سجينة في قصر أبي - الفصل الأول - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

جدران الصمت:  ​داخل الجناح الشرقي الفسيح، كان كل شيء يلمع بالذهب والرخام، لكن "كيمارا" كانت تشعر أن الجدران تضيق عليها يوماً بعد يوم. وقفت أمام نافذتها الضخمة، تسند جبينها على الزجاج البارد، تراقب من بعيد أضواء القرية الصغيرة التي تتلألأ في الأفق مثل نجوم هبطت على الأرض. ​قطعت صمت الغرفة حشرجة خفيفة، والتفتت كيمارا لتجد "ماري"، مربيتها العجوز ووصيفتها المقربة، تضع صينية الشاي بهدوء. ماري لم تكن مجرد خادمة، كانت الصدر الحنون الذي ارتمت فيه كيمارا منذ وفاة والدتها. ​همست ماري وهي تلاحظ نظرات كيمارا المعلقة بالأفق: — مازلتِ تنظرين إلى هناك يا صغيرتي؟ تلك الأضواء ليست سوى متاعب لا تليق بأميرة مثلكِ. اشربي شايكِ قبل أن يبرد. ​تنهدت كيمارا بعمق وهي تبتعد عن النافذة: — ليست متاعب يا ماري، بل حياة. أريد فقط أن أمشي في زقاق لا يحرسه جنود، أن أتحدث مع شخص لا ينحني لي قبل أن يرى وجهي. هل العالم حقاً بالبشاعة التي يصفها لي أبي دائما ؟ ​وضعت ماري يدها المتجعدة على كتف كيمارا وقالت بصوت خفيض: — العالم يا ابنتي كالبحر، فيه اللؤلؤ وفيه القروش. والملك.. لا يرى إلا القروش التي قد تلتهم جوهرته الوحيدة. هو يخاف عليكِ ويخشي أن يصيبك مكروه ​قبل أن تجيب كيمارا، انفتح باب غرفتها الضخم ، وظهر الملك "أرثر". كان وجوده كفيلاً بأن يغير هواء الغرفة من الهدوء إلى الرهبة. انحنت ماري وانسحبت بخفوت، بينما ظلت كيمارا واقفة بمواجهته. ​اقترب الملك وطبع قبلة على جبينها، لكن عينيه كانت تتفحصان الغرفة وكأنه يبحث عن خطر خفي: — سمعتُ أنكِ رفضتِ الخروج لتمشية الصباح في حديقة القصر اليوم أيضاً يا كيمارا. هل انتِ بخير؟ ​قالت كيمارا بصوت خافت محاولة استعطافه: — أنا بخير يا أبي، لكنني مللتُ الحديقة.. حفظتُ كل شجرة وكل حجر فيها. كنتُ آمل.. فقط لو تسمح لي بمرافقتك في زيارتك القادمة للمدينة، ولو لنصف ساعة فقط، وأنا متنكرة بوشاح بسيط. ​تغيرت ملامح الملك فوراً، واختفي حنان عينيه ليحل محله حزم صارم: — المدينة؟ هل تدركين ما تقولين؟ هناك، خلف تلك الأسوار، لا يوجد بروتوكول يحميكِ، ولا حراس يحيطون بكِ في كل شبر. العالم بالخارج غابة، والناس هناك وحوش يرتدون ثياب البشر. يبتسمون في وجهكِ وهم يخبئون خناجرهم خلف ظهورهم. ​خطت كيمارا خطوة للأمام، وقد بدأ صوتها يرتجف بانفعال: — ولكن يا أبي، كيف لي أن أكون أميرة صالحة وأنا أجهل ما يشعر به شعبي؟ كيف أعرف معنى الجوع أو التعب وأنا أعيش بين الحرير؟" ​رد الملك أرثر بحدة وهو يقترب منها: — لا تحاولي تجميل الأمر بكلمات الحكم! أنتِ لا تعرفين شيئاً عن القذارة التي تملأ الشوارع، ولا عن القلوب التي أكلها الحسد لأنكِ تعيشين هنا. مكانكِ داخل هذه الأسوار، في حبي وحمايتي أفضل من أن تكوني جثة هامدة فوق أرصفة المدينة. لن تخرجي من هذه الأسوار إلا لمملكة زوج يحميكِ كما أفكر لكِ ، ويكون قوياً بما يكفي ليسد كل ثغرة قد ينفذ منها الغدر إليكِ. ​صمتت كيمارا، وشعرت بمرارة الكلمة.. "زوج". وكأن حياتها عبارة عن انتقال من سجن والدها إلى سجن رجل آخر. ​خرج الملك، ووقع خطواته يتردد في الممر مثل دقات ساعة تعلن عن ضياع العمر. عادت ماري ، فوجدت كيمارا واقفة بجسد متصلب، وعيناها مثبتتان على الباب المغلق. والدموع متحجره في عيناها ​همست ماري بقلق: — كيمارا.. اهدئي، إنه يفعل هذا من أجلكِ. ​التفتت إليها كيمارا بنظرة باردة لم تعهدها ماري من قبل: — من أجلي؟ هو يفعل هذا من أجل خوفه هو، وليس من أجل سلامتي. هو يرى وحوشاً في الخارج، وأنا أرى أن الوحش الحقيقي هو هذا القصر الذي يسرق هويتي ويحولني إلى دمية مرصعة بالجواهر. حقا سئمتُ ماري من كل هذا اريد الحرية.  ​لم تزد كيمارا حرفاً، لكنها عادت إلى النافذة مرة أخرى، تراقب تلك الأضواء البعيدة خيوط الحرير والكتان: عادت كيمارا إلى سريرها الوثير، لكنها لم تلمس وسائدها الحريرية. ظلت عيناها عالقتين بالسقف المرسوم عليه ملائكة وسحب، وكأنها سخرية أخرى من واقعها الأرضي المكبوت. دخلت ماري الغرفة، حاملةً هذه المرة صندوقاً خشبياً صغيراً لأدوات الخياطة. نظرت إلى كيمارا التي كانت في حالة من الذهول التام، وقالت بهدوء: — الحرية ليست كلمة تُقال يا كيمارا، الحرية ثمنها باهظ.. وأحياناً يكون الثمن هو كل ما تعرفينه الآن. اعتدلت كيمارا في جلستها، ونظرت إلى ماري بتركيز: — أتقصدين أن ثمنها هو الوحدة؟ أبي يقول إن الناس سيؤذونني.. هل تعتقدين أنه محق؟ هل الجميع بالخارج يكرهوننا لأننا نسكن القصور؟ جلست ماري عند طرف السرير، وبدأت تعبث بخيوطها: — ليس كرهًا يا صغيرتي، بل هو الجوع. الجوع للقمة العيش، والجوع للعدل. الناس بالخارج لا يرونكِ كإنسانة، بل يرون فيكِ رمزاً لكل ما يفتقدونه. أما عن الوحوش.. فنعم، هم موجودون، لكنهم ليسوا فقط في الأزقة الضيقة، أحياناً يرتدون التيجان أيضاً. ضاقت عينا كيمارا: — تقصدين أبي؟ ردت ماري بسرعة نفيا : — لا، والدكِ يحبكِ حباً أعمى، والأعمى يا ابنتي قد يكسر عظام من يحبه وهو يظن أنه يضمه لصدره. الخوف هو سجانكِ الحقيقي. نهضت كيمارا فجأة، واقتربت من ماري، وأمسكت بيدها المتجعدة بحنان: — ماري، أنتِ تخرجين كل أسبوع لزيارة شقيقتكِ في القرية. أخبريني.. كيف تبدو النساء هناك؟ ماذا يرتدين؟ كيف يتحدثن؟ هل يضحكن بصوت عالٍ في الطرقات؟ ابتسمت ماري بمرارة وهي تغرز الإبرة في قطعة قماش: — يرتدين الكتان الخشن الذي يجرح جلودهن الرقيقة، يتحدثن عن سعر الطحين وظلم الحراس، ويضحكن.. نعم يضحكن، لكن ضحكهن له طعم مختلف، طعم النجاة من يوم آخر قساه القدر. لمعت عينا كيمارا ببريق غريب، بريق الحالمين: — أريد أن أتخيل نفسي مكانهن يا ماري. أريد أن أتخيل ذلك الكتان الخشن على جلدي بدلاً من نعومة هذا الحرير الذي يخنقني. أريد أن أسمع في أذني ضحكة النجاة تلك ولو لمرة واحدة في أحلامي. ارتبكت ماري وحاولت سحب يدها: — ماذا تقولين؟ هذا جنون! لو عرف الملك أنني أحدثكِ عن هذه الأمور لقطع رأسي! أنتِ أميرة، والكتان ليس لكِ. انحنت كيمارا لمستوى أذن ماري وهمست بنبرة يملؤها الشجن: — أبي لن يعرف.. ماري، أنتِ كنتِ تقولين لي دائماً إن أمي كانت تحب الخروج للتنزه في الغابات قبل أن يسجنها الخوف و المرض هي الأخرى. لا تتركيني ألحق بها في قبر من ذهب دون أن أعرف حتى كيف يشعر الآخرون. أخبريني فقط.. لو لم أكن أميرة، لو كنت مجرد فتاة عادية باسم بسيط لا يمت للتيجان بصلة.. كيف سيكون حالي؟ ساد الصمت لثوانٍ كانت كأنها دهر، صمت لم يقطعه سوى صوت الرياح التي تضرب نوافذ القصر العالية. نظرت ماري في عيني كيمارا، ورأت فيهما انكساراً جعل قلبها يلين. قالت ماري بهمس مرتعش وهي تفتح صندوقها وتخرج قطعة قماش باهتة: — كارولين.. استغربت كيمارا: —ماذا؟ أكملت ماري بدموع محبوسة: — كان هذا اسم ابنتي التي ماتت في الوباء القديم مثل ولدتك.. كانت في عمركِ حينها، وكانت تحب الحرية والركض تحت ضوء الشمس. لو لم تكوني أميرة، لكنتِ (كارولين). ثوبها الكتاني ما زال عندي، مخبأ في قاع صندوقي القديم.. أخرجه أحياناً لأتذكر كيف كانت تبدو فتاة حرة. ارتمت كيمارا في حضن ماري، وأغمضت عينيها بقوة، وقالت بصوت مخنوق: — كارولين.. إذن دعينا نتظاهر يا ماري، دعينا نتخيل أن كيمارا نائمة الآن خلف هذه الأسوار، وأن كارولين هي من تعيش في حكاياتكِ عن العالم البعيد. قناع من مرمر: مرت الأيام وكيمارا تعيش في صراع صامت، تتأرجح بين ملامح "الأميرة" التي يفرضها والدها، وبين طيف "كارولين" الذي رسمته لها ماري في حكاياتها. جاء موعد الحفل السنوي الكبير لمملكة أركونيا، وكان القصر يعج بالحركة، لكن بالنسبة لكيمارا، كان هذا اليوم هو الاختبار الأصعب لقوة تحملها. وقفت ماري خلف كيمارا، تربط مشد الفستان المخملي الثقيل بقوة حتى شعرت كيمارا أن أنفاسها تختنق. كان الفستان بلون أحمر قانٍ، مطرزاً بخيوط الذهب، يبدو كأنه درع حربي أكثر من كونه ثوباً للاحتفال. نظرت كيمارا إلى المرآة وقالت بصوت متهدج من ضيق المشد: — أخبريني يا ماري، هل يرتدي الناس بالخارج ملابس تخنق أنفاسهم هكذا؟ هل يشعرون أن جلودهم محبوسة داخل خيوط الذهب؟ أجابت ماري وهي تضع اللمسات الأخيرة على شعرها: — بالطبع لا يا ابنتي، ثيابهم تتنفس معهم، لكنها لا تحميهم من برد الشتاء كما يفعل هذا المخمل. لكل شيء ثمن، وأنتِ تدفعين ثمن مكانتكِ من أنفاسكِ. التفتت كيمارا نحوها بعينين تلمعان بالقلق: — ولكن ما الفائدة من الدفء إذا كان القلب يتجمد وحدة؟ الليلة سأقف هناك، وسينظر الجميع إليّ كأنني لوحة زيتية، لا أحد سيسألني إن كنتُ سعيدة، سيسألون فقط عن لمعان تاجي. وينبهرون بجمال مظهري قبل أن تجيب ماري، دلف الملك "أرثر" إلى الغرفة. كان يرتدي حُلته الرسمية ووشاحه الملكي، ووقع خطواته يملأ المكان هيبة. انبهر بجمال ابنته، لكن نظراته سرعان ما تحولت إلى ذلك التفحص القلق. اقترب منها، وعدّل التاج الماسي فوق رأسها بيده، وقال بنبرة حازمة: — الليلة ستقفين بجانبي يا كيمارا. أريدكِ أن تكوني كالجبل، شامخة ولا تطالك الأيدي. تذكري أن كل شخص في تلك القاعة، مهما أظهر من ولاء، يخفي خلف ابتسامته طمعاً. العالم لا يرحم الضعفاء، ولا يرحم الجميلات إيضاً. أخفضت كيمارا عينيها وقالت بصوت خافت: — أبي، أليس من المفترض أن يكون هذا الحفل احتفالاً بالشعب؟ لماذا نتحدث دائماً عن الغدر والطمع؟ ألا يوجد شخص واحد في هذه المملكة يمكنني الرقص معه دون أن أخشى أن يطعنني بخنجراً في ظهري؟ تصلب وجه الملك واقترب منها أكثر حتى لا يسمعهما الحراس بالخارج: — الثقة ترف لا نملكه نحن الملوك يا ابنتي. الرقص يعني الاختلاط، والاختلاط يعني أن تسمحي لغريب أن يشمُ عطركِ أو يلمس يدكِ. سأرقص أنا معكِ الرقصة الأولى، وبعدها سنكتفي بمشاهدة الحفل من فوق المنصة العالية. هناك، حيث يكون الفرق واضحاً بين من يملك السلطة ومن يخضع لها. قالت كيمارا بمرارة: — إذن نحن لسنا جزءاً من الحفل، نحن نراقبه فقط؟ كأننا نشاهد عرضاً للسيرك من خلف قضبان حديدية؟ رد الملك بحدة وهو يمسك يدها ليقودها للخارج: — القضبان التي تحميكِ هي نفسها التي تحفظ كرامة هذا العرش. اصمتي الآن ودعكِ من هذا الهراء، وارسمي على وجهكِ تلك الابتسامة الملكية التي علمتكِ إياها ماري. الليلة، أنتِ لستِ كيمارا الفتاة الصغيرة فحسب، أنتِ الأميرة التي يخشى الجميع الاقتراب منها. نزلت كيمارا مع والدها إلى القاعة الكبرى. كانت الموسيقى تصدح، والأضواء المبهرة تنعكس على الرخام. وقف الجميع وانحنوا إجلالاً في صمت مهيب، لكن كيمارا كانت تشعر أنها تسير في موكب جنائزي لروحها. من فوق المنصة العالية، كانت تنظر لأسفل، حيث يضحك الناس، يتحركون بعفوية، يتبادلون النكات والهمسات. همست كيمارا لماري التي تقف خلفها بضع خطوات: — "انظري لتلك الفتاة الصغيرة عند طرف الطاولة، تضحك حتى بانت نواجذها، وتمسك بيد شاب يبدو أنه من رفاقها. لا أحد يراقبها، ولا أحد يملي عليها كيف تبتسم. أليست هي الحرة حقاً، ونحن العبيد في هذا القصر؟ همست ماري محذرة: — سمو الأميرة! الملك يراقبكِ، التفتي لليمين وحيي النبلاء. عادت كيمارا لتضع "قناع المرمر" على وجهها، تبتسم لمن لا تعرف، وتنحني لمن لا تحب، بينما كان عقلها يسرح بعيداً، يتخيل لو أنها كانت تلك الفتاة البسيطة، ترتدي الكتان الخشن، وتضحك من قلبها دون خوف من سجان يرتدي تاجاً. شروخ في الذاكرة: بعد انتهاء الحفل، عادت كيمارا إلى جناحها بخطوات ثقيلة، كانت الموسيقى لا تزال تطن في أذنيها كأنها صرخات مكتومة. وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، لم تنتظر مساعدة ماري، بل بدأت بنزع العقد الماسي عن عنقها بعنف وكأنه قيد يخنقها. ارتمت على مقعدها الوثير، ونظرت إلى زاوية مهجورة في الغرفة حيث كانت تقبع صورة زيتية كبيرة لوالدتها الملكة الراحلة "إلينا". كانت الأميرة في الصورة تبتسم، لكن كيمارا، ولأول مرة، لاحظت شيئاً لم تره من قبل في تلك العينين المرسومتين بدقة.. لاحظت نفس الانكسار الذي تشعر به الآن. همست كيمارا وهي تلهث: — ماري!.. هل كانت أمي سعيدة حقاً؟ أخبريني الصدق، لا ترددي عليّ قصص أبي المثالية. توقفت ماري عن ترتيب الثياب، واقتربت من الصورة بحزن دفين، ثم قالت بصوت خفيض: — الملكة إلينا كانت تحب الورد البري يا كيمارا، كانت ترفض الورود التي تُزرع في حدائق القصر لأنها تقول إنها 'ورود مهذبة أكثر من اللازم'. في بدايتها، كانت مثلكِ، روحاً لا تهدأ، لكن الملك.. الملك من شدة حبه لها، قص جناحيها لتبقى بجانبه. اتسعت عينا كيمارا: — قص جناحيها؟ هل تقصدين أنه فعل بها ما يفعله بي الآن؟ أومأت ماري برأسها وتابعت: — والدك فقد الكثير في شبابه، وعندما أحب والدتكِ، تحول حبه إلى حصار. كانت تريد الخروج للغابات، تريد زيارة الملاجئ، وتريد أن تلمس حياة الناس البسطاء. لكنه في كل مرة كان يخبرها أن 'العالم خطر'. ومع مرور السنين، انطفأ البريق في عينيها، وأصبحت تلك الابتسامة التي ترينها في الصورة مجرد واجب ملكي، بينما قلبها كان يذبل خلف هذه الجدران. نهضت كيمارا واتجهت نحو الصورة، لمست إطارها المذهب بأصابع ترتجف: — إذن هي لم تمت من المرض فقط.. هي ماتت من الاختناق. أبي قتلها بحبه قبل أن يقتلها الوباء. وها هو الآن يعيد الكرة معي، يريدني نسخة باهتة، بلا صوت وبلا روح، فقط ليُشبع خوفه من الفقد. قالت ماري محاولةً تهدئتها: — الملك يرى فيكِ كل ما تبقى له منها، يا ابنتي. هو لا يدرك أنه يخنقكِ، هو يظن أنه يبني حولكِ حصناً. كما فعل معها استدارت كيمارا نحو ماري، وكانت الدموع التي تحجرت في عينيها طوال الحفل قد بدأت تنهمر أخيراً: — الحصن الذي يُبنى حول شخص واحد دون إرادته يسمى سجناً يا ماري! هل عليّ أن أنتظر حتى يذبل قلبي مثلها؟ هل عليّ أن أتزوج رجلاً يختاره أبي ليكمل مهمة حراستي؟ أمسكت ماري يدي كيمارا وقالت بصدق موجع: — أنتِ تشبهينها كثيراً في هذه اللحظة، لكن فيكِ شيئاً لم يكن فيها.. أنتِ تملكين غضباً وإرادة لم تكن هي تملكهما. هي استسلمت للصمت، أما أنتِ.. فأنا أرى في عينيكِ شروخاً لن تلتئم إلا إذا حطمتِ هذا القفص. ساد صمت عميق في الغرفة، كانت كيمارا تنظر إلى ماري وكأنها تكتشفها لأول مرة. أدركت أن ذكريات والدتها ليست مجرد قصص، بل هي تحذير حي مما سيؤول إليه حالها إذا استمرت "سجينة في قصر أبيها". همس الريح: وقفت كيمارا أمام النافذة في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن نام القصر وهدأت الحركة. كانت الرياح تهب بقوة، تداعب خصلات شعرها التي تحررت من دبابيس التاج. لم تكن تنظر للأضواء هذه المرة، بل كانت تستمع لصوت الريح وهي تصطدم بأسوار مملكة "أركونيا" العظيمة وتتجاوزها بحرية. دخلت ماري الغرفة وهي تحمل وشاحاً دافئاً، ووضعته على كتفي كيمارا قائلة: — الليل بارد، والريح الليلة لها صوت غريب، كأنها تنادي أحداً. ابتسمت كيمارا ابتسامة غامضة وقالت: — أتسمعينها يا ماري؟ إنها لا تنبح مثل الوحوش التي يصفها أبي. إنها تهمس.. تخبرني أن العالم واسع، وأن خلف أسوار أركونيا بشراً يخطئون ويصيبون، يحبون ويكرهون، لكنهم على الأقل 'يعيشون'. هل تعتقدين يا ماري أن جدران هذه المملكة بُنيت لتحمينا من الأعداء، أم بُنيت لتمنعنا من أن نكون بشراً مثلهم؟ تنهدت ماري بعمق وأجابت بصوت مشوب بالحذر: — لقد بُنيت أركونيا لتكون حصناً منيعاً، لكن الحصون أحياناً تنسى أن من بداخلها يحتاجون للشمس والريح أكثر من حاجتهم للحجر والحديد. والدكِ يرى في كل نسمة ريح تهديداً لعرشه ولكِ. سألتها ماري بحذر: — بماذا تشعرين الآن يا كيمارا؟ أغمضت كيمارا عينيها واستنشقت الهواء البارد: — أشعر أن كيمارا التي رباها أبي بدأت تتلاشى. أشعر أن ابنة الملكة إلينا تستيقظ بداخلي، لكنها لن تكتفي بالنظر للورد البري من بعيد. أشعر بفضول يحرقني، وبخوف يشدني للخلف.. لكن الريح أقوى يا ماري. الريح تقول لي إنني إذا بقيت هنا، سأتحول إلى تمثال مرمر آخر يضاف لمقتنيات أبي. هل سأقضي عمري كله أسمع عن جمال الغابات في حكاياتكِ فقط؟ هل سأظل أتساءل كيف يبدو ملمس تراب أركونيا تحت قدمي الحافيتين؟ نظرت ماري إلى الصندوق الخشبي القديم في ركن الغرفة، ثم نظرت إلى كيمارا، وقالت بصوت بالكاد يُسمع: — كارولين.. كانت دائماً تقول إن الريح هي أنفاس الأحرار، وإن من يخاف الريح لا يستحق أن يحلم بالتحليق. التفتت إليها كيمارا، ولم تكن بحاجة لقول أي شيء. في تلك اللحظة، وسط سكون الليل وهمس الريح، كان هناك عهد صامت يولد بينهما. لم تكن هناك خطة واضحة بعد، ولم يكن هناك موعد للرحيل، لكن الروح كانت قد غادرت القصر بالفعل، وما بقي خلف الأسوار لم يكن إلا جسداً ينتظر اللحظة المناسبة ليتبع قلبه. قالت كيمارا وهي تغلق النافذة ببطء، وعيناها مثبتتان على الأفق المظلم: — أركونيا جميلة من هنا يا ماري، لكنها أجمل في خيالي حيث تبدو بلا قيود. تصبحين على خير يا ماري... ماري: نوماً هنيئاً كيمارا... قالت ثم خرجت واغلقت الباب خلفها، بينما كيمارا كانت جالسه على مقعدها الوثير ثم نهضت وذهبت للسرير وهي تقول: تصبحين على خير يا كيمارا ولكن عندما تصبحين حرة