الفصل الثالث: ما الذي يتذكره الجسد
لم يكن التغير الذي بدأ يتشكل داخل سامر مجرد تحول فكري يمكن تتبعه بسهولة عبر الأفكار والاستنتاجات، بل كان شيئًا أعمق وأكثر تعقيدًا، وكأنه يحدث على مستوى لا يصل إليه الوعي المباشر، مستوى يرتبط بالإحساس ذاته، بطريقة استجابة الجسد قبل العقل، وبذلك الشعور الغامض الذي يسبق الإدراك ويقوده دون أن يفسره، وقد بدأ يلاحظ أن ردود أفعاله لم تعد عفوية بالكامل كما كانت، بل تحمل دقة غير معتادة، وكأن جزءًا منه يعرف ما سيحدث قبل أن يحدث، أو على الأقل يعرف كيف يتعامل معه دون تردد.
هذا الإحساس لم يكن مريحًا كما قد يُظن، بل كان يثير داخله نوعًا من القلق الهادئ، القلق الذي لا يعتمد على خطر واضح، بل على إدراك أن هناك شيئًا يتغير دون أن يملك السيطرة عليه، وقد بدا له أن جسده يحتفظ بذاكرة لا يملكها وعيه، ذاكرة لا تُخزن على شكل صور أو كلمات، بل على شكل أنماط، حركات، إحساس بالاتجاه، وتوقعات غير معلنة، وكأن التجارب التي نُزعت من ذاكرته لم تختفِ بالكامل، بل ترسبت في مكان آخر، مكان لا يمكنه الوصول إليه مباشرة، لكنه يظهر في اللحظات الحاسمة.
ومع هذا الإدراك، بدأ يلاحظ أن بعض الأشياء لم تعد تحتاج إلى تفكير، مثل الطريقة التي يلتفت بها نحو صوت معين قبل أن يدرك مصدره، أو إحساسه بأن شيئًا ما سيحدث في لحظة محددة، أو حتى تلك الراحة الغريبة التي شعر بها في أماكن لم يكن يعرفها من قبل، وقد أدرك أن هذه ليست مصادفات، بل آثار، آثار تركتها محاولات سابقة، حتى وإن لم يستطع تذكرها، وأن هذه الآثار، رغم ضعفها، تتراكم ببطء لتشكل نوعًا من المعرفة غير المباشرة.
وفي تلك اللحظة، بدأ مفهوم التكرار يتغير في ذهنه، فلم يعد مجرد إعادة لنفس الأحداث، بل عملية تعلم بطيئة، تعلم لا يحدث في الوعي، بل في الطبقات الأعمق، وكأن كل مرة يمر بها تضيف شيئًا، حتى وإن بدا له أنه يبدأ من جديد، وقد بدا له أن هذا هو السبب في شعوره المستمر بالاقتراب، ليس لأنه يقترب زمنيًا، بل لأنه يتغير تدريجيًا، حتى يصبح قادرًا على رؤية ما لم يكن يراه من قبل.
ومع تعمقه في هذا التفكير، بدأ يطرح على نفسه سؤالًا مختلفًا، سؤالًا لا يتعلق بما يحدث، بل بما يبقى، ما الذي ينجو من هذا المحو المتكرر، وما الذي يُفقد، ولماذا، وقد أدرك أن ما يُمحى ليس عشوائيًا، بل يبدو وكأنه الجزء الذي يمكن أن يربكه أو يبطئ تقدمه، بينما يبقى ما هو ضروري للاستمرار، حتى وإن كان هذا الضروري غير كافٍ للفهم الكامل.
هذا الإدراك قاده إلى فكرة أكثر تعقيدًا، وهي أن النسيان نفسه قد لا يكون عيبًا في النظام، بل جزءًا منه، أداة تُستخدم لإعادة ضبطه، ولمنع تراكم معلومات قد تعيق الوصول إلى الهدف، وكأن العملية لا تهدف إلى التذكر، بل إلى التغير، لا إلى حفظ الماضي، بل إلى تشكيل استجابة جديدة في كل مرة، استجابة أقرب إلى ما هو مطلوب.
وفي هذه النقطة تحديدًا، بدأ يشعر بشيء يشبه المقاومة، ليس مقاومة واعية، بل إحساس داخلي بأنه لا يريد أن يكون مجرد جزء من هذه العملية، وأن هناك شيئًا في داخله يرفض فكرة أن يتم تشكيله دون أن يفهم لماذا، وقد كان هذا الإحساس ضعيفًا في البداية، لكنه بدأ يزداد وضوحًا مع كل لحظة، وكأنه رد فعل طبيعي لمحاولة استعادة السيطرة، حتى وإن لم يكن يعرف كيف يفعل ذلك.
ومع هذا التوتر الداخلي، أصبح أكثر انتباهًا لأي اختلاف، لأي تفصيلة لا تتطابق مع ما يتوقعه، وقد بدأ يلاحظ أن بعض الأشياء لا تتغير بين مرة وأخرى، بينما تتغير أشياء أخرى بشكل طفيف، وكأن هناك عناصر ثابتة في هذا العالم، وأخرى مرنة، قابلة للتعديل، وقد أدرك أن فهم الفرق بينهما قد يكون مفتاحًا مهمًا، لأن ما لا يتغير قد يكون أساسًا، بينما ما يتغير قد يكون نتيجة، أو أداة.
ومع استمرار هذا الإدراك، بدأ يتكون لديه شعور بأن الجسد، بطريقة ما، يقوده، ليس لأنه يعرف كل شيء، بل لأنه يحمل بقايا كل ما مر به، حتى وإن لم يستطع التعبير عنها، وقد بدأ يعتمد على هذا الإحساس بشكل متزايد، يتبع تلك الدفعات الصغيرة التي توجه انتباهه، أو تجعله يتوقف عند نقطة معينة، أو تمنحه إحساسًا مفاجئًا بالخطر أو الأمان، دون سبب واضح.
هذا التحول لم يكن سهلًا، لأنه تطلب منه أن يتخلى جزئيًا عن اعتماده الكامل على التفكير المنطقي، وأن يقبل بفكرة أن الفهم لا يأتي دائمًا من التحليل، بل أحيانًا من الإحساس، من التكرار، من التجربة التي لا تُفسر، لكنها تُعاش مرارًا حتى تترك أثرها، وقد كان هذا القبول بحد ذاته خطوة نحو التغير، خطوة جعلته أقرب إلى التكيف مع ما يحدث، حتى وإن لم يفهمه بالكامل.
ومع مرور الوقت، بدأ هذا الإحساس بالاقتراب يتخذ شكلًا أوضح، لم يعد مجرد فكرة عامة، بل أصبح مرتبطًا بلحظات محددة، لحظات يشعر فيها بأن كل شيء يتقارب، أن الأحداث، الأفكار، والإحساس ذاته، تصطف بطريقة تجعله يرى نمطًا خفيًا، نمطًا لم يكن قادرًا على إدراكه من قبل، وكأن الصورة، رغم أنها لا تزال غير مكتملة، بدأت تتشكل تدريجيًا.
وفي تلك اللحظات، كان يشعر بأن المسافة التي تفصله عن الحقيقة لم تعد كما كانت، وأنه، رغم كل ما يُمحى من ذاكرته، يقترب فعلًا، ليس بخطوات واضحة، بل بتغير داخلي مستمر، تغير يجعله مختلفًا في كل مرة، حتى لو بدا له أنه يعود إلى نفس النقطة، وقد أدرك أن هذا الاختلاف، مهما كان صغيرًا، هو ما يصنع الفرق، وهو ما يمنع هذه الدورة من أن تكون مجرد تكرار بلا معنى.
وهكذا، بدأ يفهم، ولو بشكل جزئي، أن ما يتذكره الجسد قد يكون أهم مما يتذكره العقل، وأن الحقيقة التي يبحث عنها قد لا تكون شيئًا يمكن استرجاعه فجأة، بل شيئًا يُبنى ببطء، عبر طبقات من التجربة، حتى يصل إلى نقطة يصبح فيها الفهم ليس مجرد فكرة، بل حالة كاملة، حالة لا يمكن محوها بسهولة، لأنها لم تعد موجودة فقط في الذاكرة، بل في الكيان كله.