حين أصبح كل شيء أقرب - الفصل الأول: المسافة التي لا تُقاس - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين أصبح كل شيء أقرب
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول: المسافة التي لا تُقاس

الفصل الأول: المسافة التي لا تُقاس

لم يكن سامر من أولئك الذين يتركون حياتهم تسير بلا تفسير، بل كان يميل دائمًا إلى البحث عن الأسباب الخفية خلف كل حدث، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا، وكان يعتقد أن العالم، رغم فوضاه الظاهرة، تحكمه شبكة دقيقة من الروابط التي لا تُرى، لكن يمكن الإحساس بها لمن ينتبه جيدًا، غير أن تلك القناعة بدأت تتصدع ببطء في تلك الليلة التي وجد نفسه فيها واقفًا عند محطة الحافلات القديمة، تحت ضوء مصباح أصفر باهت يكاد ينطفئ، بينما كان الصمت ينسدل على المكان كستار ثقيل لا يسمح لأي صوت أن يخترقه بسهولة، وكان الهواء يحمل برودة غير متوقعة بالنسبة لنهاية الصيف، وكأن الفصول نفسها ارتبكت أو تأخرت عن موعدها، وهو أمر لم يكن ليثير انتباهه في العادة، لكنه في تلك اللحظة بدا وكأنه جزء من خلل أوسع لا يستطيع تحديده. لم يكن خروجه من المنزل مخططًا له، بل كان استجابة شبه غريزية لرسالة غامضة ظهرت على هاتفه دون مقدمات، رسالة لم تحمل اسمًا ولا رقمًا معروفًا، بل مجرد كلمات قليلة تركت أثرًا أكبر مما ينبغي، وكأنها صُممت لتتسلل إلى داخله بدل أن تُقرأ فقط، وقد حاول في البداية تجاهلها، وأقنع نفسه بأنها مزحة سخيفة أو خطأ في الإرسال، لكنه وجد نفسه بعد دقائق قليلة يرتدي معطفه ويغادر، دون أن يمر بمرحلة اتخاذ القرار الحقيقي، وكأن الفعل سبق النية، وكأن شيئًا داخله كان قد حسم الأمر قبل أن يدرك هو ذلك. عندما وصل إلى المحطة، بدا له المكان مألوفًا بطريقة مزعجة، ليس لأنه يمر منه كثيرًا، بل لأن الإحساس بالألفة كان أعمق من مجرد تكرار الرؤية، كان أشبه بذكرى ناقصة أو حلم نسي تفاصيله لكنه بقي عالقًا في الشعور العام، وقد حاول أن يسترجع أي موقف سابق يربطه بهذا المكان في هذا الوقت تحديدًا، لكنه لم يجد شيئًا واضحًا، بل مجرد فراغ غريب يتخلله انطباع خافت بأن هذا المشهد قد تكرر، وأنه ليس المرة الأولى التي يقف فيها هنا منتظرًا شيئًا لا يعرفه بدقة. جلس على المقعد المعدني البارد، وشعر ببرودة تتسلل عبر ملابسه إلى جسده، لكنه لم يتحرك، بل بقي يراقب الشارع الممتد أمامه، حيث كانت الأضواء القليلة تتباعد بشكل يجعل المسافة بينها تبدو أطول مما هي عليه، وكانت الظلال تتداخل بطريقة تجعل كل شيء يبدو غير ثابت، وكأن الواقع نفسه يفقد وضوحه تدريجيًا، وقد وجد نفسه يعود مرارًا إلى هاتفه، رغم أنه لم يكن يتوقع وصول أي إشعار، وكأن النظر إلى الشاشة يمنحه إحساسًا مؤقتًا بالسيطرة على شيء ما، حتى لو كان مجرد وهم. ومع مرور الوقت، بدأ إحساس خفي بالترقب يتحول إلى توتر غير مبرر، توتر لا يعتمد على حدث واضح، بل على شعور داخلي بأن شيئًا ما على وشك أن يحدث، وأن الانتظار ليس بلا معنى كما حاول إقناع نفسه، بل هو جزء من تسلسل لم يفهمه بعد، وكان هذا الإحساس يتزايد كلما طال صمته، وكلما تعمق في ملاحظة التفاصيل الصغيرة من حوله، مثل صوت الريح الخفيفة وهي تحتك بالأعمدة المعدنية، أو اهتزاز الضوء فوقه بشكل غير منتظم، أو حتى الطريقة التي بدا بها الظل الخاص به أطول من المعتاد، وكأنه لا يتطابق تمامًا مع موقعه الحقيقي. وفي لحظة لم يستطع تحديد بدايتها بدقة، انتقل انتباهه إلى نهاية الشارع، حيث ظهرت حركة خفيفة في المسافة، لم تكن واضحة في البداية، لكنها أخذت تتشكل تدريجيًا حتى أصبحت هيئة إنسان يقترب ببطء، وكان في هذا الاقتراب شيء مقلق، ليس بسبب الشخص ذاته، بل بسبب الإحساس بأن هذا المشهد مألوف أكثر مما ينبغي، وأنه لا يراه للمرة الأولى، رغم أنه متأكد من أنه لم يمر بموقف مماثل من قبل، وقد حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مجرد خدعة من عقله المتعب، لكن هذا التفسير لم يكن كافيًا لإزالة ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدره. ومع اقتراب الشكل أكثر، بدأت ملامحه تتضح، لكنه لم يشعر بالارتياح الذي عادة ما يصاحب وضوح الأشياء، بل على العكس، ازداد إحساسه بأن الغموض لا يكمن في ما يراه، بل في ما يعرفه دون أن يتذكر كيف عرفه، وكأن الإدراك يسبقه دائمًا بخطوة، وكأن هناك جزءًا منه يتعامل مع هذا الموقف على أنه تكرار، بينما الجزء الآخر يحاول عبثًا اللحاق بهذا الفهم. وعندما توقفت تلك الهيئة أمامه، لم يكن شعوره هو الدهشة بقدر ما كان نوعًا من الاعتراف الصامت بأن اللحظة التي كان ينتظرها قد وصلت، رغم أنه لم يكن يعرف طبيعتها، وكان هذا الإدراك في حد ذاته أكثر إرباكًا من أي حدث خارجي، لأنه كشف له فجأة أن انتظاره لم يكن عشوائيًا كما ظن، بل كان موجهًا نحو نقطة محددة، حتى لو لم يكن واعيًا بها. ثم بدأ شيء آخر يتغير، ليس في المكان، بل داخله هو، إذ شعر وكأن طبقة رقيقة من النسيان بدأت تتصدع، وكأن ذاكرته، التي بدت متماسكة قبل قليل، تخفي خلفها شيئًا أكبر يحاول الظهور، وكان هذا الإحساس مصحوبًا بقلق متزايد، ليس لأنه يخشى ما قد يتذكره، بل لأنه بدأ يدرك أن فقدانه لتلك الذكريات لم يكن صدفة، وأن هناك سببًا جعله يبدأ من هذه النقطة بالذات، دون غيرها. ومع مرور اللحظات، أصبح واضحًا له أن ما يواجهه ليس مجرد موقف غريب، بل هو جزء من دورة لم تكتمل بعد، دورة تبدأ من هنا وتعود إليه مرة بعد مرة، دون أن يملك القدرة على الاحتفاظ بما تعلمه منها، وكأن الزمن نفسه يعيد تشكيله في كل مرة، مع ترك أثر خفيف فقط، أثر لا يكفي للفهم الكامل، لكنه يكفي لخلق هذا الشعور المستمر بالاقتراب، الاقتراب من شيء لا يستطيع تسميته، لكنه يشعر بثقله في كل تفصيلة من حوله. وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال هو ما الذي يحدث، بل لماذا يشعر وكأنه كان هنا من قبل، ولماذا يبدو له أن هذه الليلة ليست بداية، بل استمرار لشيء بدأ منذ وقت طويل، وربما لم يتوقف أبدًا، وأن كل ما يعيشه الآن ليس سوى محاولة أخرى للوصول إلى نقطة لا يعرف شكلها، لكنه يدرك بشكل غامض أنها تقترب منه بقدر ما يقترب هو منها، حتى يصبح الفرق بينهما غير قابل للقياس.