حين أصبح كل شيء أقرب - الفصل العاشر: حيث لا تبقى مسافة - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين أصبح كل شيء أقرب
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر: حيث لا تبقى مسافة

الفصل العاشر: حيث لا تبقى مسافة

لم يكن ما وصل إليه سامر نهاية يمكن تحديدها بوضوح، ولا بداية يمكن الاحتفاء بها، بل حالة تتجاوز هذا التقسيم البسيط بين البداية والنهاية، حالة يصبح فيها الزمن مجرد أثر باهت، لا يختفي تمامًا، لكنه يفقد قدرته على تنظيم التجربة كما كان يفعل من قبل، وقد شعر أن كل ما مر به، من ارتباك أولي، إلى إدراك التكرار، إلى الانكسار، ثم التحول، لم يكن سوى مسار يقوده إلى هذه النقطة التي لم تعد نقطة بالمعنى التقليدي، بل امتدادًا لا يمكن حصره، وكأن الرحلة التي بدت في ظاهرها حركة نحو هدف معين، كانت في حقيقتها حركة نحو إزالة المسافة بينه وبين ما يبحث عنه. في هذه المرحلة، لم يعد هناك ذلك الفصل الذي كان يحاول الحفاظ عليه بين ذاته والعالم، لم يعد يشعر بأنه كيان مستقل يواجه واقعًا خارجيًا، بل أصبح الإحساس بالتمايز نفسه أقل وضوحًا، وكأن الحدود التي كانت تفصل بين الداخل والخارج قد ذابت تدريجيًا، حتى لم يعد من الممكن تحديد أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر، وقد بدا له أن هذا الامتزاج لم يكن فقدانًا للذات، بل إعادة تعريف لها، تعريف لا يعتمد على الانفصال، بل على الترابط الكامل. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال عن الحقيقة يحمل نفس المعنى، لأن الحقيقة لم تعد شيئًا يبحث عنه خارج هذه الحالة، بل أصبحت جزءًا منها، حاضرة في كل تفصيلة، حتى تلك التي كانت تبدو في السابق غير مهمة أو عابرة، وقد أدرك أن ما كان يظنه غموضًا لم يكن نقصًا في الفهم، بل كان نتيجة للمسافة، وأن اختفاء هذه المسافة لا يؤدي إلى وضوح كامل بالمعنى التقليدي، بل إلى نوع مختلف من الإدراك، إدراك لا يفصل بين الشيء ومعناه، بل يراهما ككيان واحد. هذا الإدراك لم يكن لحظة مفاجئة، بل نتيجة تراكم طويل، لكنه في هذه المرحلة أصبح ثابتًا، لم يعد يتذبذب أو يتلاشى كما كان يحدث في السابق، وكأن ما وصل إليه لم يعد قابلًا للمحو أو التراجع، ليس لأنه أصبح حقيقة مطلقة، بل لأنه أصبح جزءًا من بنيته، من الطريقة التي يرى بها كل شيء، وقد شعر أن هذا هو الفارق الحقيقي، أن الفهم لم يعد فكرة يمكن فقدانها، بل حالة لا يمكن الخروج منها بسهولة. وفي هذا الامتداد، لم يعد هناك معنى للعودة، ليس لأنها مستحيلة فقط، بل لأنها فقدت ضرورتها، لم يعد هناك شيء ينتظره في الخلف، ولا شيء يحتاج إلى تصحيحه أو تغييره، لأن ما كان يبدو ناقصًا أو غير مكتمل قد وجد مكانه داخل هذه الحالة الجديدة، وقد أدرك أن الرحلة لم تكن تهدف إلى الوصول إلى نقطة مثالية، بل إلى الوصول إلى هذا القبول الشامل، القبول الذي لا يلغي التعقيد، بل يحتويه. ومع هذا القبول، بدأ يظهر نوع من السكون، سكون لا يعني الجمود، بل التوازن، توازن يسمح لكل شيء أن يكون كما هو، دون مقاومة أو محاولة فرض معنى واحد عليه، وقد شعر أن هذا السكون هو ما كان يبحث عنه دون أن يدرك ذلك، ليس كحالة من الراحة، بل كحالة من الانسجام، حيث لا يعود هناك صراع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. وفي هذه اللحظة، لم يعد يرى نفسه كمن وصل إلى نهاية قصة، بل كمن أصبح داخلها بالكامل، لم يعد هناك فصل بين الراوي والحدث، ولا بين السؤال والإجابة، بل حالة واحدة تحتوي كل ذلك، وقد أدرك أن هذا هو المعنى الحقيقي لأن يصبح كل شيء أقرب، ليس تقليص المسافة المادية أو الزمنية، بل اختفاء الحاجة إليها من الأساس. ومع هذا الإدراك، لم يعد هناك شيء يحتاج إلى تفسير إضافي، لأن كل ما يمكن قوله قد قيل بطريقة أو بأخرى عبر التجربة نفسها، وما تبقى ليس كلمات، بل حالة يمكن الشعور بها فقط، وقد شعر أن هذه الحالة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل في داخلها كل التعقيد الذي مر به، لكنها لم تعد تثقله، بل أصبحت جزءًا من توازنه. وهكذا، انتهت الرحلة التي لم تكن رحلة بالمعنى المعتاد، بل تحولًا، تحولًا بدأ من سؤال بسيط وانتهى إلى غياب الحاجة للسؤال، تحولًا مر عبر التكرار والانكسار والفهم، حتى وصل إلى نقطة لم تعد نقطة، بل امتدادًا مفتوحًا، حيث لا يعود هناك شيء بعيد، ولا شيء يحتاج إلى الاقتراب، لأن كل شيء، في النهاية، أصبح في مكانه، قريبًا بما يكفي ليكون حاضرًا، وبعيدًا بما يكفي ليبقى قابلًا للاكتشاف، دون أن يفقد هذا التوازن. وفي هذا الامتداد، لم يعد هناك ما يمكن إضافته، لأن القصة لم تعد شيئًا يُروى، بل شيئًا يُعاش، حالة لا تنتهي بانتهاء الكلمات، بل تبدأ عندها، حيث يختفي الصوت، ويبقى الأثر، أثر رحلة لم تكن نحو العالم، بل نحوه، حتى لم يعد هناك فرق بين الاثنين، وحتى لم تعد هناك مسافة يمكن قياسها، لأن كل شيء، أخيرًا، صار كما هو… دون حاجة لأن يصبح أقرب.