حين أصبح كل شيء أقرب - الفصل الثاني: أثر لا يختفي - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين أصبح كل شيء أقرب
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: أثر لا يختفي

الفصل الثاني: أثر لا يختفي

لم يكن ما شعر به سامر في تلك الليلة مجرد ارتباك عابر يمكن تفسيره بالإرهاق أو المصادفة، بل كان إحساسًا متراكمًا يتسلل إلى وعيه ببطء وثبات، كما لو أن عقله بدأ يلتقط إشارات لم يكن مهيأً لاستقبالها من قبل، وكأن هناك طبقة خفية من الواقع انكشفت فجأة دون أن تُعطيه الوقت الكافي لفهمها أو التكيف معها، وقد بدا له أن كل شيء حوله، رغم ثباته الظاهري، يحمل داخله تغيرًا دقيقًا لا يمكن رؤيته مباشرة، لكنه يُحس بوضوح في الطريقة التي تتشكل بها أفكاره، وفي الإحساس الثقيل الذي يرافق كل محاولة منه لإعادة ترتيب ما حدث منذ خروجه من المنزل حتى تلك اللحظة. لم يكن أكثر ما يقلقه هو غرابة الموقف ذاته، بل ذلك الشعور الغامض بالألفة الذي لم يستطع التخلص منه، وكأن التفاصيل التي يراها الآن ليست جديدة تمامًا، بل أعيد تقديمها له بطريقة مختلفة قليلًا، مع تعديل بسيط في الزوايا أو الإيقاع أو التوقيت، وكأن هناك نسخة سابقة من هذه اللحظة قد مرت بالفعل، لكنها لم تترك في ذاكرته سوى ظل خافت، لا يكفي لإعادة بناء الحدث، لكنه كافٍ لزرع هذا الإحساس المستمر بأن ما يحدث ليس فريدًا كما يبدو. ومع تزايد هذا الإحساس، بدأ وعيه يتجه إلى الداخل بدل الخارج، فلم يعد تركيزه منصبًا على المكان أو الزمن أو حتى على وجود تلك الفتاة التي غيرت مجرى ليلته، بل على الفجوات التي بدأ يلاحظها في ذاكرته، الفجوات التي لم تكن واضحة من قبل، لكنها الآن تبدو كمساحات فارغة داخل تسلسل يفترض أن يكون متصلًا، وقد حاول أن يتذكر ما الذي فعله في الأيام السابقة، أو كيف انتهى به الأمر إلى هذه النقطة تحديدًا، لكنه كلما اقترب من استرجاع شيء ما، تلاشى الإحساس به قبل أن يتحول إلى صورة واضحة، وكأن ذاكرته نفسها تعيد ضبط حدودها لتمنعه من تجاوز نقطة معينة. هذا الإدراك لم يأتِ فجأة، بل تدرج في داخله حتى أصبح من المستحيل تجاهله، وقد أدرك حينها أن المشكلة لا تكمن في النسيان الطبيعي، بل في نوع مختلف من الفقد، فقد منظم، دقيق، يكاد يكون متعمدًا، وكأن هناك قوة غير مرئية تعيد تشكيل وعيه في كل مرة، مع الاحتفاظ بجزء صغير فقط، جزء لا يسمح له بفهم الصورة كاملة، لكنه يجعله يقترب منها أكثر مع كل محاولة. وفي خضم هذا التفكير المتشابك، بدأ إحساس آخر بالظهور، إحساس لا يتعلق بالماضي، بل بالمستقبل، أو بالأحرى بإمكانية تكرار هذه اللحظة مرة أخرى، وقد بدا له أن ما يعيشه الآن ليس حدثًا منفصلًا، بل حلقة في سلسلة، وأن هذه السلسلة لا تتحرك إلى الأمام بشكل خطي، بل تدور حول نقطة ثابتة، يعود إليها في كل مرة دون أن يدرك ذلك، وكأن الزمن في حالته هذه لا يتقدم، بل يعيد نفسه مع تغييرات طفيفة، تغييرات قد تكون غير ملحوظة في البداية، لكنها تتراكم مع كل دورة حتى تُحدث فرقًا حقيقيًا. ومع هذه الفكرة، بدأ يلاحظ شيئًا جديدًا، ليس في الخارج، بل في طريقته في الإدراك، إذ شعر أن بعض التفاصيل أصبحت أكثر وضوحًا من غيرها، وكأن انتباهه يُوجَّه بشكل غير واعٍ نحو أشياء محددة، مثل أماكن معينة في الشارع، أو لحظات معينة في تسلسل الأحداث، أو حتى إحساس معين يتكرر في داخله دون سبب واضح، وقد بدا له أن هذه التفاصيل ليست عشوائية، بل هي نقاط ارتكاز، علامات صغيرة تركها شيء ما، أو ربما تركها هو بنفسه، دون أن يتذكر ذلك. هذا الاحتمال، رغم غرابته، لم يعد مستبعدًا كما كان قبل قليل، بل بدأ يكتسب نوعًا من المنطق الداخلي، منطق لا يعتمد على القواعد التقليدية للواقع، بل على تكرار التجربة ذاتها، وكأن الدليل لا يأتي من تفسير واحد واضح، بل من تراكم الإحساس بأن هذا قد حدث من قبل، وأن كل مرة يمر بها تضيف طبقة جديدة من الفهم، حتى لو لم يستطع الاحتفاظ بها بشكل واعٍ. وفي تلك اللحظة تحديدًا، بدأ الشعور بالزمن يتغير، فلم يعد يقيسه بالدقائق أو الساعات، بل بدرجة القرب من شيء لا يستطيع تعريفه، شيء يشعر أنه ينتظره في نهاية هذه الدائرة، أو ربما في مركزها، وقد بدا له أن كل ما يحدث الآن، من وصوله إلى المحطة، إلى إحساسه بالألفة، إلى إدراكه للفجوات في ذاكرته، ليس سوى خطوات تقوده نحو تلك النقطة، خطوة تلو الأخرى، حتى وإن لم يكن يعرف عددها أو ترتيبها. ومع هذا الإدراك، لم يعد الخوف هو الشعور المسيطر، بل نوع من التوتر الممزوج بالترقب، كما لو أنه يقف على حافة اكتشاف كبير، اكتشاف قد يغير كل شيء، ليس فقط في هذه الليلة، بل في فهمه لنفسه وللعالم من حوله، وقد شعر أن هذا التغير قد بدأ بالفعل، وأنه لم يعد الشخص ذاته الذي خرج من المنزل قبل ساعات، بل نسخة مختلفة قليلًا، نسخة تحمل أثر ما حدث، حتى لو لم تستطع تفسيره بالكامل. هذا الأثر، رغم خفائه، كان واضحًا في الطريقة التي أصبح بها أكثر انتباهًا، وأكثر حساسية للتفاصيل، وأكثر استعدادًا لتقبل أفكار لم يكن ليأخذها على محمل الجد من قبل، وقد أدرك حينها أن التغيير الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، حتى يصبح جزءًا من طريقة التفكير ذاتها، دون أن يلاحظ الإنسان اللحظة التي بدأ فيها. ومع استمرار هذا الشعور، بدأ يتكون لديه إدراك أعمق بأن ما يمر به ليس مجرد تجربة شخصية معزولة، بل نظام قائم بذاته، نظام له قواعده الخاصة، حتى لو لم تكن واضحة بعد، وأن هذا النظام يعتمد على التكرار، وعلى التعديل التدريجي، وعلى فكرة الاقتراب المستمر من نقطة معينة، نقطة لا يمكن الوصول إليها دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من المحاولات، كل منها تترك أثرًا، وكل أثر يقربه أكثر، حتى وإن لم يدرك ذلك بشكل مباشر. وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال هو ما الذي يحدث له، بل كيف يمكنه استخدام ما يشعر به الآن، كيف يمكنه أن يحافظ على هذا الأثر، أو يستفيد منه قبل أن يختفي كما يبدو أنه يحدث في كل مرة، وقد بدا له أن التحدي الحقيقي لا يكمن في فهم التجربة فقط، بل في كسر نمطها، في إيجاد طريقة للاحتفاظ بشيء مما يمر به، حتى لا يبدأ من الصفر في كل مرة. هذا التفكير لم يكن واضحًا تمامًا، لكنه كان كافيًا ليمنحه إحساسًا جديدًا بالاتجاه، إحساسًا بأنه، رغم كل شيء، لا يتحرك في دائرة مغلقة بالكامل، بل في مسار حلزوني، يقترب فيه من المركز تدريجيًا، حتى وإن بدا من الخارج أنه يعيد نفس الخطوات، وقد أدرك أن هذا الفرق البسيط، بين الدائرة والخط الحلزوني، قد يكون هو المفتاح لفهم كل ما يحدث. ومع هذا الإدراك، أصبح كل شيء يبدو مختلفًا، ليس لأنه تغير فعليًا، بل لأنه بدأ يُرى بطريقة مختلفة، وكأن المسافة بينه وبين الحقيقة لم تعد ثابتة كما كانت، بل تتقلص ببطء، مع كل فكرة، مع كل ملاحظة، مع كل لحظة وعي يمر بها، حتى يصل إلى نقطة يصبح فيها كل شيء أقرب مما كان يتخيل، وربما أقرب مما يستطيع تحمله.