سجينة في قصر أبي - الفصل الثالث - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

لحظات التسلل: في الممرات العميقة لثكنات الحرس، كان القائد "سيدريك"، الرجل الذي أمضى عشرين عاماً في خدمة التاج، يرتدي درعه الفضي بآلية صلبة. كان سيدريك يُلقب بـ "عين الملك التي لا تنام"، ولم يكن يؤمن بالصدف. التفت إلى مساعده الشاب وقال بنبرة خشنة: — ضاعف الحراسة عند المخرج الشرقي لساحة المطبخ. الملك يساوره قلق غير مفهوم الليلة، وعندما يقلق الملك أرثر، على المملكة أن تحبس أنفاسها. أي قطة تمر دون إذن، أريد تقريراً عنها. في هذه الأثناء، وداخل جناحها، كانت كيمارا قد خلعت رداءها الملكي الأزرق لآخر مرة. كانت تقف بقميصها الداخلي الأبيض، تنظر إلى ثوب "كارولين" الكتاني الموضوع على السرير كأنه تذكرة عبور لعالم آخر. اقتربت ماري بيدين ترتجفان، وبدأت تساعدها في ارتداء الثوب الخشن. همست ماري وهي تحكم ربط الحزام الجلدي حول خصر كيمارا النحيل: — القائد سيدريك يجوب الممرات الآن يا كيمارا. إنه يعرف وقع خطى كل فرد في هذا القصر. إذا رآكِ، فلن يشفع لكِ أنكِ ابنة الملك.. سينفذ الأوامر أولاً ثم يسأل ثانياً. ردت كيمارا وهي تغطي شعرها الذهبي بوشاح باهت، وتلطخ وجنتيها بمسحوق من الرماد لتبدو شاحبة: — سيدريك يبحث عن أميرة تهرب بجواهرها، يا ماري. لن يبحث عن فتاة هزيلة تحمل سلة غسيل فارغة. هل تذكرين ما قلتِ لي؟ 'الجندي لا يرى وجه الخادم، يرى فقط العمل الذي يؤديه'. في ركن آخر من القصر، كان الملك أرثر يقف في شرفة مكتبه، يراقب ضباب الصباح. لم يستطع النوم؛ فكلمات كيمارا الهادئة على العشاء كانت ترن في أذنه كإيقاع غير منتظم. قال لنفسه وهو يشد على قبضة سيفه المرصع: — لقد استسلمت بسرعة.. وهذا ليس من شيم بنات 'أركونيا'. هل بالغتُ في حصارها أم أنني نجحتُ أخيراً في كسر عنادها؟ وقص جناحيها مثلما فعلتُ مع إلينا؟ عادت الجهة مرة أخرى إلى كيمارا، التي كانت الآن تتسلل في ممر الخدم المظلم، قلبها يقرع داخل أضلاعها بقوة كادت تفضحها. فجأة، سمعت صوت وقع أقدام ثقيلة ومعدنية خلف المنعطف. تسمرت مكانها، وظهر القائد سيدريك مع اثنين من الحراس. انحنى كيمارا فوراً، ووضعت السلة أمام وجهها جزئياً، وبدأت تفرك الأرضية بقطعة قماش قذرة كانت ماري قد أعطتها إياها. توقف سيدريك أمامها، ونظر إلى جسدها المنحني ببرود: — أنتِ! لماذا تبدأين العمل في هذه الساعة؟ وردية الخدم لا تبدأ قبل نصف ساعة من الآن. خفضت كيمارا صوتها، وغيرت نبرته لتصبح غليظة ومرتعشة كما علمتها ماري: — سيدي سيدريك.. كبير الخدم أمرني بتنظيف ممر المطبخ قبل وصول وفد المؤن.وقال لي إن الملك لا يحب رؤية ذرة غبار عند الفجر. صمت سيدريك لثوانٍ بدت لكيمارا كأنها دهر. وضع يده على مقبض سيفه، واقترب خطوة، ليفحص تلك اليدين اللتين تحاولان الاختباء في التراب. قال سيدريك بنبرة مشككة: — ارفعي رأسكِ يا فتاة. ما اسمُك؟ تجمدت الدماء في عروق كيمارا. لو رفعت رأسها، سيحطم ضوء المشاعل تنكرها. في تلك اللحظة الحرجة، ظهر "توماس"، صبي المطبخ الصغير الذي يعرفه الجميع بشغبه، وهو يحمل قدراً كبيراً تعمد إسقاطه ليحدث جلبة هائلة خلف الحراس. التفت سيدريك بغضب عارم نحو مصدر الصوت الصاخب، وصرخ: — ما هذا الضجيج؟! من هناك؟ ركض سيدريك نحو توماس الذي تظاهر بالتعثر وسقوط القدر من يده، فأمسكه سيدريك من ياقة قميصه وهزه بعنف: — أأنت مجدداً يا توماس؟ ألم يكفك ما نلته من عقاب الأسبوع الماضي؟ ما الذي تفعله بقدور المطبخ في هذا الممر؟ رد توماس وهو يتظاهر بالبكاء والارتجاف: — سيدي القائد.. أعتذر! كنت أحاول نقل القدر لتسخين الماء لخيولك الشجاعة.. انزلقت قدمي من شدة البرد، أرجوك لا تخبر كبير الخدم، سأقوم بتنظيفها فوراً! زمجر سيدريك بوجهه: — توقف عن الهراء! اذهب من هنا قبل أن ألقي بك في القبو لتقضي بقية ليلتك مع الجرذان! استغلت كيمارا تلك الثانية من التشتت، وانسلّت بسرعة خلف باب جانبي، لكنها لم تجد مخرجاً، بل وجدت نفسها في دهليز مسدود ينتهي بباب مقفل بإحكام. حاولت دفعه بكل قوتها، لكنه كان موصداً بقفل حديدي ضخم لم يكن موجوداً في خرائطها. تسمرت مكانها وهي تسمع صوت سيدريك يعود للهدوء بعد طرده لتوماس، ويقول لحراسه بنبرة مريبة: — تلك الفتاة التي كانت هنا.. عودوا وابحثوا عنها في كل مكان. يداها كانت أنعم من أن تكون يدي خادمة تنظف الممرات عند الفجر، وصوتها كان يحمل رجفة لا تشبه رجفة البرد. سمعت كيمارا وقع أقدامهم يقترب من الدهليز. كانت محاصرة بين جدار حجري صماء وباب مقفل، وصوت المعدن يزداد صخباً مع كل ثانية. نظرت حولها بيأس، رأت فتحة صغيرة للتهوية في أعلى الجدار، لكنها كانت عالية جداً وضيقاً لا يكفي إلا لقطة. همست لنفسها والدموع تحرق عينيها: — ليس الآن.. لا يمكن أن ينتهي الأمر هنا. التفتت لتجد الحراس قد وصلوا إلى أول الدهليز، وكشافات مشاعلهم بدأت تكتسح الظلام الذي تختبئ فيه. وفجأة، شعرت بيد تمتد من خلف كومة من الأجولة الفارغة وتجذبها بقوة إلى الأسفل، نحو فجوة صغيرة لم تلاحظها من قبل في أرضية الممر. — اصمتي إن كنتِ تريدين العيش!" همس صوتٌ خشن وغير مألوف في أذنها، بينما كان ضوء مشعل سيدريك يمر فوق رأسها بسنتيمترات قليلة. أنفاس "أركونيا" المنسية: بينما كانت جدران القصر العالية تفرض صمتها المطبق، كانت القرية الراطبة في ظل الجبل قد بدأت تنفض عنها غبار الليل في صخب لا يعرف الهوادة. لم يكن الصباح هناك يبدأ برنين الأجراس الملكية، بل بصرير بكرات الآبار، وصيحات الباعة التي تشق الضباب الكثيف، ورائحة الحطب المحترق التي تمتزج برائحة الأرض المبللة بالندى. في ساحة السوق المركزية، كان النبض الحي للمكان يغلي. "العم جيرارد"، الخباز الذي اشتعل شعره بالشيب بقدر ما اشتعل فرنه بالخشب، كان يفرغ أكياس الطحين بخشونة وهو يتبادل المزاح القاسي مع جيرانه. صرخ جيرارد وهو يمسح الدقيق عن قميصه الكتاني المهترئ: — يا لوكاس! أيها الكسول، هل ستظل تحمل تلك الأخشاب وكأنك تحمل ريشاً؟ الفرن يطلب الحطب، والناس يطلبون الخبز، والسماء لا تمطر قمحاً في زمن الشح هذا! ضعهم هنا رد" لوكاس"، الشاب ذو الذراعين القويتين اللتين رسم عليهما العمل الشاق خطوطاً بارزة، وهو يلقي بحزمة من الحطب بجانب الفرن ضاحكاً بمرارة: — تمهل علينا يا عم جيرارد، فالحطب الليلة الماضية كان رطباً كأنه غُمر في النهر، والغابة أصبحت موحشة أكثر من المعتاد. حراس "أركونيا" صاروا يطاردوننا حتى خلف الشجيرات، وكأننا نسرق سبائك الذهب لا أغصان الشجر اليباس! توقف جيرارد عن العجن، ونظر إلى لوكاس بعينين غائرتين يملؤهما الحنق: — هل أوقفك الحراس مجدداً؟ ماذا يريدون منك هذه المرة؟ بصق لوكاس على الأرض بامتعاض وهو يمسح العرق عن جبينه: — سألوني عن 'التصريح'. تصور يا عم جيرارد، يريدون تصريحاً لجمع الحطب من غابة هي ملك لنا قبل أن تُبنى هذه الأسوار. قال لي أحدهم بوقاحة: 'الملك يريد التأكد من ألا يندس بينكم متمرد أو غريب'. أي غرباء؟ نحن نعرف وجوه بعضنا منذ الوباء القديم، ولا غريب هنا سوى هؤلاء الذين يختبئون خلف دروعهم الفضية! عند بئر الماء الوحيد في وسط الساحة، كان التجمع الأكثر حيوية؛ حيث تلتقي النساء لتبادل الأخبار التي لا تصل لأسماع المسؤولين. "سارة"، المرأة ذات العينين الثاقبتين والطفل المعلق على ظهرها، كانت توازن جرتها الفخارية ببراعة بينما تقول لجارتها بصوت مسموع: — هل سمعتِ الخبر اليقين؟ مأمور الضرائب سيأتي قبل موعده بأسبوع. يقولون إن القصر يحتاج لترميم السور الشرقي. وكأن الأسوار الحالية ليست عالية بما يكفي لتخنق أنفاسنا! ردت امرأة أخرى وهي تعصر قطعة قماش في وعاء خشبي، وصوت ارتطام القماش بالخشب يتردد بحدة كأنه طلقة: — ليبنوا ما أرادوا من حصون، فالحجر لا يشبع البطون الجائعة. انظري إلى أولئك الجنود عند البوابة، هناك..انهم يقفون كالتماثيل المرصوصة، يرتدون دروعاً ثمن الواحد منها يطعم قرية كاملة لشهر، ويراقبوننا وكأننا لصوص ننتظر لحظة غفلتهم. هل يظنون أننا سنأكل جدرانهم؟ اقتربت سارة من البئر أكثر، وهمست لمجموعة النساء بينما كان أحد الحراس يمر بخيله في مكان قريب: — الصمت يا نساء.. انظروا كيف يختالون بخيولهم وسط وحلنا. بالأمس منعوا زوجي من بيع محصوله في السوق الكبير بحجة 'الأمن'. أي أمن هذا الذي يحرمنا لقمة العيش؟ يوماً ما، ستضيق هذه الأسوار عليهم كما ضاقت علينا. كان السوق مسرحاً للتكافل والصراع؛ بائع الخضار يمنح امرأة عجوزاً بضع حبات من البطاطس الذابلة سراً ويغلق كيسها بسرعة قبل أن يلمحه الجندي، بينما يتشاجر حطابان على مكان وضع العربات بالقرب من ممر المشاة. الأطفال يركضون حفاة، تتعالى ضحكاتهم العفوية وهي تصطدم بالواقع القاسي، يطاردون قطة شاردة أو يتجمعون حول بائع "الحلوى المتواضعة" الذي يصنع قطعاً مغطاة بالعسل الأسود، يحلمون بمذاقها وهم لا يملكون ثمنها. عاد جيرارد لفرنه، ونظر نحو قمم القصر البعيدة التي بدت كأنها عملاق صامت يراقبهم ببرود: — انظروا إلى تلك الأبراج.. تبدو جميلة في الأفق، أليس كذلك؟ لكنها مغروسة في صدورنا. يوماً ما، سيفهم من يسكن هناك أن الخبز الذي نخبزه هنا بالدموع والعرق، له طعم أصدق من كل ولائمهم. رد لوكاس وهو يرفع فأسه من جديد: — ربما يا عم جيرارد.. لكن حتى ذلك الحين، علينا أن نجمع الحطب ونبتلع غضبنا، فالصمت هو الضريبة الوحيدة التي لم يتمكنوا من جبايتها بعد. كانت هذه هي نبض "أركونيا" الحقيقي؛ خليط من رائحة العرق والكدح، الضحكات المنطلقة رغم الألم، والهمسات التي تحمل في طياتها بذور ثورة صامتة. كان الناس هنا يتعاملون بصدق خشن، يتقاسمون الرغيف والوجع، متوحدين في بغضهم لتلك الأسوار التي تفصلهم عن عالمٍ يظن حكامه أنهم يملكون فيه كل شيء. قبضة من حديد: في قمة البرج الشمالي، حيث يمتزج ضوء الفجر الشاحب مع برودة الأحجار الصماء التي لم تعرف الدفء يوماً، كان الملك أرثر يقف كتمثال من الأبانوس خلف نافذة ضخمة تطل على القرية الرابضة في الأسفل. لم يكن ينظر إليها كوطن يسكنه بشر، بل كخريطة معقدة من التهديدات التي يجب ترويضها. كان وجهه يبدو كأنه نُحت من صخر، عيناه الزرقاوان الحادتان تراقبان تصاعد أعمدة الدخان من أفران العامة، وكأنه يحصي كمية الحطب التي استهلكوها دون إذنه. خلفه بوقار عسكري صارم، وقف القائد سيدريك، يمسك بخوذته الفضية تحت ذراعه، وينتظر إشارة من ملكه. ساد الصمت لعدة دقائق، لم يكسره سوى عواء الريح التي تصفر عبر شقوق النافذة، وصوت احتكاك درع سيدريك كلما تنفس. التفت الملك أرثر ببطء، ولم تكن ملامحه تشي بأي شفقة، وقال بصوت عميق يهز أركان الغرفة: — لقد أخبرني مأمور الضرائب أن التململ في السوق قد زاد يا سيدريك. يقول إن الناس لم يعودوا ينحنون للخيول كما كانوا يفعلون، وأن العيون التي كانت تنكسر أمام جنديّ، أصبحت الآن تحدق بتحدٍ مكتوم. أخبرني، هل بدأ رجالك يلينون؟ أم أن السوط أصبح خفيفاً على تلك الظهور؟ أحنى سيدريك رأسه قليلاً، وأجاب بنبرة تحمل ثقل السنين في الخدمة: — "مولاي، نحن ننفذ الأوامر بصرامة لا تلين. لقد ضاعفنا الحراسة عند البئر، ومنعنا دخول أي قوافل لا تملك ختماً رسمياً. لكن، اسمح لي بقول الحقيقة.. الجوع لا يسمع الأوامر دائماً. الناس يتحدثون في العلن عن قلة القمح، ويظنون أن مخازن القصر تحتفظ بما يكفي لإطعام مملكة أخرى. خطى الملك نحو طاولة كبيرة مفروشة بالخرائط، وضرب بقبضته فوق رسم يمثل حدود الغابة بقوة أهزت شمعدانات الغرفة: — ليظنوا ما شاؤوا! هل تعتقد أنني أبني هذه الحصون لأكسب وُدّ الخبازين والحطابين؟ الأمن لا يُبنى بالرضا يا سيدريك، بل بالقبضة التي تدرك متى تضرب بقوة لتكسر العظام. إذا كانوا يتذمرون من قلة القمح، فليعملوا بجهد مضاعف في المزارع الشمالية. أريد منك أن تغلق الممر الجبلي تماماً من الليلة. لا أريد لحطاب واحد أن يجمع غصناً يابساً دون تصريح مختوم بخاتمي الشخصي. كل من يُسمع له صوت في السوق، يُسحب فوراً إلى الزنزانات.. ليلة واحدة في الظلام كفيلة بتذكيرهم أن الصمت ليس اختياراً، بل هو ثمن بقائهم أحياء. تردد سيدريك، وبدت ملامحه مضطربة تحت ضوء الشموع الخافت: — "مولاي، أخشى أن تشديد الخناق بهذه الطريقة سيؤدي إلى انفجار لا نتمناه. بالأمس فقط، كاد شاب يدعى لوكاس أن يشتبك مع أحد حراس البوابة بسبب حزمة حطب بسيطة. إذا صادرنا حتى الغصن اليابس، فقد نخلق منهم وحوشاً لم تعد تخاف الموت لأنها لم تعد تملك ما تخسره. ضحك الملك أرثر ضحكة باردة، جافة، خالية من أي ذرة مرح: — الوحوش التي تخاف السوط يا سيدريك أفضل بكثير من الرعية التي تظن أنها تملك حق النقاش أو الاعتراض. أنت قائد جيشي، ولست واعظاً في كنيسة. والقلق الحقيقي الذي يسهرني ليس فقط من الغوغاء في الخارج.. القلق من أن يجد هذا التمرد طريقاً إلى داخل جدراني، من أن يتسلل هذا الوهن إلى من هم من دمي. صمت الملك قليلاً، ثم اقترب من القائد حتى أصبحت أنفاسه الباردة تلامس وجه سيدريك، وهمس بنبرة تقطر شكاً: — ابنتي كيمارا.. هدوؤها الأخير يثير ريبتي أكثر من صراخها القديم. لقد أصبحت مطيعة بشكل لا يشبه كبرياءها. أخشى أن يكون صمتها مجرد قناع لشيء أكبر. أريدك أن تضع عيوناً خلف كل باب في جناحها. حتى ماري، تلك الخادمة التي لا تفارقها، أريد تقريراً يومياً، لا.. بل ساعة بساعة عما تفعله، عما تقوله، وحتى عما تحتويه سلال الغسيل التي تخرج من غرفتها. لا أريد لثغرة واحدة، سواء كانت شقاً في سور المملكة أو تردداً في قلب ابنتي، أن تظل دون مراقبة. رد سيدريك بجمود عسكري، رغم أن عينيه كانتا تشيان بعدم الرضا: — سيتم تنفيذ كل كلمة يا مولاي. سأقوم بتغيير الحراسة الشخصية عند باب جناحها كل ست ساعات، وسأختار وجوهًا جديدة لا تعرف معنى التعاطف أو الكلام. وسأشرف بنفسي على مراقبة بوابات الخدم، ولن يمر رغيف خبز واحد دون تفتيش. أومأ الملك برأسه، وعاد لينظر من النافذة إلى القرية التي بدأت تظهر ملامحها مع طلوع الشمس: — سيدريك.. المملكة كالسفينة في قلب عاصفة سوداء، والقبطان الذي تأخذه الرحمة بالمتمردين يغرق معهم في القاع. أنا لا أبني هذه الأسوار لأحمي جسدي فقط، بل لأحمي فكرة 'أركونيا' التي لا تقبل الضعف. اذهب الآن، وأرني أن قبضتك مصنوعة من الفولاذ الذي صُهر في النيران، لا من ورق يذوب في أول قطرة مطر. خرج سيدريك من الغرفة بخطوات ثقيلة، تاركاً الملك أرثر وحيداً في برجه العالي، يراقب العالم كإله غاضب من خلف الزجاج. كان الملك يظن أنه يملك السيطرة الكاملة، بينما كانت تلك القبضة الحديدية التي يفتخر بها هي ذاتها التي بدأت تقطع آخر الخيوط التي تربطه بشعبه.. وبقلب ابنته الوحيدة. زفرات الحريق الصامت: عادت كيمارا إلى غرفتها والظلام لا يزال يلف أرجاء الجناح، تسللت عبر النافذة بخطوات متعثرة وقلب يكاد يثقب أضلاعها. لم يكن رعب من سيدريك ولا الممرات هو ما يزلزلها، بل كانت تلك اللحظة التي شعرت فيها بيد غليظة تكمم فمها، وبرودة أنفاس الغريب وهي تهمس في أذنها كفحيح الأفاعي. كانت كلماته لا تزال تتردد في رأسها، تعيد صياغة نفسها مع كل نبضة: —أيتها الأميرة الصغيرة، القصور تُبنى لتُخفي الأسرار لا لتهرب منها.. تذكري جيداً، الحرية ثمنها الدماء، وأنتِ لا زلتِ تملكين دماءً نقية جداً لتهدريها هنا. لكن النور الذي كان يشع في عينيها قبل ساعة قد انطفأ ليحل محله وهج أحمر من الغضب المكتوم. كانت أنفاسها مسموعة، متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تنظر إلى يديها الملطختين بسواد الممرات السرية وشحار القبو، وإلى موضع يده التي كانت تعتصر خصرها قبل دقائق. أغلقت ماري الباب بيديها المرتعشتين، وسندت ظهرها عليه وهي تلهث بذعر: — ليت الأقدار تسترنا! لقد عدتِ قبل أن تدق ساعة الفجر الثانية بلحظات. لو لمحكِ القائد سيدريك في الممر لكانت هذه نهايتنا جميعاً. كيمارا، اسمعيني، لقد فشلتِ.. هذه إشارة واضحة بأن العالم في الخارج ليس مقدراً لكِ، على الأقل ليس الآن. التفتت كيمارا نحو ماري، ولم تكن ملامحها تشبه ملامح تلك الأميرة الرقيقة؛ كانت عيناها تقدحان شرراً، وصوتها يخرج مخنوقاً كأنه آتٍ من بئر سحيقة، بينما صوت الغريب يهمس خلف أذنيها مرة أخرى (الحرية ثمنها الدماء...): — فشلت؟ تقولي اني فشلت يا ماري؟ أنا لم أفشل لأنني ضعيفة، بل فشلتُ لأن هذا القصر ليس منزلاً، إنه فخ محكم صُمم بعناية! والدي لم يكتفِ بالأسوار، لقد وضع أقفالاً حتى على الهواء الذي أتنفسه. هل سمعتِ الحراس؟ لقد غيروا الأقفال الليلة الماضية.. الليلة الماضية تحديداً! وكأنه يقرأ أفكاري أو يشم رائحة رغبتي في الحرية. حتي سيدريك كاد ان يكشفني لولا غباء توماس المعتاد أمسكت كيمارا بوشاحها الكتاني ومزقته بيدها بقوة أدهشت ماري، ثم ألقت القطع الممزقة تحت قدميها وصرخت بهمس حاد: — سحقاً لهذه الجدران! سحقاً لكل حجر وُضع ليمحي وجودي! يظن أنه كسب المعركة؟ يظن أن القفل الحديدي الجديد سيسكت صرختي؟ لقد حوّل حياتي إلى زنزانة مطلية بالذهب، وكلما حاولتُ لمس المقبض، وجدتُ شوكاً. حاولت ماري تهدئتها ووضعت يدها على كتفها بحذر: — اهدأي يا صغيرة، الغضب سيفضحنا أمام الحراس بالخارج. اخلعي هذه الثياب القذرة بسرعة قبل أن يأتي قائد الوردية لتفقد الممرات. الملك أصبح مرتاباً بشكل مرعب، وسيدريك يفتش في وجوه الخدم وكأنه يبحث عن خيانة مخبأة في العيون. نفضت كيمارا يد ماري عنها، وبدأت تسير في الغرفة ذهاباً وإياباً كذئب حبيس في قفص ضيق، وكلمة الغريب (دماء نقية) تلسع كبرياءها: — لا يمكنني الهدوء! أشعر بنيران تشتعل في عروقي. كل ممر سلكتُه الليلة كان ينتهي بباب موصد. كل زاوية ظننتها ثغرة، وجدتها مراقبة بعيون لا ترمش. لقد حوّل حياتي إلى لعبة شطرنج هو من يملك فيها كل القطع، ويحركني فيها كبيذق. هل يظن أنني دمية من الخزف يضعها خلف زجاج ويغلق عليها المفتاح للأبد؟ وقفت أمام المرآة الكبيرة، ونظرت إلى وجهها الملطخ بالرماد، ومسحت السواد عن وجنتها بعنف وهي تقول بصوت يرتجف من الحقد: — انظري إليّ.. هل هذه هي الهيئة التي أرادها لي؟ أنا أبدو كاللصوص الذين يطاردون في الظلال، وهذا هو ذنبه هو! لقد دفعني لأكون غريبة في بيتي، ومجرمة في نظره لمجرد أنني أردتُ رؤية الشمس. لكنه أخطأ في شيء واحد يا ماري.. لقد علمني كيف أصمد تحت الضغط، والآن سيعلم كيف يكون كيد السجين الذي لم يعد لديه ما يخسره. انهمرت دمعة غضب وحيدة، مسحتها بسرعة كأنها عار، وقالت بنبرة فيها تحدٍ مرعب: — إذا كان قد غير الأقفال، فسأتعلم كيف أحطمها. وإذا وضع الحراس عند كل باب، فسأخلق طريقاً من حيث لا يحتسبون. لن أبكي يا ماري، الدموع تليق بالضعفاء، وأنا الليلة ولدتُ من جديد وسط هذا الغبار وهذا الفشل. المحاولة الأولى كانت مجرد اختبار لصلابة سجاني، والمحاولة الثانية.. لن تكون مجرد هروب، ستكون انتصاراً يزلزل أركان هذا البرج. جلست كيمارا على حافة السرير، وأمسكت بورقتها الممزقة التي رسمت عليها الخريطة، وبدأت تمزقها إلى قطع مجهرية وهي تهمس بصوت غاب فيه صوت الغريب وحل محله صوت وعيدها الخاص: — أحكم قبضتك كما تشاء يا أبي.. فكلما زاد ضغطك، زاد انفجاري. غداً سأرتدي أجمل فساتيني، سأبتسم في وجهك، وسأكون الأميرة الأكثر خضوعاً في تاريخ هذه المملكة، وفي عقلي.. سأكون أحفر قبراً لهذا السجن. نظرت ماري إليها برعب صامت؛ فقد رأت في عيني كيمارا شيئاً لا يمكن للأقفال ولا للحراس ولا للأسوار أن توقفه.. رأت روحاً قررت أن تخوض حرباً ضروساً لن تنتهي إلا بالحرية أو الرماد. همسات خلف أبواب الصوف: نزلت ماري إلى القرية، بعباءتها الثقيلة المنسوجة من الصوف اتجهت نحو زقاق ضيق تفوح منه رائحة الصوف المغسول والصبغات الطبيعية، ودخلت من باب خشبي صغير يعلوه جرس نحاسي خافت أصدر رنيناً مخنوقاً. هناك، خلف كومة من اللفائف الملونة والأثواب الخشنة، كانت شقيقتها "بياتريس" تعمل بجد على منسجها اليدوي. رفعت بياتريس رأسها، وكانت ملامحها تشبه ملامح ماري لكنها تحمل قسوة اكتسبتها من شقاء العيش في السوق، وابتسمت بتعب قائلة: — ماري! ما الذي أتى بكِ في هذه الساعة الباكرة؟ ظننتُ أن القصر وجدرانه العالية قد ابتلعوكِ تماماً في الأيام الأخيرة. وجهكِ شاحب يا أختي، وعيناكِ غائرتان كأنكِ لم تعرفي للنوم سبيلاً. جلست ماري بتعب على مقعد خشبي قديم تآكلت أطرافه، وتنهدت بعمق وهي تفرك يديها الباردتين: — القصر لا يبتلع الأجساد فقط يا بياتريس، بل يمتص الروح ببطء. العمل هناك أصبح ثقيلاً كالحجر، والجو مشحون بشكوك لا تنتهي وهواجس تسكن كل زاوية. جئتُ فقط لأتنفس هواءً حقيقياً، ولأسمع صوتاً لا يهمس بالخوف أو يأتمر بالأوامر. توقفت بياتريس عن العمل، ونظرت إلى شقيقتها بتمعن وهي تمسح يدها بخرقة قماش: — أسمع أن الحراس يملأون الزوارق والسوق، والملك لم يعد يكتفي بجباية الضرائب، بل بدأ يفتش في صدور الناس ونواياهم. أخبريني بصدق، هل هناك خطب ما في الداخل؟ أجابت ماري بحذر شديد، وهي تحاول انتقاء كلماتها وكأنها تسير وسط حقل من الألغام: — الأمر ليس عن المملكة ككل.. بل عن 'الأرواح' التي تُسجن في أقفاص مذهبة يا بياتريس. أخبريني، أنتِ التي تشاهدين قسوة الحياة في هذا السوق يومياً، إذا قررت روح صغيرة ورقيقة أن تحطم قيودها وتخرج لتواجه العاصفة بمفردها، هل تملك فرصة حقيقية للنجاة؟ ضمت بياتريس شفتيها، وأدركت بفطرتها أن شقيقتها لا تتحدث عن مجرد قصة عابرة. ردت بصوت منخفض وهي تشد خيط الصوف: — يعتمد الأمر على ما إذا كانت تلك الروح تريد النجاة بجسدها أم بكرامتها. العالم هنا في الخارج يا ماري ليس سجادة من الحرير كما يتخيل من يعيشون في الأعلى؛ إنه مكان ينهش الضعفاء. هنا في القرية، نحن نكافح من أجل رغيف خبز يابس، وننام والخوف من الغد يطرق أبوابنا. إذا خرجت تلك 'الروح' وهي تظن أن الحرية هي مجرد ركض في الحقول، فستسحقها أول ليلة شتاء. سألت ماري بنبرة يملؤها القلق والاضطراب: — وماذا لو كانت تلك الروح ذكية؟ ماذا لو كانت مستعدة لارتداء أسمالنا، وتعلم لغتنا الخشنة، لكنها لا تزال تحمل في جوهرها رقة لا تحتمل وحل الشوارع قسوة البشر؟" تنهدت بياتريس ومالت بجسدها نحو شقيقتها وقالت بلهجة حازمة: — الرقة هنا عيب يا ماري، وليست ميزة. هنا تُكسر القلوب الرقيقة لتتحول إلى حجارة كي تستطيع الاستمرار. لكن، إذا كان لهذه الروح 'إرادة' تفوق الخوف، فقد تجد لها مكاناً بيننا كغريبة تحاول البقاء. الناس هنا لا يرحمون من لا يشبههم، ولكنهم يحترمون من يقاتل مثلهم. نصيحتي لكِ.. إذا كان هذا الأمر يخص شخصاً يهمكِ، فأخبريه أن الحرية ليست هبة، بل هي معركة ثمنها غالٍ جداً، وأحياناً يكون الثمن هو فقدان البراءة للأبد. ارتجفت يد ماري وهي تمسك بطرف عباءتها، وقالت بهمس: — أخشى أن القرار قد اتُخذ بالفعل، ولم يعد هناك مجال للعودة إلى الوراء. قالت بياتريس وهي تعود لمنسجها بصمت مهيب: — إذن ليس عليكِ سوى الدعاء بأن تكون الأقدار رحيمة بها. ففي 'أركونيا'، حتى الرياح تبدو وكأنها تأخذ أوامرها من الملك. خذي معكِ هذه اللفة من الصوف الخشن، ربما تحتاجينها لصنع شيء يقي من البرد القادم، فليالي القصر ستصبح أكثر برودة من الآن فصاعداً. شكرت ماري شقيقتها وخرجت من المتجر، وهي تشعر أن كلمات بياتريس قد وضعت ثقلاً جديداً فوق صدرها. القرية التي تراها كيمارا كجنة مفقودة، هي في نظر بياتريس وماري ساحة حرب يومية، وبين هذا وذاك، تقف ماري حائرة، تخشى اللحظة التي ستكتشف فيها الأميرة أن العالم الخارجي لا يرحم الحالمين.