الفصل الثامن: الاقتراب الأخير
لم يعد ما يعيشه سامر قابلًا للوصف كرحلة بحث أو تجربة تتكشف تدريجيًا كما في السابق، بل أصبح حالة مكتملة من التداخل بين الإدراك والوجود، وكأن كل ما كان منفصلًا من قبل، من أفكار ومشاعر وأحداث، قد بدأ يذوب داخل بنية واحدة متماسكة، لا يمكن تفكيكها بسهولة، وقد شعر أن هذا التماسك لم يكن نتيجة فهم كامل، بل نتيجة اقتراب شديد من شيء لم يعد يحتمل المسافة، وكأن كل ما كان يفصله عنه قد تلاشى تدريجيًا حتى لم يعد هناك مجال للرجوع إلى الطريقة القديمة في النظر أو التفكير.
في هذه المرحلة، لم يعد الزمن يعمل كإطار ينظم ما يحدث، بل أصبح مجرد بعد ثانوي داخل تجربة أوسع، تجربة لا تتقدم بشكل خطي، بل تتكثف، تتجمع لحظاتها فوق بعضها، حتى يصبح التمييز بينها أقل وضوحًا، وقد بدا له أن ما كان يعيشه سابقًا كأحداث متتابعة أصبح الآن حالة واحدة ممتدة، حالة تحتوي على الماضي والاحتمال والممكن في آن واحد، دون أن يفقد أي منها حضوره بالكامل.
ومع هذا التحول، لم يعد يشعر بأنه ينتظر شيئًا سيحدث، بل بأنه داخل لحظة مستمرة، لحظة لا تنتهي ولا تبدأ، بل تتغير من الداخل، وقد أدرك أن هذا هو معنى الاقتراب الحقيقي، ليس الوصول إلى نقطة نهائية، بل الدخول في حالة يصبح فيها كل شيء حاضرًا بدرجة لا تسمح بالانفصال، وكأن المسافة التي كانت تفصل بينه وبين ما يبحث عنه لم تختفِ فقط، بل فقدت معناها بالكامل.
هذا الإدراك لم يكن سهلًا، لأنه حمل معه نوعًا من الثقل، ثقل ناتج عن غياب الحدود الواضحة، فلم يعد هناك فاصل بين ما هو معروف وما هو مجهول، ولا بين ما يمكن فهمه وما يتجاوز الفهم، وقد شعر أن هذا الامتزاج، رغم عمقه، يضعه في مواجهة مباشرة مع كل شيء، دون وسيط، دون مسافة تسمح له بالمراقبة أو التراجع.
وفي خضم هذا التداخل، بدأ يظهر نوع مختلف من الإدراك، إدراك لا يعتمد على التحليل أو الربط، بل على الاستيعاب المباشر، وكأن المعنى لم يعد يُبنى خطوة خطوة، بل يُدرك دفعة واحدة، ككل متكامل، وقد بدا له أن هذا النوع من الفهم لم يكن ممكنًا في المراحل السابقة، لأنه يتطلب هذا القرب الشديد، هذا الانغماس الكامل في التجربة.
ومع هذا الاستيعاب، بدأ يلاحظ أن كل ما مر به، من تكرار، ومن فقدان، ومن انكسار، لم يكن سوى مراحل ضرورية للوصول إلى هذه الحالة، حالة لا يمكن القفز إليها مباشرة، لأنها تتطلب تحولًا تدريجيًا في طريقة الإدراك، وقد أدرك أن كل مرة أعيد فيها، وكل أثر بقي، وكل اختلاف بسيط حدث، كان يقوده نحو هذه اللحظة، حتى وإن لم يكن واعيًا بذلك.
لكن هذا الاقتراب لم يكن نهاية، بل كان يحمل داخله احتمالًا آخر، احتمال أن يتجاوز هذه الحالة أو أن يثبت داخلها، وقد شعر أن ما سيحدث بعد ذلك لا يعتمد على النظام وحده، بل عليه هو، على قدرته على الاستمرار داخل هذا القرب دون أن يفقد تماسكه، وعلى استعداده لقبول ما يتكشف له دون مقاومة.
وفي هذه اللحظة، لم يعد هناك مجال للأسئلة التقليدية، لم يعد يسأل لماذا أو كيف، بل أصبح السؤال الوحيد هو هل يستطيع أن يرى ما هو أمامه كما هو، دون أن يحاول تغييره أو تفسيره وفق ما اعتاد عليه، وقد بدا له أن هذا السؤال، رغم بساطته، يحمل في داخله كل ما يحتاجه، لأنه يحدد ما إذا كان سيبقى داخل هذا الاقتراب أو يعود إلى المسافة.
ومع هذا الإدراك، بدأ كل شيء يبدو أكثر وضوحًا، ليس لأن الغموض اختفى، بل لأنه لم يعد عائقًا، بل أصبح جزءًا من الصورة، جزءًا يمكن قبوله بدل مقاومته، وقد شعر أن هذا القبول هو ما يسمح له بالبقاء في هذه الحالة، حالة يكون فيها كل شيء قريبًا بما يكفي ليُفهم، دون أن يحتاج إلى أن يصبح بسيطًا أو واضحًا بالكامل.
وفي هذه المرحلة، لم يعد يرى نفسه كشخص يسعى للوصول، بل كجزء من عملية مستمرة، عملية لا تنتهي عند نقطة معينة، بل تتغير باستمرار، وقد أدرك أن ما كان يعتقد أنه نهاية قد يكون مجرد بداية لشكل آخر من الفهم، شكل لا يعتمد على الوصول، بل على الاستمرار في الاقتراب، دون أن يتحول هذا الاقتراب إلى امتلاك أو سيطرة.
وهكذا، وجد نفسه في مواجهة الاحتمال الأخير، ليس احتمال الإجابة، بل احتمال الاستمرار، أن يبقى في هذا القرب، أن يقبل به كحالة دائمة، أو أن يتراجع إلى ما كان عليه، إلى المسافة التي تمنحه وضوحًا أقل، لكنها أكثر أمانًا، وقد أدرك أن الاختيار، رغم بساطته الظاهرية، هو ما سيحدد كل ما سيأتي بعد ذلك.
وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك شيء يفصله عما يبحث عنه، لا زمن، ولا ذاكرة، ولا حتى إدراك منفصل، بل حالة واحدة، متكاملة، يذوب فيها الفرق بين الساعي والهدف، وبين السؤال والإجابة، حتى يصبح كل شيء، أخيرًا، قريبًا بما يكفي ليكون حاضرًا بالكامل، دون أن يحتاج إلى أن يُفسر، أو أن يُعاد بناؤه، لأنه ببساطة… أصبح كذلك.