سجينة في قصر أبي - الفصل الثاني - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

مراقبة الظلال: لم تعد كيمارا تقضي ساعاتها أمام النافذة تحلم فحسب، بل بدأت عيناها تأخذان حدة الصقر. كانت تقف خلف الستائر المخملية الثقيلة، تمسك بورقة صغيرة وقلم رصاص خبأتهما بين طيات فستانها، تدون ملاحظات دقيقة لم تكن ليفهمها أحد غيرها. كانت تراقب من شرفتها العالية ساحة التدريب وتبديل ورديات الحراس في الممرات الخلفية للقصر. دخلت ماري الغرفة ووجدتها على هذه الحالة، فوضعت صينية الفاكهة بارتباك وقالت وهي تغلق الباب خلفها بمفتاح الأمان: — كيمارا، ما الذي تفعلينه؟ الملك يسأل عنكِ باستمرار، لقد لاحظ هدوءكِ المفاجئ في الأيام الأخيرة. يقول إنكِ لم تعودي تجادلينه بشأن الخروج أو تطلبين رؤية المدينة.. هل بدأتِ تستسلمين يا صغيرتي؟ التفتت كيمارا بابتسامة هادئة، لكنها ابتسامة تخفي وراءها عاصفة: — لقد تعلمتُ أن الصمت أقوى من الصراخ يا ماري. أبي يريدني أميرة مطيعة، وأنا أعطيه الصورة التي تريحه. لكن أخبريني.. هؤلاء الحراس الذين يرتدون الدروع الفضية ويسيرون كأنهم آلات صماء، متى تكون اللحظة التي يغمضون فيها أعينهم؟ متى يشربون الماء؟ متى يضحكون مع بعضهم؟ ارتجفت يد ماري وهي ترتب الوسائد وقالت بهمس مذعور: — لماذا تسألين عن هذه التفاصيل الموحشة؟ هل بدأتِ تفكرين في المستحيل؟ يا ابنتي، هؤلاء الحراس أقسموا على حمايتكِ بأرواحهم، وهم مدربون على ألا يغمض لهم جفن. ضحكت كيمارا بمرارة وهي تشير بإصبعها نحو الساحة: — لا يوجد بشر لا يغمض جفنه يا ماري. انظري إلى الحارس عند البرج الشمالي، إنه يغير وضعية وقوفه كل خمس دقائق لأن درعه يضغط على كتفه، وفي كل مرة يفعل ذلك، ينظر للأرض لثوانٍ. أما قائد الحرس، فهو يترك موقعه عند الغسق ليتناول حساءه، وفي تلك اللحظة، يسود هرج و مرج بسيط بين الجنود الصغار. البشر لهم ثغرات، وأبي يظن أنه أحاطني بملائكة لا تخطئ. اقتربت ماري منها وأمسكت بكتفيها: — كيمارا، أتوسل إليكِ، لا تطيلي النظر للأسفل. الجدران هنا لها آذان، والملك ليس أحمقاً. سيلاحظ أن ابنته التي كانت تبكي وتتذمر أصبحت الآن تراقب الظلال بصمت الجواسيس. ماذا سأقول له إن سألني عن سبب وجودكِ الدائم خلف الستائر؟ ردت كيمارا وعيناها تلمعان بذكاء حاد: — قولي له إنني أصبحتُ أحب العزلة، قولي له إنني أدركتُ أخيراً أن كلامه عن 'وحشية العالم' قد أخافني. أليست هذه هي الكذبة التي يريد سماعها؟ دعيه يطمئن، فكلما زاد اطمئنانه، زادت ثغرات قصره." سألت ماري بصوت مرتعش: — وماذا عن هذه الأوراق؟ لقد رسمتِ تفاصيل الممرات الخلفية بدقة مخيفة.. حتى ممر الخدم السري الذي لا يسلكه إلا عمال النظافة! أخذت كيمارا الورقة وطوتها بعناية وهي تقول: — أريد أن أعرف كيف تُدار اللعبة يا ماري. أبي يقول إن هذا القصر هو العالم، وأنا أريد أن أفهم تضاريس عالمي. أريد أن أعرف أين يذهب الحطابون بعد أن يفرغوا حمولتهم، ومن أين يدخل بائعو القماش. هل تعلمين أن هناك باباً صغيراً خلف المطبخ يُترك موارباً عند الفجر لإخراج النفايات؟ دقيقتان فقط، لكنهما كافيتان ليمر منهما طيف.. أو ربما حلم. أمسكت ماري يدها بقوة تحمل تحذير حاد: — هذا ليس حلماً يا كيمارا، هذا انتحار! السور عالٍ جداً، والكلاب البوليسية تجوب الغابة المحيطة، والأسوار مراقبة بالمشاعل! حتى لو عبرتِ البوابة، الغابة خلفها تيهٌ لا يعرفه إلا الصيادون. هل ستخاطرين بحياتكِ من أجل دقيقتين؟ أجابت كيمارا وهي تنظر في عيني ماري بصلابة: — المخاطرة بالحياة أهون من المخاطرة بالروح يا ماري. الروح تذبل هنا كل يوم، أما الجسد.. فإما أن يحصل على حريته أو ينام في تراب الأرض التي مُنع من المشي عليها. أنا لا أخطط لشيء الآن، أنا فقط.. أجمع الخيوط. أليس من حقي أن أعرف كم خطوة تفصلني عن الهواء الذي لا يخضع لأوامر أبي؟ ساد صمت ثقيل، ماري تنظر بذهول لهذه الأميرة التي نضجت فجأة وتحولت من طفلة باكية إلى عقل مدبر، وكيمارا عادت لتراقب الظل الذي بدأ يزحف على جدران الساحة، وهي ترتب في خيالها كيف يمكن لـ "كارولين" أن تعبر من حيث تفشل "كيمارا". صندوق الذكريات: دخلت ماري إلى الجناح وهي تحمل في يدها مفتاحاً نحاسياً قديماً، بدت مرتبكة، تلتفت خلفها نحو الرواق الطويل وكأنها تخشى أن تتبعها جدران القصر نفسها. وجدت كيمارا جالسة فوق طاولة الزينة، لا تنظر إلى المرآة لتتأمل جمالها، بل كانت ترسم بأصابعها دوائر وهمية فوق سطح الخشب. وقفت ماري أمام خزانة خشبية مهملة في ركن الغرفة، وقالت بصوت متهدج: — لقد بقيتُ طوال الليل أفكر في كلامكِ يا كيمارا.. لم أذق طعم النوم. كلماتكِ عن 'الروح التي تذبل' كانت تلاحقني في كل زاوية. لذا.. جئتُ إليكِ بما طلبتِ، ليس تشجيعاً لكِ، بل لأنني أدركتُ أن الحقيقة أرحم من الخيال. نهضت كيمارا ببطء، واقتربت من ماري بفضول حبس أنفاسها: — هل هو هناك حقاً؟ ثوب كارولين؟ أدخلت ماري المفتاح في قفل الصندوق الخشبي الموجود أسفل الخزانة، وسمعت كيمارا صرير القفل الذي لم يُفتح منذ سنوات. انبعثت رائحة "النفتالين" واللافندر القديم، وسحبت ماري قطعة قماش ملفوفة بعناية. عندما فردتها، ظهر ثوب من الكتان الخشن باللون الرمادي الباهت، به بعض الرقع الصغيرة عند الأكمام، لكنه كان نظيفاً ومرتباً. لمست كيمارا القماش بأطراف أصابعها، فارتجفت يدها: — إنه خشن.. خشن جداً يا ماري. ليس كالحرير الذي ينزلق عن جلدي دون أن أشعر به. هذا القماش له ملمس.. له وجود. مسحت ماري دمعة نزلت رغماً عنها وقالت: — هذا الثوب شهد أياماً من الكدح تحت الشمس، وشهد ضحكات ابنتي وهي تركض في الحقول. الكتان يا ابنتي لا يخدع أحداً؛ هو يخبركِ أن الحياة صعبة، لكنها حقيقية. هل تظنين أن جسداً تربى في رغد القصور سيتحمل خشونة هذا الرداء يوما؟ رفعت كيمارا الثوب ووضعته أمام جسدها وهي تنظر للمرآة، اختفت ملامح الأميرة خلف تواضع الكتان، وقالت بهمس: — أشعر أنني أتنفس من خلاله يا ماري. الحرير كان يذكرني دائماً بما يتوقعه الناس مني، لكن هذا الثوب.. لا يطلب مني شيئاً. يتركني أكون مجرد إنسانة. أخبريني، كيف كانت كارولين ترتديه؟ هل كانت ترفعه هكذا لتمشي أسرع؟ ابتسمت ماري بمرارة: — كانت تربطه بحزام من الجلد حول خصرها، وتضع وشاحاً على رأسها لتختبئ من الشمس.. أو من العيون الفضولية. كيمارا، انظري إليّ.. ارتداؤكِ لهذا الثوب ليس مجرد تمثيل، إنه اختيار. إذا لمستِ هذا العالم، لن تعودي أبداً تلك الفتاة التي كانت ترضى بالتاج. ردت كيمارا وهي تضم الثوب إلى صدرها: — وماذا لو لم أعد أريد التاج؟ ماذا لو كانت كارولين التي بداخلي أقوى من كيمارا التي صنعها أبي؟ ماري، أنتِ لا تعطينني مجرد قماش قديم، أنتِ تعطينني هوية. قولي لي، لو رآني أحد الحراس بهذا الثوب، هل سيتعرف علىّ؟ هزت ماري رأسها بأسى: — الحراس ينظرون إلى التيجان والجواهر يا ابنتي، لا ينظرون إلى الوجوه. إذا خلعتِ ذهبكِ ولبستِ هذا الكتان، ستصبحين بالنسبة لهم مجرد 'لا أحد'.. مجرد ظل يمر في الممر. وهذا هو أخطر ما في الأمر؛ أن تكوني بلا حماية في عالم لا يرحم الضعفاء. أمسكت كيمارا بيد ماري وقالت بيقين غريب: — أبي يقول إن العالم لا يرحم الضعفاء، وأنا أقول إن القصر لا يرحم الأقوياء. هذا الثوب لن يحميني من الخناجر، لكنه سيحميني من الضياع في سراب هذه الجدران. خبئيه لي يا ماري.. خبئيه في أعمق نقطة في خزانتي، حتى تأتي اللحظة التي لا أعود فيها سجينة. أعادت ماري لف الثوب وهي ترتجف: — ساُخبئه، لكنني أرجوكِ.. لا تجعليه كفناً لأحلامكِ. الملك لو علم، لن يرحم أحداً منا. هو يرى في هذا الكتان عدواً يهدد عرشه الملكي ونقاء دمكِ. نظرت كيمارا نحو النافذة وقالت بصوت ثابت: — النقاء ليس في الدم يا ماري، النقاء في الحرية. وأنا الآن أملك أول خيط يربطني بها. لغة الفقراء: لم يكن الثوب الكتاني كافيًا وحده ليجعل من كيمارا فتاة من العامة؛ فمشيتها المتزنة، ورأسها المرفوع دائمًا، وطريقة نطقها للحروف بتهذيب مبالغ فيه، كانت كلها "جواسيس" تفضح أصلها الملكي. لذا، كان على ماري أن تبدأ مهمة أخطر من تهريب الثياب؛ وهي تعليم كيمارا كيف تذوب بين الناس كقطرة ماء في المحيط. —ماري!.. علميني كيف يعيشون العامه.. قالتها كيمارا بفضول جلست ماري على الأرض، وأشارت لكيمارا أن تفعل مثلها، وقالت بنبرة جادة: — الأميرة تمشي وكأن الأرض ملكها، أما ابنة العامة فتمشي وكأنها تخشى أن تزعج الأرض. اخفضي كتفيكِ يا كيمارا، فالفقر يحني الظهر قليلاً تحت ثقل الهموم، ولا تنظري في أعين الناس مباشرة بحدّة، بل اجعلي نظرتكِ منكسرة لأسفل، كأنكِ مشغولة بحساب ما تبقى في جيبكِ من قروش. حاولت كيمارا تقليد حركتها، لكنها ضحكت بخجل وقالت: — الأمر أصعب مما ظننت! أشعر أن جسدي اعتاد على التصلب كالتماثيل. كيف يمكنني أن أتحدث دون أن أبدو وكأنني ألقي خطاباً ملكياً؟ تنهدت ماري وقالت وهي تصحح لها جلستها: — هنا تكمن العلة. عليكِ أن تنسي كلمات مثل 'أرجو' و'أتمنى' و'من فضلك' التي تنطقينها بنعومة الحرير. في السوق، الكلمات قصيرة وخشنة. لا تقولي 'هل يتكرم أحدكم بمساعدتي؟'، بل قولي 'أعطني يداً هنا يا هذا'. لا تمدي يدكِ وكأنكِ تنتظرين من يقبلها، بل اشبكي أصابعكِ ببعضها، أو امسحيها في طرف ثوبكِ كما يفعل الكادحون. ردت كيمارا وهي تحاول تقليل نبرة صوتها: — أعطني يداً هنا.. هل هكذا يبدو الأمر صحيحاً؟ ماري، أخبريني عن كلماتهم الخاصة. كيف ينادون بعضهم؟ كيف يعبرون عن غضبهم من الحرس دون أن يُقبض عليهم؟ اقتربت ماري منها وهمست بصوت يحاكي لهجة أهل القرى: — ينادون الرجل 'يا عم' والمرأة 'يا خالة'. وإذا مرّ الحراس، يصمتون تماماً، وتتحول نظراتهم إلى حذر صامت، يتبادلون الرسائل بالعيون فقط. عليكِ أن تتعلمي كيف تختفين وأنتِ واقفة في مكانكِ. في القصر، أنتِ مركز الضوء، لكن في الخارج، الأمان هو أن تكوني مجرد ظل. قالت كيمارا بفضول وهي تحاول تقليد مشية متعثرة قليلاً في الغرفة: — أتعرفين يا ماري، وأنا أحاول تقليدهم، أشعر بقرابة غريبة نحوهم. أبي يظن أنهم وحوش، لكنني أرى في لغتكم قوة وبساطة. أخبريني، إذا سألني أحدهم من أين أتيتِ، ماذا أقول دون أن يرتبك لساني؟ أجابت ماري بصرامة: — تقولين إنكِ يتيمة من قرى الشمال، جئتِ لتبحثي عن عمل في المزارع. لا تذكري أي تفاصيل عن القصور أو الذهب. وإذا رأيتِ جندياً من جنود والدكِ، لا ترتبكي وتجري، بل انحني برأسكِ وكأنكِ تنظفين الطريق من أمامه. الجندي لا يرى وجه الخادم، يرى فقط العمل الذي يؤديه. نظرت كيمارا إلى يديها الناعمتين وقالت بأسى: — يداي ستفضحانني يا ماري. إنهما لم تعرفا سوى لمس الريش والعطر. أمسكت ماري بحفنة من تراب وعاء الزرع الموجود في الشرفة، ونثرتها على يدي كيمارا قائلة: — إذن فلنبدأ من هنا. التراب هو قناع الفقراء الصادق. افركي يديكِ به حتى تختفي تلك النعومة الملكية. تعودي على ملمس الأرض، فهي الوحيدة التي لن تخونكِ إذا قررتِ يوماً أن تسيري عليها. فركت كيمارا يديها بالتراب، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ثم نظرت لماري وقالت بابتسامة غامضة: — أتعلمين؟ هذا التراب يبدو حقيقياً أكثر من كل المجوهرات التي ارتديتها في الحفل. كيمارا بدأت تغرق في الطين يا ماري، وكارولين بدأت تتعلم كيف تتنفس. ردت ماري بقلق وهي تنظر للباب: — أرجو أن يكون هذا مجرد درس في التمثيل يا ابنتي، لأنكِ إذا أتقنتِ لغة الفقراء، فستفهمين أوجاعهم، ومن يفهم أوجاع الناس، لا يمكنه أبداً أن يعود ليعيش خلف الجدران وكأن شيئاً لم يكن. وليمة الخداع: كانت مائدة العشاء الطويلة تمتد كصحراء من الرخام الأبيض بين الملك أرثر وابنته. الشموع المشتعلة كانت تعكس ظلالاً مهيبة على الجدران، وصوت الأواني الفضية كان النغمة الوحيدة التي تكسر حدة الصمت. ارتدت كيمارا فستاناً من الحرير الأزرق الشاحب، وتعمدت أن تضع عقداً بسيطاً كانت قد توقفت عن ارتدائه منذ سنوات، لتظهر لوالدها أنها عادت "الطفلة المطيعة". قطع الملك قطعة من اللحم ببطء، ثم نظر إليها بعينين ثاقبتين وقال: — لقد لاحظتُ هدوءكِ في الأيام الأخيرة يا كيمارا. لم تعد ماري تشكو من وقوفكِ الطويل خلف النوافذ، ولم أسمع منكِ طلباً واحداً لزيارة المدينة. هل بدأ العقل يجد طريقه إلى رأسكِ الصغير؟ رسمت كيمارا على وجهها ابتسامة باهتة، محملة بنبرة من الندم المصطنع، وقالت بصوت هادئ: — ربما بدأتُ أكبر يا أبي، أو ربما تعبتُ من الجدال. لقد فكرتُ كثيراً في كلامك ليلة الحفل، ورأيتُ كيف ينظر الناس إلينا.. كان في عيونهم بريق غريب أخافني فعلاً، كأنهم لا يرونني، بل يرون فقط هذا التاج. توقف الملك عن الأكل، وظهرت على وجهه علامات الرضا التي كانت كيمارا تسعى إليها، ورد بنبرة دافئة: — هذا هو البريق الذي كنتُ أحذركِ منه يا ابنتي. إنه الحسد، وهو أول خطوة نحو الغدر. يسعدني أنكِ بدأتِ تدركين أن هذه الجدران ليست سجناً، بل هي حضن يحميكِ من عالم لا يقدر قيمتكِ. خفقت دقات قلب كيمارا، لكنها حافظت على ثبات صوتها وهي تسأل بخبث مبطن: — لكن يا أبي، ألا تعتقد أنني أحتاج لمعرفة عدوي أكثر؟ أقصد.. كيف سأحمي نفسي مستقبلاً إذا كنتُ لا أعرف كيف يفكر هؤلاء الناس بالخارج؟ هل هم حقاً بتلك القسوة التي تصفها؟ عقد الملك حاجبيه وأجاب بصرامة: — أقسى مما تتخيلين. إنهم يبيعون بعضهم من أجل رغيف خبز، فما بالك بما قد يفعلوه من أجل أميرة؟ لا تحاولي إشباع فضولكِ بالاقتراب منهم، فالنار لا تُدرس باللمس بل بالمراقبة من بعيد. لقد أمرتُ بزيادة عدد الحراس حول جناحكِ ليس تضييقاً عليكِ، بل لأن هدوءكِ هذا جعلني أخشى أن يظن المتربصون أن حمايتكِ قد خفت. شحب وجه كيمارا لثانية، لكنها استدركت قائلة بضحكة خفيفة: — زيادة الحراس؟ أبي، أنا بالكاد أجد مساحة للمشي في الحديقة دون أن أصطدم بدرع فضي! ألا تظن أنني أصبحتُ بأمان كافٍ الآن وأنا مقتنعة بكلامك؟ لقد بدأتُ حتى أفكر في اختيار الوصيفات الجدد كما اقترحتَ عليّ. وضع الملك يده على يدها فوق الطاولة، وقال بعاطفة حقيقية: — هذا هو الكلام الذي كنتُ أنتظر سماعه. أريدكِ أن تنشغلي بأمور القصر، بالتطريز و بالموسيقى، وبالاستعداد لليوم الذي تسلمين فيه يدكِ لرجل يقدر هذا النقاء. لقد أزحتِ هماً ثقيلاً عن صدري يا كيمارا. ردت كيمارا وهي تنظر في عينيه مباشرة، تمثل أقصى درجات الخضوع: — سأفعل ما يريح قلبك يا أبي. سأكون الابنة التي تفتخر بها، وسأترك أحلام الخروج للريح التي تأتي بها. ففي النهاية.. أنت أعلم بمصلحتي مني، أليس كذلك؟ ابتسم الملك باتساع، وهو لا يدرك أن كل كلمة نطقت بها ابنته كانت حجراً تضعه في بناء خطتها. وعندما انتهى العشاء وانصرف الملك، وقفت كيمارا تراقب ظهره وهو يبتعد، وتلاشت ابتسامتها فوراً لتحل محلها نظرة باردة وحادة. همست لنفسها وهي تفرك يدها التي لمسها والدها: — لقد صدقتَ الكذبة يا أبي، لأنك أردتَ تصديقها. لقد أغمضتَ عينيكَ بيدك، وهذا هو الوقت الذي سأبدأ فيه بفتح عينيّ على آخرهما. سأكون الأميرة المطيعة في النهار، وفي الليل.. سأكون كارولين التي لا يعرفها أحد. عادت إلى غرفتها، حيث كانت ماري تنتظرها بخوف، لتقول لها كيمارا بلهجة المنتصر: — لقد ابتلع الطُعم يا ماري. أبي يظن أنه انتصر، وهذا هو أفضل وقت لنحيك فيه خيوطنا الأخيرة. قرار منتصف الليل: ساد السكون أرجاء القصر، ولم يعد يُسمع سوى صرير الخشب وتكات الساعة الرخامية الكبيرة في الرواق. عادت كيمارا إلى غرفتها، وأوصدت الباب خلفها بقلبٍ يقرع كالطبول. نزعت وشاحها الحريري وألقته بإهمال، ثم اتجهت نحو الزاوية حيث تقبع صورة والدتها الملكة "إلينا". كانت ماري هناك، ترتجف وهي تمسك بمصباح زيتي ضئيل، وعيناها تلمعان بقلقٍ لم تعد قادرة على كتمانه. همست ماري بصوت متهدج: — كيمارا، لقد رأيتُ نظراتكِ على العشاء.. كانت باردة كالثلج رغم ابتسامتكِ. هذا الخداع سيحطم قلب والدكِ إذا اكتشفه، وسيحطمنا جميعاً. أرجوكِ، أخبريني أنكِ لا تزالين تمزحين بشأن تلك الأفكار الجنونية. لم ترد كيمارا فوراً، بل وقفت أمام صورة والدتها، وتأملت تلك الملامح الهادئة التي تخفي وراءها سنوات من الصمت. قالت كيمارا وهي تلمس إطار الصورة البارد: — انظري إليها يا ماري.. انظري إلى عينيها. هل ترين هذا البريق المنطفئ؟ أبي يظن أنه يحميني، لكنه في الحقيقة يحنطني حية كما فعل بها. هي لم تختر الرحيل، فاختارت الذبول. أما أنا، فلن أنتظر حتى تلتهم الجدران لوني. اقتربت ماري منها وأمسكت بكتفها بقوة: — لكنه والدكِ! هو يحبكِ بطريقة قد تكون خاطئة، لكنها صادقة. إذا خرجتِ وتجاوزتِ تلك الأسوار، فلن تعودي الأميرة المصونة. العالم بالخارج لن يحني رأسه لكِ، بل قد يكسره. أنا خائفة عليكِ من الغابة، من الناس، ومن غضب الملك الذي لن يهدأ حتى يقلب المملكة رأساً على عقب ليجدكِ. التفتت كيمارا إليها، وكانت عيناها تشتعلان بإصرارٍ لم تره ماري من قبل: — الخوف يا ماري هو العملة التي يتاجر بها أبي ليشتري ولائي. لقد قررتُ.. لن تكون هذه الليلة مجرد ليلة أخرى من الأحلام. لقد راقبتُ الحراس، وتعلمتُ لغة الفقراء، وارتديتُ تراب الأرض على يديّ. لم يعد هناك مجال للتراجع. خاطبت كيمارا الصورة مرة أخرى وكأن والدتها تسمعها: — أمي.. سامحيني لأنني سأفعل ما لم تجرؤي أنتِ على فعله. سأخرج لأشم الهواء الذي حُرِمتِ منه. سأركض في تلك الغابة التي كنتِ تنظرين إليها من نافذتكِ بأسى. لن أكون ذكرى باهتة معلقة على حائط، سأكون حياة حقيقية تصرخ في وجه هذا السكون. سقطت ماري على مقعد قريب، وغطت وجهها بيدها: — هذا جنون.. سيسألونني، سيحققون معي، سيقولون إنني غدرتُ بالملك الذي ائتمنني على أغلى ما يملك.سيقولون انني من شجعتُكِ على هذا، ارجوكِ ابنتي عودي إلي عقلك. جثت كيمارا على ركبتيها أمام ماري، وأمسكت يديها المتجعدتين وقالت بحنان: — لن يصيبكِ مكروه يا ماري، سأترك رسالة تخبره أنني هربتُ رغماً عنكِ، وأنكِ حاولتِ منعي. لكنني أحتاج منكِ شجاعة أخيرة. أريد أن تضعي ثوب 'كارولين' تحت سريري الآن. غداً، عندما يدق بوق تبديل المناوبات في الساعة الثالثة فجراً، لن تكون كيمارا هنا. شهقت ماري: —غداً؟! بهذه السرعة؟ أومأت كيمارا برأسها: — نعم، غداً. غداً سأختبر إن كان العالم وحشاً كما يقول، أو إن كان بيتاً واسعاً كما أتخيل. غداً سأخلع اسمي، وتاجي، وكل ما يربطني بهذا القفص الذهبي. ماري، لا تبكي.. ابنتكِ 'كارولين' ستكون فخورة بأن اسمها عاد ليمشي على الأرض مرة أخرى. نظرت ماري إلى كيمارا الطويلة والشامخة، وأدركت أن قرار منتصف الليل قد اتُخِذ، وأن الريح التي كانت تهمس أصبحت الآن إعصاراً لا يمكن إيقافه. وضعت ماري يدها على رأس كيمارا في مباركة صامتة ومؤلمة، وهي تدرك أن قصر "أركونيا" لن يكون أبداً كما كان بعد هذه الليلة. قالت كيمارا وهي تطفئ المصباح، ليبقى بصيص ضوء القمر وحده ينير الغرفة: — نامي يا ماري.. فغداً ستبدأ الحكاية التي لم يكتبها أبي.