الفصل الخامس
ساعة الصفر وجنون السوق:
كان الفجر في "أركونيا" لا يشبه أي فجر مضى. الهواء كان مشحوناً بتوتر غير مرئي، كأنه وتر مشدود على وشك الانقطاع. داخل القصر، كانت كيمارا تضع اللمسات الأخيرة على "كارولين" الخادمة الوهمية التي ستخرج من بين ثنايا الظلال. كانت تراقب عقارب الساعة الذهبية التي سرقتها من مكتب والدها، نبضاتها تتسارع مع كل "تكة" تقربها من اللحظة الحاسمة.
وعلى الجانب الآخر، خلف الأسوار العالية، كانت تيا تقف في قلب السوق، تعد عدتها لزلزالها الخاص. لم تكن تحمل سيفاً، بل كانت تحمل "السر" وجنوناً لا يملكه غيرها.
بدأت تيا بالتحرك نحو البوابة الشرقية، وهي تحمل سلة ضخمة مليئة بالبيض والبصل الفاسد، وخلفها يسير ثلاثة من صبيان الشوارع الذين اعتادوا طاعتها. غمزت لهم تيا وقالت بصوت منخفض:
— تذكروا.. بمجرد أن أرفع وشاحي الأحمر، أريد صراخاً يسمعه الموتى في قبورهم. أريد أن يظن الحراس أن زلزال مئه ريختر قد قام في 'أركونيا'.
في هذه الأثناء، كان القائد روبرت يقف عند البوابة الشرقية، يتمطى بكسل وهو ينتظر وصول الوردية الجديدة. أخرج غليونه وبدأ في إشعاله، غير مدرك أن الدقيقتين اللتين يستهين بهما هما الآن أغلى دقيقتين في حياة أميرة تود الحريه.
فجأة، انطلق صوت صرخة مدوية هزت أركان السوق. كانت تيا قد ألقت بنفسها وسط الطريق، وبدأت تصرخ وهي تمسك بياقة بائع سمك ضخم: — يا لصوص! يا قتلة! تبيعون لنا سمكاً مسموماً بأمر من الحراس؟ هل تريدون إبادة القرية؟!
في لحظة، تحول الهدوء إلى جحيم. بدأت السلال تطير في الهواء، والبيض الفاسد يتناثر على دروع الحراس الذين ركضوا لمحاولة فهم ما يحدث. صاح القائد روبرت وهو يرى تيا تشتبك مع جندي وتنزع خوذته: — أمسكوا بتلك الفتاة المجنونة! أغلقوا الطريق! ما الذي يحدث هنا؟
كانت الفوضى عارمة لدرجة أن الحراس عند السور العلوي تركوا مواقعهم للنظر إلى الأسفل، بينما كانت تيا تقود "ثورة صغرى" بلسانها السليط وحركاتها البهلوانية.
داخل ممر الخدم، كانت كيمارا تسمع الضجيج القادم من الخارج. همست لنفسها وهي تضع السلة فوق كتفها وتعدل الوشاح ليخفي وجهها تماماً:
— شكراً يا تيا.. الآن، جاء دوري.
فتحت كيمارا الباب الجانبي الصغير، وانطلقت في تلك الفجوة الزمنية، تخطو فوق الظلال، وعيناها مثبتتان على المخرج الذي يفصلها عنه أمتار قليلة، بينما كان القائد روبرت غارقاً في محاولة فض الاشتباك مع تيا التي صرخت في وجهه بوقاحة:
— سيدي القائد! حصانك يبدو أكثر ذكاءً منك، على الأقل هو يعرف متى يصمت!
انفجر باقي الحرس ومن بالسوق بالضحك والغضب في ان واحد، وفي تلك اللحظة من الذهول، عبر ظلٌ نحيل من البوابة الشرقية، ظلٌ لم يلاحظه أحد، ظلٌ يحمل اسم أميرة، لكنه يمشي بخطى امرأة حرة.
الغرفة الصامتة والقلب المذعور:
بمجرد أن انزلق ظل كيمارا خلف الباب السري واختفى تماماً، شعرت ماري وكأن الهواء قد سُحب من الغرفة. وقفت وحدها وسط الجناح الملكي الفاخر، الذي بدا الآن وكأنه زنزانة باردة وواسعة. كان صدى إغلاق الباب الخشبي الصغير لا يزال يرن في أذنيها، معلناً بداية أخطر دقيقتين في حياتها.
لم يكن لديها وقت للارتجاف؛ كان عليها أن تمثل دورها الأخير في هذه اللعبة.
تحركت ماري بسرعة مذهلة بالنسبة لسنها. بدأت برجوع دولاب كيمارا لمكانه لكن تركت فجوه صغيره لم تلاحظ و بعثرة بعض الثياب الحريرية فوق السرير بعناية، ووضعت كتاباً مفتوحاً على الطاولة بجانب فنجان شاي لا يزال يتصاعد منه القليل من البخار، لتوحي بأن الأميرة كانت هنا قبل لحظات. ثم اتجهت نحو الستائر الثقيلة وأغلقتهما جزئياً، تاركةً الغرفة في عتمة خفيفة، وهي الحيلة التي تستخدمها دائماً عندما تدعي أن كيمارا تعاني من "صداع نصفي" وترغب في النوم.
بينما كانت تفعل ذلك، سمعت من بعيد صرخات تيا المدوية في السوق، تلاها ضجيج واضطراب الحرس عند البوابة الشرقية. سكنت ماري في مكانها، ويدها تمسك بطرف الستارة، وهمست بصوت مبحوح:
— أحسنتِ يا تيا.. استمري، أرجوكِ استمري.
فجأة، تجمّد الدم في عروق ماري. سمعت صوت وقع أقدام ثقيلة ومعدنية تقترب من الباب الخارجي للجناح. لم تكن هذه خطى خادمة أو حارس عادي؛ كانت هذه المشية العسكرية الرزينة التي لا يخطئها أحد.
إنه القائد سيدريك. طرقت الأبواب بقوة، وقبل أن تجيب ماري، فُتح الباب ودخل القائد سيدريك وعيناه كالصقر تمسحان المكان. نظر إلى ماري التي كانت تقف بجانب السرير، تحاول جاهدة أن تظهر بمظهر الخادمة المنشغلة.
قال سيدريك بنبرة جافة:
— أين سمو الأميرة يا ماري؟ الملك يريد رؤيتها فوراً، هناك اضطراب غريب في السوق، وقد أمر بتشديد الحراسة على جناحها.
ابتلعت ماري ريقها، وحاولت أن تجعل صوتها يخرج هادئاً:
— سيدي القائد.. الأميرة خلدت للنوم منذ دقائق قليلة. لقد اشتكت من آلام في رأسها وطلبت مني ألا يزعجها أحد، حتى أنها رفضت إكمال شاي الصباح.
خطا سيدريك خطوة داخل الغرفة، واتجه نحو السرير المغطى بالستائر. شعرت ماري بقلبها يتوقف عن النبض. لو مد يده وأزاح الستار، سينتهي كل شيء.
قالت ماري بلهجة سريعه وهي تعترض طريقه بلباقة:
— أرجوك يا سيدي.. أنت تعرف مزاجها عندما تُحرم من النوم. لقد كانت هادئة ومطيعة طوال الأيام الماضية، ولا نريد أن يعود العناد إليها بسبب إيقاظها المفاجئ. هل يمكنني إيصال رسالة لها عندما تستيقظ؟
توقف سيدريك، ونظر إلى ماري نظرة طويلة، فاحصة، وكأنه يقرأ الأفكار خلف جبهتها المجعدة. وضع يده على مقبض سيفه، ثم نظر إلى فنجان الشاي الدافئ: — غريب.. كانت منذ قليل تطلب 'التعلم' ومراقبة شؤون القصر، والآن تنام وسط هذا الضجيج القادم من البوابة؟
ردت ماري بابتسامة باهتة:
— الهدوء الذي تظاهرت به أمام الملك استنزف طاقتها يا سيدي. إنها في النهاية مجرد فتاة صغيرة
صمت سيدريك للحظة، وبدا وكأنه سيقتحم السرير، لكن صوتاً من الرواق ناداه: سيدي قائد سيدريك! الملك يطلبك في غرفة العمليات، الفوضى في السوق تزداد!
التفت سيدريك نحو الباب، ثم عاد ونظر إلى ماري بحدة وقال: — سأذهب الآن. لكن اسمعي يا ماري.. إذا استيقظت 'الأميرة'، أخبريها أن عيني لا تنام، حتى وإن ظنت هي أن القصر كله غارق في الأحلام.
خرج سيدريك وأغلق الباب خلفه بقوة. انهارت ماري على الكرسي المجاور، وأنفاسها تخرج متقطعة. نظرت إلى الباب السري الذي غادرت منه كيمارا، وهمست والدموع تترقرق في عينيها:
— لقد منحتكِ الوقت يا ابنتي.. أرجو أن تكون قدماكِ قد لامست أرض القرية الآن.
كانت ماري تعلم أن القناع سيسقط قريباً، وأنها قد تواجه الموت قبل غروب الشمس، لكنها في تلك اللحظة، شعرت بفخر غامر؛ فقد كانت الخادمة العجوز هي اليد التي حطمت أول قيد في سلسلة مملكة "أركونيا".
رائحة الحرية المُرّة:
في تلك اللحظة التي أُغلق فيها الباب السري خلف كيمارا، لم تجد نفسها في أحضان الحرية كما تخيلت، بل في مواجهة "دهليز النفايات" المظلم. خرجت من الفتحة الصغيرة المؤدية للزقاق، ليرتطم بها صخب السوق كأمواج عاتية. سحبت كيمارا الوشاح ليغطي وجهها، وبدأت تسير بخطوات مضطربة وسط الزحام، محاولةً أن تكون "غير مرئية".
في قلب السوق، كان الضجيج قد وصل إلى ذروته. كانت تيا تقف وسط الزحام، وقد أمسكت بتلابيب "العم ماركون" بائع التفاح، وصوتها يجلجل ليسمعه القاصي والداني:
— أتقول لي أنه تفاح طازج يا ماركون؟ هذا التفاح تجعد جلده كوجه مأمور الضرائب! أتريد أن تسمم أطفالنا وتسرق أموالنا في وضح النهار؟ تكلم
رد ماركون وهو يحاول دفعها بعيداً:
— ابتعدي عني يا ابنة الشياطين! التفاح سليم، أنتِ فقط تبحثين عن مشكلة لتسرقي رغيفاً آخر من العم جيرارد!
صاحت تيا وهي تلوح بتفاحة في وجه جندي كان يمر بجانبهما:
— انظر يا سيدي الحارس! هل يرضيك أن نأكل هذا العفن بينما تأكل خيولكم أشهى الثمار؟ هل قانون الملك يحمي اللصوص أم يحمي الجوعى؟
بينما كان الجندي يحاول فض الاشتباك والناس يتجمهرون حول "عرض تيا" اليومي، لمحت تيا بطرف عينها حركة غريبة. كانت هناك فتاة تتسلل بمحاذاة الحائط، ترتدي رداءً خشناً يبدو جديداً أكثر من اللازم، وتمشي بخطى لا تشبه خطى أهل القرية؛ خطى فيها حذر مبالغ فيه، كأنها تخشى أن تدنس قدميها الطين.
رأت تيا تلك الفتاة وهي تتعثر بطرف ردائها وتسقط سلتها الفارغة، لتظهر يد بيضاء ناعمة لم تعرف الشقاء يوماً. ضيقت تيا عينيها؛ هذه الفتاة ليست من هنا، ووجهها الشاحب الذي كشفه الوشاح للحظة كان يحمل ذعراً لا يملكه إلا من يهرب من شيء عظيم.
بسرعة البرق، استغلت تيا تدافع الناس، وانخرطت وسط الزحام، وجذبت الفتاة من ذراعها بقوة قبل أن يلتفت الجندي نحوها، وجرت بها نحو زقاق ضيق مليء ببالات الصوف القديمة.
دفعت تيا كيمارا نحو الحائط الحجري، ووضعت يدها على خصرها وهي تتنفس بصوت مسموع، وقالت بنبرة حادة ومرتابة:
— من أنتِ يا فتاة؟ وما الذي أتى بوجهٍ ناعم مثلكِ إلى هذا الوحل وفي هذا التوقيت؟ لستِ من باعة السوق، وخطواتكِ هذه ليست خطوات العامه
حبست كيمارا أنفاسها، وحاولت جاهدة أن تغير نبرة صوتها، وقالت بصوت مرتعش:
— أنا.. أنا أدعى كارولين. جئتُ من القرية المجاورة.. كنتُ أبحث عن وسيلة للعبور نحو الغابة، لكنني وجدتُ نفسي وسط هذا الجنون.
نظرت تيا إلى يدي كيمارا ثم إلى عينيها، وقالت بسخرية:
— من قرية لقرية؟ في هذا الفجر؟ وحدكِ؟ أنتِ إما كاذبة فاشلة أو هاربة من مصيبة كبيرة. لا أحد يقطع الطرق في هذا الوقت وبيدين ناعمتين كهاتين إلا إذا كان الموت يركض خلفه.
ردت كيمارا (كارولين) وهي تحاول استجماع شجاعتها:
— لقد مات والدي، ولم يبقَ لي أحد هناك. سمعتُ أن سوق 'أركونيا' يبتلع الغرباء ويمكنني أن أختفي فيه. أرجوكِ.. رأيتُ كيف واجهتِ ذلك التاجر والجنود، أنتِ تعرفين هذا المكان، ساعديني فقط لأخرج من هذا الزحام. انا فقط اريد العمل لأصرف على نفسي
تنهدت تيا، ومسحت جبهتها بيدها الملطخة بالتراب، ثم قالت بجدية مفاجئة:
— "اسمعي يا كارولين، أنا لدي ما يكفيني من المتاعب. انا لستُ دارا للأيتام، لكنني أكره أن أرى الغرباء يسقطون في قبضة هؤلاء الكلاب من الحرس. سنمشي معاً مؤقتاً حتى نخرج من منطقة البوابات.
اقتربت تيا منها أكثر، وهمست بلهجة تحذيرية:
— لكن إياكِ أن تفتحي فمكِ بكلمة واحدة، صوتكِ فيه رقة غريبة لا تشبه من ينامون على القش. سيري خلفي وتظاهري بأنكِ تساعدينني في حمل الأكياس. هل تفهمين؟
أومأت كيمارا برأسها بسرعة، وشعرت برهبة غريبة؛ تيا لا تعرف من هي، وتعاملها بخشونة أهل السوق، وهذا كان أول اختبار حقيقي لهويتها الجديدة.
قالت تيا وهي تجذبها من يدها لتعودا لزحام السوق: — "تحركي يا كارولين، ولا تتركِ يدي.. في أركونيا، إذا ضعتِ، لن تجدي حتى ظلكِ، والجنود يبحثون دائماً عن فريسة سهلة. يتسلون عليها
أبواق الفزع الكبرى:
بينما كانت كيمارا (كارولين) تخطو خطواتها الأولى في الزقاق مع تيا، كان الزمن داخل القصر قد توقف فجأة عند لحظة الحقيقة، لكنها كانت حقيقة صِيغت بمكرٍ شديد.
في الجناح الخاص بالأميرة، اندفع القائد سيدريك مجددا بعد أن ساوره شكٌ لم يتركه يهدأ. لكن قبل أن يلمس مقبض الباب، انفتح الباب بعنف وخرجت ماري وهي تصرخ بصوتٍ جهوريٍّ مذعور، ثيابها كانت مبعثرة قليلاً وشعرها إيضا والدماء سائله من جبهتها ووشاحها ملقىً على كتفها بأهمال وكأنها خاضت عراكاً:
— يا حراس! سيدي القائد سيدريك! النجدة! لقد هربت الأميرة.. حاولتُ منعها، قاومتُها بكل قوتي لكنها دفعتني وسلبتني مفاتيحي!
توقف سيدريك مذهولاً، وقبض على كتفي ماري بعنف:
— ماذا تقولين أيتها العجوز؟ كيف تهرب وهي تحت رقابتكِ؟
ردت ماري وهي تنفجر بالبكاء المصطنع، وتشهق ببراعة:
— لقد كانت كالمجنونة يا سيدي! لم أرها هكذا من قبل.. هددتني وألقت بي أرضاً حتي اصتدمت رأسي بالرخام، ثم تسللت عبر ممر الخدم قبل أن أستطيع طلب العون. اذهب وانظر بنفسك.
دفعها سيدريك ودخل الجناح بقوة، ليرى الغرفة في حالة فوضى طفيفة، وعلى الطاولة الخشبية، كانت تقبع ورقة كُتبت بخط كيمارا السريع والواثق. التقطها سيدريك وقرأها وعيناه تتوقدان غضباً، حيث كُتب فيها:
"لا تلوموا ماري، فقد فعلت ما بوسعها لإيقافي. لقد سلبتموني حريتي لسنوات، والآن سأستردها بيدي. لن تجدوني في أقفاصكم بعد اليوم.
كيمارا...
صرخ سيدريك بصوت هز أركان الجناح: — "اللعنة! لقد كانت تخطط لهذا منذ ذلك الوقت الذي كانت تخدعنا فيه بهدوئها!"
لم ينتظر ثانية واحدة؛ ركض نحو الشرفة وأخرج بوقه الفضي، وأطلق ثلاث نفخات طويلة وحادة، وهي الإشارة التي لم تُسمع في "أركونيا" منذ سنوات: "الأميرة فُقدت.. أغلقوا المملكة!
في السوق، كانت تيا تسحب كيمارا من يدها وتشق الزحام، وفجأة، تجمد الجميع في أماكنهم. دوّت أصوات الأبواق من فوق أسوار القصر العالية، تلتها صرخات الحراس:
— أغلقوا البوابات! لا أحد يخرج! تفتيش كامل لكل من في السوق!
ارتبكت تيا ونظرت نحو القصر بذعر، ثم التفتت إلى كيمارا وقالت بهمس محموم:
— يا للمصيبة! الأبواق الثلاثة.. هذا يعني أن شيئاً عظيماً قد سُرق من الملك، أو أن أحداً من العائلة الملكية قد مات! الجنود سيتحولون إلى وحوش الآن، سيفحصون حتى ثيابنا الداخلية.
شحب وجه كيمارا (كارولين) تماماً، وشعرت بركبتيها ترتجفان. كانت تعلم أن ماري الآن تؤدي دور عمرها لحمايتها. قالت بصوت واهن:
— ماذا.. ماذا سنفعل؟ هل سيقبضون على الجميع؟
نظرت تيا إليها بحدة، ولاحظت أن "كارولين" تكاد يغمى عليها من الخوف، فقالت بخشونة لتحفزها وتحذيرها في الوقت نفسه وهي تقبض على يديها بشده ألمتها:
— اسمعي، لا يهمني ما سرقه من الملك أو ما فقده، لكنني لن أسمح لهم بوضع الأصفاد في يدي بسبب حظكِ العاثر. هؤلاء الأوغاد سيعتقلون أي غريب لا يملك هوية، وأنتِ يا عزيزتي تفوح منكِ رائحة 'الغربة' فرسخِ واصمتي ولا سجعلك تصمتين للأبد!
وفجأة، ظهرت مفرزة من الحراس يقودها القائد روبرت، وبدأوا يدفعون الناس بعنف ويصرخون:
— ابحثوا عن أي فتاة غريبة! أي فتاة تسير وحدها أو تبدو مريبة، احضروها فوراً!
جذبت تيا كيمارا خلف عربة خشبية محطمة، وقالت لها بلهجة آمرة:
— اسمعيني جيداً.. إذا سألونا، أنتِ ابنة عمي الخرساء، جئتِ من المزارع البعيدة لتساعديني في بيع السلال. لا تنطقي بحرف واحد، فصوتكِ سيكشفنا في ثوان معدوده. هل تفهمين؟
أومأت كيمارا برأسها، وهي تسمع وقع أقدام الحراس يقترب، وقلبها يقرع كبوق الإنذار الذي لا يزال صوته يملأ سماء القرية. لم تكن تيا تعرف أن "الشيء العظيم" الذي يبحث عنه الملك يقف الآن خلف ظهرها، يرتجف بملابس رثة ويحمل اسماً مستعاراً.
قالت تيا وهي تمسح بعض الطين من الأرض وتلطخ به وجه كيمارا لتخفي ملامحها أكثر:
— اثبتي يا كارولين.. سنخرج من هذا، لكن عليكِ أن تظهري كأنكِ ولدتِ في هذا الفقر، لا كأنكِ خائفة منه.
أنفاسٌ خلفَ القش:
انسحبت تيا وكيمارا (كارولين) من الزقاق بخطواتٍ محمومة، بينما كانت خيول الحرس تضرب الأرض بحوافرها في الشوارع الرئيسية، وصوت الأبواق لا يزال يتردد كأنه نذير شؤم لا ينتهي. لم يكن الطريق إلى ورشة السلال سهلاً؛ فكل زاوية كانت تخبئ خلفها حارساً متعطشاً للإيقاع بأي صيد يمنحه ترقيةً من الملك الغاضب.
بمجرد أن وصلا إلى باب الورشة الخشبي المتهالك في أطراف السوق، دفعته تيا بقوة وسحبت كيمارا للداخل، ثم أحكمت إغلاق المزلاج الحديدي وهي تلهث. كان المكان يفوح برائحة القش الرطب والخشب المقطوع، والظلام يلف الزوايا إلا من خيوط ضوء شمس يتسلل من الشقوق.
التفتت تيا نحو كيمارا، التي كانت تسند ظهرها إلى الباب وتتنفس بصعوبة، وجهها الملطخ بالطين لا يزال يشع بجمالٍ غريب لم يستطع الرماد إخفاءه. صمتت تيا لثوانٍ، تراقب ارتجاف يدي "كارولين"، ثم تقدمت نحوها ببطء، وعيناها تضيقان بريبة لم تعد تستطيع كتمانها.
قالت تيا بنبرة منخفضة لكنها حادة كالشفرة:
— الآن يا 'كارولين'.. أو أياً كان اسمكِ الحقيقي. الأبواق الثلاثة لم تهدأ، والحرس يفتشون عن 'فتاة' بعينها، والمدينة انقلبت رأساً على عقب بمجرد ظهوركِ في طريقي. هل تريدين إقناعي حقاً أن كل هذا الضجيج الملكي هو من أجل فتاة رثه مثلكِ، هل لكِ اي علاقه بالقصر؟، هل سرقتِ شيئا ثمين وهربتي لتتخفي بيننا؟ قولي لي الحقيقه الآن؟
ابتلعت كيمارا ريقها، وحاولت جاهدة أن تحافظ على قناعها، وردت بصوت خفيض:
— لقد أخبرتُكِ يا تيا.. أنا مجرد يتيمة هاربة، ربما سرقتُ شيئاً لم أكن أعرف قيمته، أو ربما الحظ العاثر جعل هروبي يتزامن مع مصيبتهم في القصر.
خطت تيا خطوة إضافية لتقلص المسافة بينهما، حتى شعرت كيمارا بأنفاس تيا الساخنة:
— لا تستغفلي ذكائي! لقد رأيتُ يداكِ تحت ضوء المشاعل، رأيتُ كيف ينظر إليكِ الجنود وكأنهم يبحثون عن كنز مفقود لا عن مجرمة عادية. ملامحكِ، طريقة وقوفكِ، حتى الرعب في عينيكِ فيه كبرياء لا يملكه الفقراء يا عزيزتي. الفقير يخاف من السوط، أما أنتِ.. فتخافين من الانكسار.
أمسكت تيا بطرف رداء كيمارا الخشن، وقالت بسخرية مريرة: — هذا الكتان جديد.. جديد جداً ليتيمة مشردة. أخبريني الحقيقة خيرُ لكِ، هل أنتِ ابنة لورد متمرده؟ أم خادمة سرقت جواهر الملكة؟ إذا كنتِ ستجلبين حبل المشنقة لبيتي، فعلى الأقل أريد أن أعرف الثمن الذي سأدفعه.
انحنت كيمارا لتمسك برأسها، وشعرت أن الضغط يزداد حولها. قالت بلهجة تملؤها الاستعطاف والصدق:
— "تيا، أقسم لكِ أنني لا أريد لكِ أو لوالدكِ أي شر. كل ما في الأمر أنني فررتُ من سجنٍ لم أختره، وإذا عُدتُ إليه، فالموت أهون لي. ساعديني فقط حتى يهدأ البحث، وسأختفي من حياتكِ للأبد.
نظرت تيا لعينين كيمارا الطافحتين بالدموع، وصمتت طويلاً. كان شغبها الفطري يهمس لها بأن تطرد هذه المصيبة بعيداً، لكن شيئاً ما في أعماقها ربما كرهها القديم للقصر أو إعجابها بشجاعة هذه "الغريبة" جعلها تشد على يدها بقوة.
قالت تيا وهي تشير نحو كومة ضخمة من السلال والقش في ركن الورشة:
— اختبئي هناك. ادخلي تحت السلال ولا تتحركي حتى لو سمعتِ وقع أقدامهم فوق رأسكِ. والدي سيصل قريباً، وهو رجل بسيط لا يحب المشاكل، لذا سأتكفل أنا بإقناعه. فمازال حديثنا لم ينتهي بعد، تحركي.
وقبل أن تتحرك كيمارا، أمسكت تيا بذراعها مرة أخرى وقالت بلهجة تحذيرية:
— سأحميكِ الآن يا كارولين.. ليس لأنني أصدق قصتكِ، بل لأنني أحب أن أعاند الملك في كل شيء، حتى في صيده. لكن تذكري، إذا اكتشفتُ أنكِ جاسوسة أو أنكِ بعتِنا للحرس.. فسأكون أنا أول من يضع النصل في قلبكِ قبل أن يصلوا إليكِ.
أومأت كيمارا برأسها بامتنان، وانزوت تحت أكوام القش، لتصبح في تلك اللحظة مجرد نبضٍ خائف يختبئ من عظمة القصر وسط حطام السلال المكسورة، بينما بقيت تيا عند النافذة تراقب مشاعل الحرس وهي تقترب من الزقاق، وهي تتساءل في سرها:
—من تكونين حقاً يا كارولين؟ وما هي العاصفة التي جئتِ بها إلى ورشة أبي الهادئة؟