة، غير مصدقة ما سمعته، ثم أسرعت خلفها نحو الغرفة. عند دخولها... توقفت في مكانها. رأت ابنتها تقف بجانب السرير، واضعة كفيها على وجه والدها بلطف، وكأنها تخشى أن يختفي إن ابتعدت عنه. لكن ما شد انتباهها أكثر... قطرات صغيرة انزلقت من عيني الرجل. دموع. هو... الذي لم تره يبكي يوما. لم تفكر الأم كثيرا، ركضت نحوه بسرعة، أمسكت بيده الأخرى، وانفجرت بالبكاء. امتلأت الغرفة بصمت ثقيل... صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاسهم المرتجفة ودموعهم التي جاءت أخيرا بعد أيام من الخوف. لكن فرحة أليندا لم تدم طويلا. بينما كانت تمسك بيد والدها وتنظر إلى عينيه، عاد ذلك الصوت مرة أخرى داخل رأسها... أوضح هذه المرة... وأقرب. "أنت لا تنتمين إليهم." تجمدت ملامحها فجأة. اتسعت عيناها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها كله. رفعت رأسها ببطء، ونظرت حولها... الغرفة كما هي. والدتها تبكي بجانب السرير. والدها ينظر إليهما بضعف بعد استيقاظه. لا أحد آخر هنا. إذن... من يتحدث؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست بصوت بالكاد يسمع: "من أنت؟" لم يجبها أحد. لكن بعد لحظة قصيرة... عاد الصوت مرة أخرى، أكثر هدوءا... وأكثر غموضا: "اقترب الوقت..." تسارعت دقات قلبها. لم يكن خوفها هذه المرة من فقدان والدها... بل من الحقيقة التي بدأت تقترب منها. كانت تعلم أن ذلك الصوت... ليس سوى بداية الحقيقة التي ستغير حياتها إلى الأبد.