على حافة الهاوية
في العشرين من شهر جولية...
ذلك الشهر الذي لا يمر أبدا كغيره،
الشهر المتعب الذي ننتظر فيه نجاح أحبائنا في شهادة البكالوريا،
أو نسمع فيه شهقات تقطع أنفاسهم بصمت في مكانهم المظلم الخاص.
ليلا، وفي غرفتها،
جلست أليندا تضع يدها على صدرها،
غير مدركة هل تحزن على شهادة البكالوريا التي رسبت فيها وذهب كل تعب سنواتها هباء،
أم على كلمات والدها التي دخلت كالرصاصة في قلبها دون وعي منه.
"لا أظن أنني أحضرتك ودرستك لترسبي..."
"أبي... أرجوك..."
"ليتني لم أحضرك من ذلك الميتم اللعين..."
صدمة...
صمت طويل.
وضعت والدة أليندا يدها على فمها، غير مصدقة ما نطق به زوجها.
السر الذي أخفياه عن أليندا طوال ثمانية عشر عامًا...
ها هو يكشف، وفي أسوأ توقيت ممكن، متى؟ يوم رسوبها.
عم صمت طويل بينهم، كان فيه والد أليندا يوبخ نفسه داخليا، ليس لأنه يؤذيها بكلامه، بل لأنه لا يريد إظهار وجهه الحقيقي أمام زوجته بهذا الأسلوب.
بينما بقيت أليندا تحاول استيعاب العاصفة التي هبت على أذنيها لتو،
هل هي حقًا مستبنات؟ هل هذان ليسا والديها؟
وبينما كان الجميع غارقا في صدمة، الصدمة التي كشفت سرا ليس وقته ولا مكانه أبدا،
تحرك والد أليندا كاسرا ذلك الصمت القاتل بصرير الباب المزعج وهو يغادر المنزل.
نعم، كعادته، فهو لا يتحمل مسؤولية كلامه.
لم تقل والدتها شيئا، وأليندا أيضا لم تفعل، كل ما فعله كل منهما هو الانسحاب: ذهبت أليندا إلى غرفتها وأغلقت الباب على نفسها.
جلست على سريرها، تظم ركبتيها إلى صدرها، وتنحني برأسها عليهما، ودموعها الساخنة تحفر نفقا على وجنتيها.
"ألا يكفيني ألم الرسوب؟"
صمتت قليلا، ثم انهارت بالبكاء وأكملت كلامها بصوت مرتفع:
"لماذا حتى أوجاعي لا أعيشها ككل الناس؟ لماذا ألمي دائما يتضاعف؟"
فجأة، سمعت رنين الهاتف في الممر.
وبينما تحركت والدتها تجاه الهاتف، تلك الأم التي لم تذهب لتحتضنها وتشاركها ألمها رغم سماع صرخاتها، ذهبت الآن نحو الهاتف.
"الو... نعم، هذا هو المنزل، ماذا هناك؟ هل حدث شيء؟"
صمتت قليلا تستمع للجانب الآخر من المكالمة، ثم أطلقت صرخة مدوية، صرخة جعلت أليندا تنسى حزنها وتركض نحو والدتها، لتجدها جالسة على الأرض تصرخ بشكل هستيري.
ركضت نحوها بهلع:
"أمي، أرجوك، ماذا حدث؟ ما الأمر؟"
كسرت والدتها صوت صراخها بصمت مفاجئ، ثم قررت الحديث أخيرا، وما خرج من فمها جعل أليندا تندم أنها طلبت منها الكلام:
"والدك... لقد أصيب في حادث اصطدام، أنت السبب! أنت من جعلته يخرج غاضبا، لو لم نحضرك حقا لكان أفضل."
في تلك اللحظة، لم تعرف أليندا ما الذي يمكنها فعله: الانهيار أم الصمود من أجل ذلك الرجل الذي رباها.
صحيح أنه لم يكن والدها الحقيقي، لكنه لطالما كان سندها.
لم تفكر أليندا في حقيقة مشاعره تجاهها، هل كان يحبها حقا، أم أنه فقط كان يحتاج لوجود طفل؟
كل ما كانت تعرفه أنه والدها، وأن كونها متبناة لا يعني أنه لم يكن أبا لها فهو لم يجعلها يوم تشك في أنها قد متبناة
"أمي، انهضي، أرجوك، علينا الذهاب إلى المستشفى!"
نظرت الأم إلى عيني ابنتها الغارقتين في بحر من الدموع، وضعت كفيها على وجنتيها، تمسح آثار الدموع التي حفرت مجرى على وجهها:
"تعلمين جيدا أنني أحبك... صحيح؟"
هزت أليندا رأسها بالإيجاب، محتسبة دموعها، متوقعة أنها ستحتاجها فيما بعد.
ذهبت الأم مع أليندا إلى المستشفى، أسرعتا إلى جهة الاستقبال، وقيل لهما إن الأب في غرفة العمليات.
ركضتا بفزع في ممرات المستشفى الطويلة، حيث كانت الأضواء البيضاء خافتة، والمستشفى في حالة هدوء، كأن العالم بأسره كان يعزيهما.
توقفت أليندا عند باب الغرفة المغلق، الغرفة التي يتواجد فيها والدها في أسوأ حالاته، تنتظر أي خبر.
جلست تبكي في صمت، بينما انهارت والدتها أرضا، غير قادرة على التظاهر بالقوة وفقدت الوعي.
"ليس كل من نحبهم يبقون…"
جملة سمعتها أليندا ذات يوم، لكنها لم تصدقها.
كانت تؤمن أن الموت فقط هو الرحيل.
لكنها الآن تجلس على مقعد في المستشفى، بجانب الغرفة التي ينام فيها رجل…
لا تستطيع أن تقول عنه إنه والدها، ولا تستطيع إنكار ذلك أيضا.
شعورها بأنها فقدته إلى الأبد،
لكن ليس بالموت…
فقدته وهو لا يزال يتنفس، لا يزال قلبه ينبض.
كانت عيناها معلقتين بالباب المغلق،
باب غرفة كتب عليه بالخط الأحمر: غرفة العمليات.
بينما كانت والدتها مستلقية على نصف الكرسي، ترمش ببطء بعد أن استيقظت من إغمائها.
كان وجهها شاحبا كشمعة ذائبة.
قالت أليندا بصوت خافت:
"أمي… أتظنين أنه سينجو؟"
لم تجبها الأم إلا بعد لحظات،
وكأنها كانت تقنع نفسها أولا بما ستقوله:
"والدك… رجل عنيد… لا يموت بسهولة."
شعرت أليندا بوخزة في صدرها،
ليس بسبب محاولة والدتها طمأنتها، فهي تعلم جيدا أنها تقنع نفسها أولا،
لكن تلك الوخزة كانت من كلمة: والدك.
قبل ساعات فقط…
كانت تشك إن كان والدها حقا.
أما الآن،
فكل ما تتمناه هو أن يخرج من تلك الغرفة حيا.
مرت الدقائق والساعات،
وكان الليل طويلا…
وكأن الوقت استسلم للقدر.
المستشفى باهت، لا صوت فيه سوى خطوات الممرضين،
وأصوات بعض الأجهزة القادمة من بعيد.
رفعت أليندا رأسها نحو الساعة التي كانت تشير إلى الرابعة والنصف صباحا.
فجأة فتح باب الغرفة.
خرج الطبيب ووقف عند الباب، ثم نظر حوله باحثا:
"عائلة السيد…؟"
وقفت أليندا بسرعة حتى كادت تتعثر.
"نحن… نحن عائلته."
نظر الطبيب إليهما بجدية…
ثم قال:
"لقد نجحنا في إيقاف النزيف… لكن حالته ما زالت حرجة."
شعرت أليندا وكأن قلبها توقف للحظة.
بينما نطقت أمها المنهارة:
"هل سيخرج من العملية الآن؟"
قال الطبيب:
"نعم، سننقله إلى غرفة الإنعاش… حتى يستفيق من غيبوبته."
اتسعت عينا أليندا فجأة:
"غيبوبة؟… هل والدي في غيبوبة؟"
وقفت أليندا بجانب والدتها، يدها ممسكة بيدها، كأن لمسة واحدة يمكن أن تمنع قلبها من الانكسار أكثر. حاولت أن تلتقط أنفاسها، لكن الخوف كان يلتهمها من الداخل، وكأن كل ثانية تمر هي عقوبة لا تنتهي.
نظرت عبر زجاج غرفة الإنعاش، الغرفة التي ينام فيها ذلك الرجل… كان أفضل أن تناديه "الرجل" لتفهم حقيقة مشاعرها تجاهه. كان ينام كطفل صغير، فقد برأته… أيفقد الأطفال براءتهم؟ ربما… ولكن ليس جميعهم.
رأت الرجل الذي رباها في أسوأ حالاته، تتساءل: ما ذنبه ليكون مضطرا للنوم في هذا الوضع؟ الأجهزة تحيط به من كل جانب، ودقات قلبه مرسومة على جهاز القياس، خطوطٌ تتلو خطوطًا… علقت عينا أليندا على الخطوط المتموجة، غير قادرة على تحريكها، خائفة من استقامة الخط، خائفة من هشاشة الحياة التي تبدو مرهونة بسطر صغير على شاشة.
باغتها صوت والدتها، يخرجها من بحر أفكارها:
"عزيزتي… لا تفكري، نحن عائلتك… فيما مضى، الآن، وفي المستقبل."
سقطت دموع أليندا، ليس بكلام والدتها المواسي، بل بمعناه. كانت تتأكد أنها ليست منهم حقا، وربما ليس من حقها التواجد في هذا المكان، لكنها لم تستطع تركهم في هذه الحالة، وهي تراهم، وتلوم نفسها لأنها السبب الأول والرئيسي.
شعرت أليندا بالذنب يخترق قلبها… هل كان سيحدث له هذا لو لم تكن موجودة؟ هل كانت السبب في كل شيء؟ دموعها انهمرت بلا توقف، لكنها لم تعد تبكي وحدها؛ كان الألم يختلط بخوف والدتها، ويجعل قلبها يعتصر أكثر فأكثر.
ثم فجأة، شعرت بوخزة غريبة في صدرها، كأن شيئا ما يحاول دفعها للخروج من الواقع. لم تفهم ما هو، لكنها لم تستطع تجاهله. لوهلة، بدا وكأن الزمن توقف عن المرور، الحركة أصبحت أبطأ، والأصوات اختفت عن أذنيها.
فجأة شعرت بشيء آخر… شعور بالانفصال عن المكان، كأن الغرفة نفسها بدأت تتلاشى حولها، وتتكثف في رأسها رؤى أخرى: أبيض، أصوات بعيدة، ضباب وصرخات لا تسمعها إلا هي.
ثم، وأخيرًا، اختفت الرؤية بالكامل، وكل ما كان أمامها ضباب أبيض يحيط بها من كل جانب، بارد وغامض، لا نهاية له… وفقدت الوعي.