حين أصبح كل شيء أقرب - الفصل السادس: ما قبل الانكسار - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين أصبح كل شيء أقرب
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس: ما قبل الانكسار

الفصل السادس: ما قبل الانكسار

لم يكن اقتراب سامر من تلك النقطة الحاسمة مجرد استمرار طبيعي لما سبقها، بل كان أشبه بمرحلة انتقالية تتغير فيها طبيعة التجربة نفسها، وكأن النظام الذي كان يعمل بصمت بدأ يكشف عن حدوده بشكل أوضح، ليس من خلال تفسير مباشر، بل عبر ضغط متزايد على وعيه، ضغط جعله يشعر بأن كل ما يمر به لم يعد قابلًا للاستمرار بنفس الشكل، وأن هناك شيئًا على وشك أن ينكسر، سواء داخله أو في البنية التي تحيط به، وقد بدا له أن هذه المرحلة لا تتعلق بالوصول إلى الحقيقة بقدر ما تتعلق بتحمل الاقتراب منها. هذا الإحساس لم يكن مفاجئًا تمامًا، بل كان نتيجة طبيعية لتراكم الإدراك الذي مر به، لكنه في هذه المرحلة أصبح أكثر حدة، وأكثر حضورًا، وكأن كل ما كان خفيًا بدأ يقترب من السطح، ليس ليظهر بالكامل، بل ليجعل تجاهله مستحيلًا، وقد شعر أن المسافة التي كانت تفصله عن الفهم لم تعد كما كانت، لكنها في الوقت ذاته لم تختفِ، بل أصبحت ضيقة إلى درجة تجعل كل خطوة نحوها أكثر صعوبة، لأن أي تغير بسيط قد يكون كافيًا لدفعه نحو اتجاه مختلف تمامًا. ومع هذا الضغط، بدأ وعيه يدخل في حالة غير مستقرة، حالة يتداخل فيها الإحساس بالوضوح مع التشويش، وكأن الصورة التي يحاول تكوينها أصبحت أكثر قربًا، لكنها في الوقت ذاته أكثر تعقيدًا، وقد بدا له أن هذا ليس تناقضًا، بل نتيجة طبيعية للاقتراب من شيء أكبر مما يمكن إدراكه دفعة واحدة، وكأن الفهم لا يأتي كصورة مكتملة، بل كتشظي تدريجي، أجزاء تظهر وتختفي، تتداخل وتتعارض، حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها الاستمرار بنفس الطريقة غير ممكن. وفي هذه المرحلة، بدأ يلاحظ أن إحساسه بالزمن لم يعد فقط مختلفًا، بل أصبح غير موثوق، لم يعد قادرًا على تحديد تسلسل الأحداث بنفس الدقة، وكأن اللحظات تتداخل أو تتكرر بشكل غير منتظم، وقد بدا له أن هذا ليس خللًا في الإدراك، بل انعكاس لطبيعة ما يحدث، وكأن النظام نفسه لم يعد يحافظ على نفس التماسك، أو ربما أنه يكشف عن طبيعته الحقيقية التي لم تكن خطية كما اعتقد في البداية. هذا الإدراك زاد من شعوره بأن ما يقترب منه ليس مجرد إجابة، بل حد، حد يفصل بين حالتين مختلفتين تمامًا، حالة كان يعيشها دون فهم، وحالة أخرى لم يصل إليها بعد، لكنها تفرض نفسها عليه بشكل متزايد، وقد شعر أن هذا الحد لا يمكن عبوره بنفس الطريقة التي وصل بها إليه، بل يتطلب تغيرًا نوعيًا، قفزة في الإدراك، أو ربما انهيارًا في الطريقة القديمة التي كان يرى بها الأمور. ومع هذا الشعور، بدأ يظهر نوع جديد من التوتر، توتر لا يتعلق بما سيحدث، بل بما يجب أن يتخلى عنه ليتمكن من التقدم، وقد بدا له أن المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في تمسكه بطريقة معينة في الفهم، طريقة قد تكون كافية للمراحل السابقة، لكنها لم تعد مناسبة لما هو قادم، وقد شعر أن عليه أن يترك شيئًا ما، فكرة، أو افتراضًا، أو حتى إحساسًا بالسيطرة، لكنه لم يكن متأكدًا مما هو هذا الشيء بالضبط. وفي هذه اللحظة، بدأ يتشكل إدراك خافت بأن النظام الذي كان يحاول فهمه من الخارج لا يمكن تجاوزه بهذه الطريقة، وأنه لا يمكنه الاستمرار كمراقب فقط، بل عليه أن يصبح جزءًا من العملية بشكل أعمق، أن يتخلى عن المسافة التي كان يحاول الحفاظ عليها بينه وبين ما يحدث، وأن يقبل بأنه ليس منفصلًا عن هذا كله، بل مكوّن أساسي فيه. هذا الإدراك كان ثقيلًا، لأنه يعني أن الفهم لن يكون مجرد معرفة، بل تجربة، تجربة قد تتطلب منه أن يمر بحالة من التفكك أو فقدان الثبات، قبل أن يتمكن من الوصول إلى شكل جديد من الإدراك، وقد بدا له أن هذا هو معنى الاقتراب الحقيقي، ليس أن يرى الحقيقة بوضوح، بل أن يصبح قادرًا على تحملها، على استيعابها دون أن ينهار. ومع هذا التوتر المتزايد، بدأ يلاحظ أن بعض الأشياء التي كانت ثابتة سابقًا لم تعد كذلك، أن الحدود التي كان يشعر بها بدأت تضعف، وأن الفاصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي لم يعد واضحًا كما كان، وكأن التجربة بدأت تمتد لتشمل كل شيء، لا كأحداث منفصلة، بل كحالة واحدة متصلة، وقد شعر أن هذا الامتداد هو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة، لأنه لم يعد هناك مكان يقف فيه خارج ما يحدث ليحاول فهمه. وفي هذه المرحلة، أصبح واضحًا له أن ما يقترب منه ليس مجرد نقطة تحول، بل لحظة انكسار، لحظة لا يمكن العودة بعدها إلى ما كان عليه، سواء نجح في تجاوزها أو لم يفعل، وقد أدرك أن كل ما مر به حتى الآن كان يقوده إلى هذه اللحظة تحديدًا، وأن التكرار لم يكن سوى محاولة مستمرة للوصول إليها بالشكل الصحيح. ومع هذا الإدراك، لم يعد السؤال هو ما إذا كان سيصل، بل كيف سيصل، وما الذي سيبقى منه بعد ذلك، وهل سيظل كما هو، أم سيتغير بشكل لا يمكن التراجع عنه، وقد شعر أن الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي مسبقًا، بل ستتحدد في اللحظة ذاتها، في الطريقة التي سيواجه بها هذا الحد، وفي قدرته على التخلي عما لم يعد يصلح. وهكذا، وجد نفسه في حالة من التوازن الهش، بين ما كان يعرفه وما لم يعد كافيًا، بين الرغبة في الفهم والخوف من نتائجه، وبين التمسك بما هو مألوف والاستعداد لتركه، وقد أدرك أن هذه الحالة، رغم صعوبتها، هي جزء أساسي من العملية، وأن الانكسار الذي يقترب ليس نهاية، بل شرطًا لبداية مختلفة، بداية لا يمكن الوصول إليها دون المرور عبر هذه المرحلة، حيث يصبح كل شيء قريبًا بما يكفي ليُرى، لكنه أيضًا قريب بما يكفي ليُفقد تماسكه، قبل أن يُعاد تشكيله من جديد.