الفصل الرابع
القناع المثالي:
في الصباح الذي تلا ليلة الفشل المريرة، لم تكن كيمارا تلك الفتاة المنكسرة التي تركتها ماري قبل ساعات. وقفت أمام مرآتها الطويلة، تراقب ماري وهي تصفف لها شعرها الأصفر مثل خيوط الذهب وتشده إلى الخلف بإحكام، وكأنها تربط جروحاً غير مرئية. كان وجه كيمارا صافياً كبحيرة راكدة، لا أثر فيه لغبار القبو أو لدموع الغضب.
قالت ماري وهي تضع اللمسات الأخيرة على تاج صغير من اللؤلؤ:
— عيناكِ هادئتان جداً يا كيمارا.. هذا الهدوء هو ما يخيفني الآن أكثر من ثورتكِ بالأمس. هل حقاً ستواجهين الملك بهذا الوجه؟
التفتت كيمارا نحوها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، مصقولة بعناية:
— لقد تعلمتُ درسي يا ماري. والدي لا يُحارب بالسيوف أو بالركض في الممرات المظلمة؛ والدي يُحارب بالخداع. إذا كان يريد أميرة مطيعة، فسأمنحه النسخة الأكثر كمالاً منها. سأكون الابنة التي يحلم بها، حتى يسترخي تماماً.. وعندما يغمض عينيه ظناً منه أنه انتصر، سأكون أنا قد غادرتُ بالفعل.
في تلك اللحظة، طُرق الباب بقوة وجفاء، ودخل القائد سيدريك. كانت نظراته تجوب الغرفة بحدة، وكأنه يبحث عن أثر لخطوات غريبة على السجاد. انحنى قليلاً وقال بنبرة رسمية: — جلالة الملك ينتظركِ على مائدة الإفطار في الشرفة الملكية، يا سمو الأميرة. لقد أمرني بمرافقتكِ بنفسي..قال كلماته الاخيرة وهو يتفحصها من راسها إلي قدميها بعنايه جعلت الدماء تتجمد في عروقها بالأخص عندما نظر ليديها
نهضت كيمارا برقة متناهية، عكس ما بداخلها من ريبه وغضب، عدلت ثوبها الحريري الوردي، وقالت بصوت ناعم كالحرير:
— شكراً لك يا سيدريك. كنتُ على وشك التوجه إليه. لقد اشتقتُ لحديث الصباح معه.
رفع سيدريك حاجبيه بدهشة لم يستطع إخفاءها تماماً. نظر إلى ماري التي كانت تنكس رأسها، ثم تراجع خطوة ليفسح الطريق: — هذا يسعد الملك بالتأكيد. تفضلي، يا سمو الأميرة.
مشى سيدريك خلفها، وكان يراقب مشيتها المتزنة. لم يكن يصدق هذا التحول المفاجئ؛ فخبير مثله في قراءة الوجوه كان يشم رائحة شيء مريب تحت هذه المثالية. بينما كانت كيمارا تسير في الممرات، كانت تحفظ في عقلها أماكن الحراس الجدد الذين ذكرهم والدها في اجتماعه مع سيدريك. رأت اثنين عند منعطف الجناح، وثالثاً عند باب السلم اللولبي.
همست في سرها وهي تبتسم لحارس مرّ بجانبها:
— واحد، اثنان، ثلاثة.. لقد زاد العدد فعلاً. أنت مرتاب للغايه يا أبي، وهذا الارتياب هو نقطة ضعفك التي سأستغلها.
وعندما وصلت إلى الشرفة، كان الملك أرثر يجلس وخلفه ضباب الجبال، يرتشف قهوته المرة. رفعت كيمارا طرف فستانها وانحنت له بعمق لم تفعله منذ سنوات، وقالت بنبرة تملؤها المودة المصطنعة:
— صباح الخير يا أبي. أتمنى أن تكون قد نمتَ هادئاً، فقد كانت ليلتي مليئة بالسلام بفضل أمان قصرك.
توقف الملك عن الشرب، ونظر إليها لثوانٍ طويلة، يبحث في عينيها عن أي بريق للمكر، لكنه لم يجد سوى الهدوء المطبق. وضع فنجانه وقال بنبرة لم تخلُ من الحذر:
— اجلسي يا كيمارا. يبدو أن هواء الصباح قد جلب معه عقلانية لم تكن موجودة منذ وقت طويل. هل لي أن أعرف سر هذه الابتسامة المفاجئة؟
ردت وهي تجلس وتتناول قطعة من الفاكهة ببطء:
— لقد فكرتُ في كلماتك، ورأيتُ كوابيساً عن العالم بالخارج.. أدركتُ أنني كنتُ حمقاء. أريد أن أبدأ من جديد، ربما بمساعدتك في بعض شؤون القصر، أو حتى بتنظيم احتفال صغير للفقراء عند البوابة.. تحت إشراف حراسك طبعاً.
ابتسم الملك، لكن يده كانت لا تزال تشد على مقبض كرسيه. كانت اللعبة قد بدأت؛ كيمارا تحيك خيوط الصبر، والملك يحاول فهم متى تحولت الفريسة إلى صياد يرتدي قناع الضحية.
سمُّ العسل:
كانت الأيام التالية بمثابة عرض مسرحي متقن، حيث أدت كيمارا دور "الأميرة التائبة" ببراعة جعلت حتى جدران القصر تشك في ذاكرتها. بدأت تقضي ساعات طويلة في مكتبة القصر، وتطلب من ماري إحضار سجلات المؤن والخرائط القديمة بحجة "التعلم"، لكن عين الملك،و القائد سيدريك، لم تكن تغفل عنها لحظة واحدة. كانت كل خطوة لها محسوبة، وكل كلمة تخرج من فمها مغلفة برقة مريبة.
في ممر الجناح الغربي الشاسع، وقف سيدريك يراقب كيمارا وهي توزع قطعاً من القماش الصوفي الخشن الذي أحضرته ماري من محل شقيقتها بياتريس على خادمات القصر الصغيرات. كانت تمسح على رؤوسهن بابتسامة دافئة، وتهمس لهن بكلمات تجعل وجوههن الشاحبة تضيء فجأة.
خطا سيدريك نحوها، وصوت درعه الفضي يتردد في الرواق كتحذير مبطن، ونحنح قائلاً بنبرة رسمية:
— كرمكِ المفاجئ يا سمو الأميرة أصبح حديث المطابخ والثكنات. حتى الحراس عند البوابات الخارجية بدأوا يتساءلون: هل نزل ملاكٌ في 'أركونيا'، أم أن الأميرة قررت إفراغ خزائنها قبل حلول الشتاء؟
التفتت إليه كيمارا، ولم تفارق الابتسامة الشاحبة وجهها، وعدلت وشاح إحدى الخادمات برفق قبل أن تلتفت للقائد بالكامل:
— العدل يا سيدريك يبدأ بالرأفة بالصغار. لقد علمني والدي أن القوة هي التي تحمي العرش، وهذا صحيح، لكنني اكتشفتُ أن المحبة هي التي تجعل العرش يستحق العناء. ألا تظن أن هؤلاء الفتيات يعملن بجد أكبر عندما يشعرن أن أحداً داخل هذه الجدران الباردة يدرك وجودهن؟
ضيق سيدريك عينيه، وخطا خطوة إضافية ليقلص المسافة بينهما، وسألها بجدية تامة:
— المحبة سلاحٌ ذو حدين سموك. بالأمس رأيتكِ تتحدثين مع الحارس 'جوناس' عند بوابة الحديقة الشرقية لأكثر من عشر دقائق. هل كان ذلك أيضاً من باب 'الرأفة'؟ أم أنكِ كنتِ تبحثين عن شيء خلف تلك الأسوار بعينيه؟
ضحكت كيمارا بجرأة لطيفة، ضحكة خفيفة بددت توتر الموقف، وردت بثبات:
— جوناس مسكين يا سيدريك، كان يشتكي من برودة الليل التي تنخر عظام حراس السور الشمالي. اقترحتُ عليه أن يطلب من رئيس الطباخين حساءً دافئاً في وردية منتصف الليل باسمي. الجندي الجائع أو المتذمر من البرد هو ثغرة في أمن والدي، وأنا فقط أحاول سد الثغرات بطريقتي الهادئة. أليس هذا ما يقلق والدي؟ الثغرات؟
صمت سيدريك، لم يجد في منطقها ما يُدينها، لكن ريبته كانت تزداد. انحنى قليلاً وقال: — الملك يقدر اهتمامك، لكنه يخشى أن ينشغل قلبكِ الصغير بهموم الرعية فتنسي بريستيج الأميرة. كوني حذرة، فالعسل الزائد قد يجذب الدبابير.
ردت كيمارا وهي تبتعد بوقار:
— شكراً لنصيحتك يا سيدريك، سأحرص على أن يظل عسلي نقياً.
عادت كيمارا إلى جناحها، وبمجرد أن أغلقت ماري الباب بالمزلاج، سقط القناع عن وجه كيمارا ليظهر وجه القائد العسكري الذي يخطط للمعركة. تنفست الصعداء وهمست لماري: — هل أحضرتِ اللفافة التي طلبتُها منكِ ماري التي حيكتها بياتريس شقيقتك؟
أخرجت ماري من تحت عباءتها لفافة صغيرة جداً مخبأة داخل تجاويف الصوف الخام، وقالت بصوت مرتجف:
— لقد حيكت لكِ بياتريس هذا.. إنه ليس ثوباً، إنه خدعة بصرية. وجهه الأول مخملي لائق بالنبلاء، وبمجرد قلبه يصبح كتانياً داكناً بلون طين القرية وغسق الغابة. لكن بياتريس كانت خائفة يا كيمارا، قالت لي: 'أخبريها أن العيون في السوق أصبحت أكثر من النجوم، والوشاة يبيعون الكلمة برغيف خبز'.
أمسكت كيمارا بالرداء، وتلمست خشونته بإعجاب، وعيناها تلمعان بذكاء حاد:
— بياتريس امرأة حكيمة يا ماري، لقد فهمت ما أريد تماماً. والدي وسيدريك يظنان أنني أوزع الصوف لأكسب ود الخادمات، وهما لا يعرفان أنني أستخدم هذا 'النشاط الخيري' كغطاء لنقل معداتي قطعة قطعة. لقد اعتادوا رؤية الصوف يمر عبر يديكِ يومياً، والآن لن يشكوا أبداً عندما يمر شيء أكثر خطورة."
سألت ماري وهي تشبك يديها بقلق:
— وماذا بعد يا كيمارا؟ الحرس في كل مكان، والملك يراقبكِ من شرفته كالصقر. ده غير سيدريك التي عيناه لم تغيب عنكِ
نظرت كيمارا نحو النافذة، إلى تلك النقطة البعيدة حيث يلتقي السور بالغابة، وقالت بصوت رخيم:
— المعلومة هي المفتاح يا ماري. جوناس، ذلك الحارس 'المسكين' الذي تذمر من البرد، أخبرني دون أن يقصد أن تبديل المناوبات عند البوابة الشرقية يتأخر لدقيقتين كاملتين بسبب إهمال القائد الجديد هناك. دقيقتان يا ماري.. هما الفراغ الذي سأعبر منه من حياة الأميرة السجينة إلى حياة 'كارولين' الحرة. دقيقتان تفصلان بين التاج والتراب، وأنا مستعدة لبيعهما بكل ما أملك.
في تلك اللحظة، كان الملك أرثر يقف على شرفته، يراقب حركة القصر الهادئة، وقال لسيدريك الذي انضم إليه:
— أرأيت يا سيدريك؟ لقد روضها الحصار والزمن. انظر إليها، لقد توقفت عن النظر للغابة وأصبحت تهتم بشؤون حاشيتها وخدمها. وحياتها الملكيه وامور الفتيات، المرأة في النهاية تنحني للواقع وتجد عزاءها في التفاصيل الصغيرة.
هز سيدريك رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان معلقتين بظل كيمارا الذي يتحرك خلف ستائر غرفتها: — أرجو أن تكون محقاً يا مولاي.. لكن العسل الذي توزعه ابنتك للناس له مذاق غريب في حلقي. وكأنها لا تطعمهم لتكسب ودهم، بل تخدرهم لتنسيهم من هي حقاً.. وماذا تنوي فعله.
—ماذا تقصد يا سيدريك؟ قال الملك ارثر وهو يلتفت وينظر له بحده.
سيدريك:
—العفو يا مولاي انا لا اقصد شيئا اريدك فقط ان تحذر، دائما تمنعها من الاحتكاك بالبشر لماذا الآن تجعلها تفعل كل ذلك وتحتك بالحراس والراعيه وخدمات القصر؟
أثر بحكمه:
—لأن لا يوجد خطر هنا يا سيدريك ولاني شعرتُ انني احكمت عليها الحصار في الايام الماضيه
سيدريك ينحني بأحترام قائلا:
—كما تحب مولاي تسمح لي بلانصراف؟
اومئ أرثر برأسه دون كلام بعد انصراف سيدريك التفت مره اخري إلي الشرفه ينظر للأفق البعيد.
صخب الأزقة:
داخل سوق "أركونيا"، لم تكن الحياة تُقاس بالساعات، بل بمدى قدرتك على الصمود أمام قسوة الواقع برأس مرفوع. بينما كانت أسوار القصر العالية تفرض صمتاً مهيباً، كان السوق الشعبي في الأسفل ينبض بحياة صاخبة، صراعات صغيرة، وتكاتف فطري يجمع الفقراء ضد برد الجوع وظلم العساكر. وسط هذا الزحام، كانت هناك شعلة لا تنطفئ.
فتاة تُدعى "تيا"، ابنة صانع السلال، التي كان يسبقها لسانها المشاغب أينما حلت.
كانت تيا تتجول بين البسطات بشعرها الفوضوي البني المموج القصير، وثوبها الكيتاني الذي يحمل رقعاً ملونة كخريطة لحياتها الصعبة. كانت تسير حافيه القدامين وقفت أمام طاولة "العم جيرارد" الخباز، وخطفت رغيفاً ساخراً وهي تغمزه:
— يا عم جيرارد، هل هذا خبز أم حجر من بقايا السور الشرقي؟ لو قذفتُ به حارساً لفقأتُ عينه، احرص قليلا على أسناننا! يارجل
صاح جيرارد وهو يرفع يده مهدداً بزمجره:
— أعيدي الرغيف يا ابنة الشياطين! لولا أن والدكِ أصلح لي سلال الطحين بالأمس، لكنتُ ألقيتُ بكِ في الفرن مع العجين. اذهبي وشاغبي شخصاً آخر!
ردت تيا وهي تقضم طرف الرغيف ببرود مستفز:
— سأذهب لمضايقة 'ماركون'، فتفاحه اليوم يبدو حزيناً كأنه يتوقع زيارة مأمور الضرائب. وهذا الرغيف ساعتبره هديتك لي اليوم إلي اللقاء
انطلقت نحو بائع الخضار، وبخفة يد مذهلة، أعطت نصف الرغيف لطفل يتيم كان يراقبها بصمت خلف زاوية، ثم التفتت إلى ماركون قائلة:
— يا ماركون! هل هذا تفاح أم لفتٌ صبغتَه باللون الأحمر؟ لو أكل منه الملك لأصابه المغص وأراحنا من قراراته الصباحية.
رد ماركون وهو يحاول الإمساك بها:
— لسانكِ سيوردكِ المهالك يوماً يا تيا! لولا أننا نحبكِ لأنكِ الوحيدة التي تجعلنا نضحك في هذا العالم الموحش الكئيب، لكان الجنود قد علقوكِ من أذنيكِ على بوابة القرية.
ضحكت تيا وهي تقفز فوق صندوق خشبي، ونظرت نحو الدورية التي تمر في وسط السوق:
— الجنود؟ هؤلاء الرجال الذين يرتدون صواني الطعام على صدورهم؟ إنهم أبطأ من السلاحف. انظر!
وتعمدت تيا التعثر أمام قائد الدورية، لتسقط سلة من البصل الفاسد تحت حوافر خيله. هاج الحصان قليلاً، وبدأ الجندي يصرخ بغضب، بينما تظاهرت تيا بالرعب والبكاء المصطنع:
— أوه! سيدي القائد العظيم، اعذرني.. لقد خانتني قدماي أمام هيبتك! بصلاتي المسكينة ضاعت تحت أقدام خيلك الشجاع!
بينما كان الجندي يحاول تهدئة حصانه ويشتم الفتاة "الحمقاء"، كان أهل السوق يتبادلون النظرات الساخرة، والبعض استغل الفوضى لتهريب كيس طحين أو تمرير معلومة بعيداً عن أعين الرقابة. كانت تيا تعرف تماماً ما تفعله؛ فهي "الصداع المحبب" للقرية، تسرق الضحكة من أفواه المتعبين، وتخلق الفوضى كلما شعرت أن الخناق يضيق على رقابهم.
اقتربت تيا لاحقاً من محل "بياتريس"، وبدأت تعبث بلفافات الصوف قائلة بهمس ذكي:
— اهلا خالة بياتريس، الصوف اليوم له رائحة غريبة.. كأنه يحمل أسرار القصر. إذا احتجتِ لشخص ينقل 'الأمانات' دون أن يلاحظه أحد، فتذكري أن تيا المشاغبة يمكنها أن تختفي بين الزحام كأنها لم تكن.
نظرت إليها بياتريس بتمعن، ومسحت على رأسها بحنان:
— أنتِ تلعبين بالنار يا تيا.
ردت تيا وهي تبتعد بخفة:
— "النار تدفئنا يا خالة في ليالي أركونيا الباردة، والموت مرة واحدة أفضل من العيش في صمت الموتى.
كانت تيا هي النبض الذي يرفض الانكسار، الفتاة التي يتعامل معها الجميع كأنها ابنتهم، منذ ان رحلت ولداتها عندما كانت طفله لا تتجاوز عامها الأول، يوبخونها في العلن ويحمونها في الخفاء، مدركين أن لسانها السليط هو السلاح الوحيد الذي لم يتمكن الملك من مصادرته بعد.
رقصة الظل والدقيقتين:
داخل الجناح الملكي، ساد صمتٌ حذر خلف الأبواب الموصدة والمزاليج التي أغلقتها ماري بعناية فائقة. كانت كيمارا تقف وسط الغرفة، بينما كانت ماري تضع أذنها على خشب الباب، تراقب وقع خطى الحراس في الممر الخارجي، وقلبها يقرع كطبل حربي. لم يكن هذا مجرد اختبار لثوب جديد، بل كان اختباراً للروح التي قررت أن تنزع جلد الأميرة وتلبس جلد العامة المطحونين تحت الأقدام.
قالت كيمارا وهي تلمس الرداء الذي حيكته لها بياتريس بأصابع ترتجف من الحماس لا الخوف: — الآن يا ماري.. حان الوقت لنرى إن كانت بياتريس قد حيكت لي طريقاً للحرية، أم أنها خاطت لي كفناً مذهباً.
بسرعة مذهلة، خلعت كيمارا ثوبها الحريري الوردي الذي كان يثقل كاهلها برمزية الخضوع، وقلبت الرداء ذو الوجهين. في ثوانٍ، اختفى البريق الملكي تماماً، وحل محله كتان داكن، خشن الملمس، تفوح منه رائحة الصوف الطبيعي ويشبه في لونه غسق "أركونيا" وحجارة أزقتها القديمة. غطت رأسها بوشاح الرداء العريض، فنظرت إليها ماري بشهقة مكتومة وتراجعت خطوة للخلف:
— يا إلهي.. لو مررتِ بجانبي في زقاق السوق، لظننتُ أنكِ ابنة أحد المزارعين القدامي من الأرياف البعيدة. لقد اختفت الأميرة كيمارا تماماً، ولم يبقَ سوى ظل لامرأة لا يلحظها أحد.
اقتربت كيمارا من النافذة، وأخرجت ساعة جيب ذهبية كانت قد استعارتها، أو بالأحرى استولت عليها، من مكتب والدها أثناء زيارتها الأخيرة. قالت بنبرة حازمة:
— الآن، ستبدأ وردية 'جوناس' وتنتهي وردية 'روبرت'. راقبي الساعة يا ماري، وعينكِ الأخرى على تلك الزاوية عند السور الشرقي. عندما تلمحين الحارس يبدأ في التململ، أعطيني الإشارة. أريد أن أحسب بالثانية كم يستغرق القائد الجديد لينهي حديثه التافه مع الجنود ويستلم موقعه.
استندت ماري على حافة النافذة، وعيناها مسمرتان على نقطة التبديل البعيدة تحت ضوء المشاعل الخافت. مرت دقيقة.. اثنتان.. ثم همست بذعر وهي تشير بيدها:
— الآن! جوناس يسلم رمحه ويتحرك مبتعداً، والقائد روبرت يتوقف ليعدل درعه الثقيل.. إنه يضحك، يخرج غليونه! كيمارا، الساحة الشرقية فارغة تماماً، لا عين هناك الآن سوى عيون الجرذان!
فتحت كيمارا باباً سرياً صغيراً خلف خزانة ملابسها، وهو ممر ضيق مخصص أصلاً لعمال صيانة المدفأة. ركضت بخفة قطة برية، متسللة بين الظلال، مستغلة لون ردائها الذي اندمج بشكل مذهل مع سواد الحجر الرطب. وصلت إلى حافة شرفة الخدم المهجورة التي تطل مباشرة على الممر المؤدي للبوابة الشرقية.
رأت القائد روبرت وهو يتكئ بظهره على الحائط، منشغلاً بحكاية تافهة مع جندي آخر، والضحكات المتعالية تمنعهما من سماع أي حركة خلفهما. بدأت كيمارا تعد في سرها بنبضات قلبها: — واحد.. اثنان.. عشرة.. ثلاثون.. ستون.."
كانت ترى الفراغ، ترى تلك الفجوة القاتلة في "القبضة الحديدية" التي يفاخر بها والدها أمام الملوك. الدقيقتان كانتا تمشيان ببطء شديد، كأنهما دهر من الزمن يتمدد. وفي اللحظة التي أنهى فيها القائد روبرت ضحكته وبدأ يتحرك نحو مركزه، كانت كيمارا قد عادت بالفعل إلى غرفتها، تسند ظهرها للباب وتتنفس بصعوبة بالغة.
سألتها ماري وهي تمسح العرق البارد عن جبينها بقطعة قماش: — هل رأيتِها؟ هل الثغرة حقيقية أم أنها كانت محض خيال من كلام 'جوناس'؟
جلست كيمارا على الأرض، ونزعت الوشاح عن رأسها، وعيناها تلمعان ببريق مرعب ومنتصر:
— الدقيقتان حقيقتان يا ماري، كأنهما هبة من الأقدار. لقد وقفتُ هناك في الظلام، كنتُ قريبة جداً من الهواء الطلق لدرجة أنني شممتُ رائحة الخبز المحترق من فرن بعيد، وسمعتُ وقع حوافر خيول القرية. سيدريك يظن أن القصور تُحمى بأسوار صماء، لكنه نسي أن خلف تلك الأسوار رجالاً يملّون، ويضحكون، ويغفلون.
أمسكت كيمارا بكتف ماري بقوة جعلت ماري تئن قليلاً، وقالت: — البروفة نجحت أكثر مما تخيلت. الرداء يخفيني تماماً، والتوقيت دقيق كالساعة. لكنني أحتاج لشيء واحد إضافي لضمان النجاح التام.. أحتاج لصوت، لضجيج، لحدث مفاجئ في الجهة الأخرى من السور في تلك الدقيقتين بالضبط. شيء يضمن ألا يلتفت روبرت خلفه ولو بالصدفة.
همست ماري بخوف وهي تبلع ريقها:
— ومن في 'أركونيا' يجرؤ على إغضاب حرس البوابة وافتعال ضجة في ذلك الوقت المتأخر؟
ابتسمت كيمارا ابتسامة غامضة، وتذكرت وصف ماري لتلك الفتاة المشاغبة التي تملأ السوق صخباً:
— أتتذكرين تلك الفتاة التي حدثتني عنها..التي تدعي 'تيا'. إذا كانت بتلك الجرأة والمشاغبة التي تشتت أعتى الجنود، فسأجعل مشاغبتها القادمة هي أعظم خدمة تُقدم لروح مملكة 'أركونيا'. غداً يا ماري، عليكِ أن تجدي طريقة لإيصال رسالة لتيا.. ليس كخادمة، بل كصوت من خلف الأسوار يطلب حليفاً.
عادت كيمارا لارتداء ثوبها الحريري الوردي ببرود، وجلست أمام مرآتها تمشط شعرها بوقار، مستعدة لمواجهة والدها على مائدة العشاء، وهي تعلم الآن يقيناً أن زنزانتها الذهبية.. لها بابٌ سري لا يفتح إلا لمن يجرؤ على الرقص في تلك المئة وعشرين ثانية من الغفلة.
صفقة المشاغبة:
مع اقتراب الغسق، خلعت ماري مئزرها الأبيض وارتدت عباءتها المعتادة. سارت عبر البوابة الرئيسية للقصر بخطوات هادئة، وحيّت الحراس الذين اعتادوا رؤيتها تخرج كل يوم في هذا التوقيت لتعود إلى بيتها في أطراف القرية. لم يفتشها أحد، ولم يسألها أحد إلى أين تذهب؛ فهي ببساطة "ماري العجوز" التي لا تشكل خطراً.
اتجهت مباشرة إلى الزقاق الخلفي حيث تقبع ورشة السلال، لتجد تيا تجلس فوق كومة من القش، تداعب قطة شاردة بقطعة خيط، وتدندن بلحن ساخر عن القادة الذين يرتدون دروعاً ألمع من عقولهم. بمجرد أن رأت تيا ماري، قفزت من مكانها بخفة واعترضت طريقها بابتسامة عريضة:
— أوه! انظروا من هنا.. السيدة ماري، أيقونة القصر الموقرة! تفوح منكِ رائحة البخور الملكي الذي يخدر الحواس. هل انتهى يومكِ من تلميع الفضة ورعاية الأميرة المدلله، أم أنكِ جئتِ لتتذكري كيف يبدو شكل الناس الذين يسيرون بظهور منحنية من التعب لا من الانحناء للملوك؟
تنهدت ماري وهي تفرك يديها بتوتر، وقالت هامسة:
— تيا، كفي عن هذا اللسان الذي يسبق عقلك! جئتُ إليكِ في أمر قد يغير وجه 'أركونيا'..
لم تترك تيا لماري فرصة لتكمل، بل رفعت سبابتها وقاطعتها بحماس:
— قبل أن تقولي أي شيء يا خالة ماري، وقبل أن تطلبي مني أي طلب.. لدي أنا طلب! بل هو حُلم، ومقابل تحقيقه سأفعل لكِ أي شيء، حتى لو طلبتِ مني أن أسرق شارب القائد سيدريك وهو نائم!
ضيقت ماري عينيها بحذر:
— وما هو هذا الطلب الذي جعل عينيكِ تلمعان كعملة ذهبية جديدة؟
اقتربت تيا ووضعت يدها بجرأة على كتف ماري، وقالت بنبرة مرحة:
— أريد أن أعمل في القصر. نعم! أريد أن أرتدي ذلك الزي الأنيق، وأسير في الممرات المرصوفة بالرخام وانا ارفع رأسي بشموخ هكذا، وأرى بعيني كيف يأكل الملوك.. هل حقاً يستخدمون شوكاً من ذهب أم أنهم ينهشون الطعام بأسنانهم مثلنا؟ سئمتُ من ملاحقة الدجاج وبيع السلال المكسورة.
انفجرت ماري ضاحكة رغم جدية الموقف، وقالت وهي تهز رأسها:
— أنتِ؟ تعملين في القصر؟ يا ابنتي، بلسانكِ السليط هذا ومشاجراتكِ التي لا تنتهي مع اي شخص تراه عيناكِ، سيطردونكِ قبل أن يتم تعيينكِ! بل أقسم أن القائد سيدريك سيعلقكِ من لسانكِ على بوابة القصر قبل أن تصلي إلى عتبة المطبخ.
ردت تيا وهي تمثل الصدمة، واضعة يدها على قلبها:
— أنا؟ أُطرد؟ بالعكس بل سيحبونني! سأعلم الملك كيف يضحك دون أن تظهر تجاعيد الغضب على وجهه، وسأعلم الجنود كيف يمشطون شعورهم بدلاً من تنظيف سيوفهم. تخيلي فقط، تيا وهي تحمل صينية العشاء للملك.. سأقول له: 'تفضل يا جلالة الملك، هذا الدجاج كان يركض أسرع من خيولك، لذا لحمه يحمل عضلات قوية!
ضحكت ماري وقالت:
— هذا بالضبط ما أتحدث عنه! ستُلقين في الزنزانة قبل أن تصلي إلى الكلمة الثالثة. القصر ليس سوق 'أركونيا' يا تيا، هناك الجدران لها آذان، والضحكة العالية تعتبر تمردًا، وكل خطوة محسوبه بدقه، والوقوف بطريقة خاطئة قد يكلفكِ رأسكِ. أنتِ كالعصفور البري، ستموتين اختناقاً وتكسرين قضبان القفص برأسكِ من أول ساعة.
لوت تيا شفاهها بتحدٍ وقالت:
— إذن سأكون عصفوراً يسرق مفتاح القفص! سأتحمل صمتهم مقابل رؤية ما وراء تلك الجدران. ولكن قولي لي الآن.. بما أنكِ ضحكتِ على حُلمي، ماذا كنتِ ستطلبين مني يا خالة ماري؟ ما هو الأمر الذي 'يغير وجه أركونيا' وجعلكِ تأتين إلى هنا بأنفاس مقطوعة هكذا؟
صمتت ماري فجأة، وتلاشت الابتسامة عن وجهها ليرتسم مكانها قلق عميق. اقتربت من أذن تيا وهمست بصوت لا يكاد يُسمع:
— أريدكِ أن تخلقي 'زلزالاً' بشرياً يا تيا. أحتاج لفوضى عارمة، انفجار من الصراخ والاضطراب في السوق، وتحديداً عند البوابة الشرقية. أريد أن ينشغل القائد روبرت وجنوده بكل شيء.. إلا بمراقبة ما يحدث خلف ظهورهم.
اتسعت عينا تيا، وبدأ عقلها المشاغب ينسج الخطط فوراً. سألت بهمس حاد:
— فوضى عند البوابة الشرقية؟ وفي وقت تبديل المناوبات اليس كذلك؟ أنتِ لا تطلبين مجرد مشاغبة يا خالة.. أنتِ تطلبين 'ثغرة'. هل هناك من سيخرج؟ أم أن هناك من سيدخل؟
أمسكت ماري بيد تيا بقوة:
— لا تسألي عن التفاصيل، فكلما قلّ ما تعرفينه كنتِ أكثر أماناً. كل ما عليكِ فعله هو جعل البوابة الشرقية جحيماً من الضجيج لمدة دقيقتين فقط. دقيقتان يا تيا.. مقابلها، أعدكِ أنني سأبذل كل جهدي لإقناع مدبرة القصر بأننا بحاجة ليد عاملة جديدة وشابة، وسأخترع لكِ أي مبرر لتدخلي.
لمعت عينا تيا ببريق النصر وقالت:
— دقيقتان؟ سأعطيكِ عشر دقائق من الجنون الصافي! سأجعل الخيول تصطدم ببعضها والباعة يتقاتلون على الهواء. ولكن تذكري وعدكِ.. أريد رداء الخادمة الموحد هذا، وأريد مفاتيح الممرات.
انحنت ماري وقالت بجدية:
— بشرط واحد! إذا دخلتِ القصر، عليكِ أن تبتلعي لسانكِ هذا وتدفنيه تحت أعمق بلاطة. هل نحن متفقتان؟
قفزت تيا فرحاً وقالت بضحكة رنانة:
— اتفقنا! سأكون صامتة كالقبر.. ولكن قبراً يغمز للحراس الوسيمين فقط ويشتم الملك وجنوده في سره طبعاً!
انصرفت ماري نحو بيتها وهي تضحك و تفكر بذهول كيف ستمضي هذه الخطة، بينما بقيت تيا تخطط لكيفية قلب السوق رأساً على عقب، وهي تمني نفسها بدخول القصر ليس كخادمة مطيعة، بل كعاصفة صغيرة بزي رسمي.