🌑الفصل الأوّل: سَديم
🌑الفصل الأوّل: سَديم
اسمي سَديم، ولم يكن الاسم صدفة.
كنتُ دائمًا تلك المساحة غير الواضحة بين شيئين؛
بين الكلام الذي لم يُقَل، والصمت الذي قيل أكثر مما ينبغي.
في تلك الليلة، لم أصرخ حين سقطت الطائرة.
لم أركض، لم أختبئ، لم أفعل شيئًا سوى الوقوف.
كأنّ الخوف حين يبلغ ذروته، يتحوّل إلى جمود.
العمارة التي كنتُ فيها بدت آمنة أكثر مما ينبغي،
والعمارة المجاورة بدت قريبة أكثر مما يُحتمل.
حين اصطدمت الطائرة بها، لم أشعر بالاهتزاز بقدر ما شعرتُ بأنّ شيئًا في داخلي فقد توازنه، إلى الأبد.
ثم جاء الماء.
لا أعرف من أين بدأ، ولا لماذا لم أقاومه.
ارتفع بهدوء مخيف، كأنه يعرف أنّ المقاومة لن تغيّر شيئًا.
وحين وجدتُ نفسي في قارب، لم أتساءل كيف وصلتُ إليه، بل تساءلت:
هل النجاة تعني دائمًا الحياة؟
كنتُ أبحر، لكنني لم أكن أختار الاتجاه.
وكلّما حاولتُ النظر خلفي، شعرتُ أنّ هناك شيئًا لا يريد لي أن أتذكّر.
ثم رأيتُه.
نادر.
أبي لم يكن يومًا رجل مفاجآت، لكنّه ظهر في السماء، في هليكوبتر، كأنه جاء متأخرًا…
كعادته.
تحدّثتُ معه، أو ربما أردتُ ذلك فقط.
كان صوته قريبًا، لكن بيننا مسافة لا تُقاس بالأمتار.
مددتُ يدي، ولم يمسكها.
اختفى.
وفي تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة التي أخاف الاعتراف بها:
لم أكن أحتاج أحدًا لأخاف…
كنتُ كافية.
بدأ الصوت في رأسي، ليس صوت أبي، ولا صوت البحر،
بل صوتي أنا، حين أفقد السيطرة.
حاولتُ الكلام، فلم يخرج شيء.
حاولتُ الحركة، فخانني جسدي.
لم أجد سوى الكلمات التي أعرفها للحماية، التعوّذ، يتردّد في داخلي، مرّة بعد مرّة، كأنه جدارٌ أبنيه بيني وبين شيءٍ لا أراه…
لكنني أشعر به.
كان الوقت طويلًا، أو هكذا بدا لي.
والصمت أثقل من أي صوت.
وحين استيقظتُ، لم يكن الصباح مختلفًا، لكنني كنتُ مختلفة.
فتحتُ عينيّ، وأنا أعلم يقينًا:
ما رأيته لم يكن حلمًا عابرًا، بل بداية شيءٍ لم أعد قادرة على تجاهله.
وفي الخارج، كان هناك هاشم…
وإياد…
وأسرارٌ ستخرج من صمتها، واحدةً تلو الأخرى.