الفصل الرابع: النظام الذي لا يُرى
لم يعد ما يمر به سامر مجرد تجربة غامضة يمكن وضعها في إطار الحيرة أو القلق، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى إدراك بوجود بنية خفية تحكم كل ما يحدث، بنية لا تظهر بشكل مباشر، لكنها تتجلى في تكرار الأنماط، وفي الحدود التي لا يستطيع تجاوزها مهما حاول، وفي ذلك الشعور المستمر بأن كل شيء محسوب بدقة، حتى الفوضى ذاتها تبدو وكأنها جزء من ترتيب أعمق، وقد أصبح واضحًا له أن ما يواجهه ليس خللًا عشوائيًا في الزمن أو الذاكرة، بل نظام قائم بذاته، يعمل وفق قواعد محددة، حتى وإن لم تكن هذه القواعد مفهومة بالكامل بعد.
ومع هذا التحول في الفهم، بدأ وعيه يتجه نحو ملاحظة العلاقات بدل الأحداث، فلم يعد يسأل عما يحدث فقط، بل كيف يرتبط بما سبقه، وما الذي يؤدي إليه، وقد لاحظ أن التكرار لا يعيد كل شيء كما هو، بل يعيد النقاط الأساسية فقط، بينما تظل التفاصيل قابلة للتغير، وكأن هناك هيكلًا ثابتًا تُعاد بناؤه في كل مرة، مع ترك مساحة للتعديل داخل حدوده، وقد بدا له أن هذه المساحة هي ما يمنحه القدرة على الاقتراب، لأنها تسمح بحدوث اختلاف، حتى لو كان ضئيلًا.
هذا الإدراك لم يكن نظريًا فحسب، بل كان مصحوبًا بإحساس واضح بأن بعض اللحظات تحمل وزنًا أكبر من غيرها، وكأنها نقاط محورية في هذا النظام، نقاط إذا تغيرت، تغير كل شيء بعدها، وإذا بقيت كما هي، استمر المسار نفسه، وقد بدأ يشعر بأنه يقترب من واحدة من هذه النقاط، ليس لأنه يعرف مكانها أو شكلها، بل لأنه بدأ يلاحظ كيف تتجمع حولها التفاصيل، وكيف يتكثف الإحساس بالترقب كلما اقترب منها.
وفي هذه المرحلة، لم يعد النسيان يبدو كعائق كما كان في البداية، بل كآلية ضرورية، وكأن النظام يمنع الاحتفاظ بالمعلومات الكاملة ليس لإضعافه، بل لتوجيهه، ليجبره على الاعتماد على ما يتبقى، على الأثر بدل الذكرى، وعلى التغير بدل الاسترجاع، وقد أدرك أن محاولة مقاومة هذا النسيان بشكل مباشر قد لا تكون مجدية، لأن المشكلة لا تكمن في فقدان المعلومات، بل في كيفية استخدام ما يتبقى منها.
ومع هذا الفهم، بدأ يتعامل مع التجربة بطريقة مختلفة، فلم يعد يحاول تذكر كل شيء، بل أصبح يركز على ملاحظة الأنماط، على تلك التكرارات الصغيرة التي تبدو غير مهمة في الظاهر، لكنها تحمل دلالات أعمق، مثل توقيت معين يتكرر، أو إحساس يظهر في لحظة محددة، أو حتى طريقة معينة يتشكل بها الحدث قبل أن يكتمل، وقد بدا له أن هذه الأنماط هي اللغة التي يتحدث بها هذا النظام، وأن فهمها قد يكون أقرب طريق لفهمه.
ومع مرور الوقت، بدأ يلاحظ أن هذه الأنماط ليست منفصلة، بل مترابطة، وكأنها أجزاء من شبكة أكبر، شبكة تمتد عبر كل ما يعيشه، وتربط بين اللحظات التي تبدو غير مرتبطة، وقد شعر أن هذه الشبكة ليست خارجية فقط، بل تمتد داخله أيضًا، في طريقة تفكيره، وفي إحساسه، وفي استجاباته، وكأن الخط الفاصل بينه وبين هذا النظام بدأ يتلاشى تدريجيًا.
هذا الإدراك قاده إلى فكرة أكثر عمقًا، وهي أنه قد لا يكون مجرد مراقب أو ضحية لما يحدث، بل جزء منه، عنصر داخل هذا النظام، يتأثر به ويؤثر فيه في الوقت ذاته، وقد كان هذا الاحتمال مقلقًا بقدر ما كان منطقيًا، لأنه يعني أن الحل لا يكمن في الهروب أو الفهم الخارجي، بل في التغير الداخلي، في إعادة تشكيل نفسه بطريقة تتماشى مع هذا النظام أو تتجاوزه.
ومع هذا التفكير، بدأ يظهر سؤال جديد، سؤال لم يكن مطروحًا من قبل، وهو ما إذا كان هذا النظام له هدف، وإذا كان كذلك، فما هو، وهل هذا التكرار مجرد وسيلة للوصول إلى نتيجة معينة، أم أنه غاية بحد ذاته، وقد بدا له أن الإجابة لا يمكن أن تكون بسيطة، لأن كل ما يراه يشير إلى أن ما يحدث ليس عبثيًا، بل موجّه، حتى وإن لم يكن واضحًا من الذي يوجهه أو لماذا.
وفي تلك اللحظة، بدأ يتشكل إدراك خافت بأن هناك شيئًا ينتظره في نهاية هذا المسار، شيء لا يمكن الوصول إليه إلا بعد عدد معين من المحاولات، أو بعد تحقق شروط معينة، وقد شعر أن اقترابه المستمر ليس عشوائيًا، بل نتيجة تراكم، وأن كل مرة يمر بها تضيف جزءًا، حتى وإن لم يدرك ذلك مباشرة، وأن هذه الأجزاء، رغم تشتتها، تتجمع ببطء لتكوّن صورة كاملة في النهاية.
ومع هذا الشعور، بدأ التوتر يتحول إلى تركيز، لم يعد يخشى ما يحدث بقدر ما أصبح يراقبه، يحاول التقاط كل تفصيلة، كل اختلاف، كل لحظة يشعر فيها بأن الأمور تنحرف قليلًا عن المسار المعتاد، لأنه أدرك أن هذه الانحرافات الصغيرة قد تكون أهم ما في التجربة، لأنها تمثل نقاط الاختيار، أو على الأقل نقاط التأثير.
وقد أصبح واضحًا له أن هناك حدودًا لا يمكنه تجاوزها بسهولة، حدود تعيده إلى البداية إذا اقترب منها أكثر مما ينبغي، وكأن النظام يحمي نفسه من الانهيار، أو يحافظ على توازنه، لكن داخل هذه الحدود، توجد مساحة للحركة، مساحة يمكنه استغلالها إذا فهمها جيدًا، وقد بدأ يشعر أن هذه المساحة، رغم ضيقها، كافية لإحداث فرق حقيقي، إذا استخدمت بالشكل الصحيح.
ومع تعمقه في هذا الفهم، بدأ الإحساس بالاقتراب يتغير مرة أخرى، لم يعد مجرد شعور داخلي، بل أصبح مرتبطًا بإدراك حقيقي بأن هناك بنية يمكن فهمها، وأن ما يبدو غامضًا الآن قد يصبح واضحًا لاحقًا، إذا استمر في ملاحظة هذه الأنماط، وفي التكيف مع هذا النظام بدل مقاومته بشكل أعمى.
وفي تلك اللحظة، لم يعد يرى نفسه كشخص عالق في تكرار بلا معنى، بل كجزء من عملية معقدة، عملية تتطلب وقتًا، وصبرًا، وتغيرًا تدريجيًا، حتى يصل إلى النقطة التي يصبح فيها كل شيء أقرب، ليس فقط بمعنى المسافة، بل بمعنى الفهم، حيث تختفي الفجوة بين ما يعيشه وما يدركه، ويتحول الغموض إلى وضوح، ولو جزئي، لكنه كافٍ لتغيير كل شيء.
وهكذا، بدأ يتشكل أول إدراك حقيقي لديه، وهو أن النظام الذي لا يُرى ليس عدوًا بالضرورة، بل قد يكون الطريق ذاته، الطريق الذي يجب أن يمر به، خطوة بعد خطوة، حتى يصل إلى ما ينتظره في نهايته، أو في مركزه، حيث لا تعود المسافة قابلة للقياس، لأن كل شيء يصبح قريبًا بما يكفي ليُفهم، أو ليُكشف.