البجعة السوداء - جسر المحرقة 🖤🦢 - بقلم أمينة شيحة | روايتك

اسم الرواية: البجعة السوداء
المؤلف / الكاتب: أمينة شيحة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: جسر المحرقة 🖤🦢

جسر المحرقة 🖤🦢

خيم المساء على غرفة نوران، وكانت الإضاءة خافتة تعكس ضيق صدرها. وصلت لمار في وقت متأخر، وما إن رأت شحوب وجه نوران وارتجاف يديها حتى شعرت بغصة في قلبها. لم تكن نوران التي تعرفها؛ كانت جثة هامدة تسكن جسداً يرتعش. لمار (تضع يدها على جبين نوران): "حرارتكِ ليست مرتفعة، لكن وجهكِ لونه كأنه لم يذق طعماً منذ أيام. نوران، أنتِ لستِ بخير. تلك الإغماءة في المشفى لم تكن عابرة، عليكِ أن تعودي للفحص مرة أخرى، ربما هناك شيء فات الأطباء." نوران (بصوت خافت وهي تنظر للفرار): "لا داعي يا لمار.. مجرد ضغط نفسي. سأرتاح وأكون بخير." لمار (بتشكك): "نوران.. نحن صديقات قبل أن أكون أخت خطيبك، وأنتِ لستِ على طبيعتك. هل ضايقكِ أحمد؟ هل حدث بينكما شيء؟" ساد صمت طويل. كانت نوران تصارع رغبتها في الصراخ وإخبارها بكل شيء، لكن الخوف من "أحمد" كان يطبق على أنفاسها. في صباح اليوم التالي، استيقظت نوران على نوبة غثيان شديدة. كانت لمار ما تزال عندها، تراقبها بقلق وهي تخرج من الحمام منهارة القوى. في تلك اللحظة، اتخذت نوران قراراً مرعباً؛ عليها أن تقطع الشك باليقين بعيداً. نوران (تمسك يد لمار وتهمس بذعر): "لمار.. أريدكِ في خدمة، لكن أقسمي لي بعزّ وجلّ أن يظل هذا السر بيننا.. حتى عن أحمد." لمار (بدهشة وقلق): "أقسم لكِ.. ماذا هناك؟" نوران (بصوت يرتجف): "اشتري لي اختبار حمل.. الآن." تراجعت لمار خطوة للخلف، جفّ ريقها واتسعت عيناها بصدمة لم تستطع استيعابها. لمار (بصوت مهتز): "اختبار حمل؟ نوران.. ماذا تقولين؟ هل تقصدين أن أحمد.. هل فعلها؟" نوران (تنفجر بالبكاء الصامت): "أرجوكِ لا تسألي الآن.. فقط اذهبي واشتريه من صيدلية بعيدة لا تعرفنا. أحتاج أن أعرف الحقيقة قبل أن يطبق عليّ هذا الكابوس." عادت لمار بعد ساعة بدت كأنها دهر. سلمت الظرف لنوران بيدين مرتعشتين. دخلت نوران الحمام، بينما وقفت لمار خلف الباب تضع يدها على قلبها، تدعو الله أن يكون ظن صديقتها خائباً. خرجت نوران بعد دقائق، كانت الورقة في يدها، ووجهها يحمل تعبيراً لا يمكن وصفه.. صدمة، انكسار، واستسلام مطلق للقدر. لمار (بلهفة وخوف): "نوران.. تكلمي! ماذا ظهر؟" أرتها نوران الاختبار.. خطان أحمران وضوح الشمس. سقطت لمار على المقعد القريب، وغطت وجهها بيديها. نوران (بجمود مخيف): "لقد نجح يا لمار.. نجح في سجني للأبد. هذا الجنين هو القيد الذي وضعه أحمد حول عنقي في تلك الليلة الملعونة عندما أتيت اليكم، لقد عرفت ان هناك أمر حصل عندما اغمي عليا، لما أنا !!؟. لمار (تبكي بحرقة): "أحمد؟ أخي فعل هذا؟ نوران (تقترب من لمار وتشد على يدها بقسوة): "الآن عرفتِ لماذا كنتُ أرفض الزواج.. والآن عرفتِ لماذا يصرّ هو على الاستعجال، هو يريد امتلاك فضيحتي لكي لا أجرؤ على الهرب منه أبداً." لمار (تمسك يدي نوران وتحاول تهدئتها): "نوران، اسمعيني.. صحيح أن ما حدث كان بشعاً، لكن أحمد يحبك! صدقيني، هو مهووس بكِ، وربما هذا الجنين هو الذي سيجعله يعتذر ويغير معاملته لكِ. يجب أن نخبره، الآن! سيفرح، وسيستعجل في الزواج ليحميكِ ويحمي ابنه." نوران (بضحكة مريرة): "يحميني؟ لمار، أنتِ لا تعرفين أخاكِ.. هو لا يعرف الحب، هو يعرف الامتلاك فقط." لمار (بإصرار): "أرجوكِ يا نوران، من أجل الجنين، ومن أجل عائلتكِ. عديني أننا سنخبره. أحمد لن يتخلى عنكِ أبداً، هو ابن خالكِ قبل أن يكون خطيبك. وافقي فقط، وسأكون معكِ في كل خطوة." تحت ضغط لمار وإصرارها العاطفي، استسلمت نوران بضعف. أومأت برأسها موافقة، ووضعت اختبار الحمل في حقيبتها. قررت لمار أن ترافقهما، واتفقتا على إخباره بعد انتهاء حصص الجامعة المسائية، حيث سيكون أحمد بانتظارهما أمام البوابة. قضت نوران الساعات في الجامعة كأنها في حلم ثقيل. وفي المساء، كانت تمشي بجانب لمار نحو بوابة الجامعة حيث تقف سيارة أحمد السوداء. كان أحمد يتكئ على السيارة، واضعاً يده في جيبه، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي تخفي خلفها ألف ثعبان. لمار (تهمس لنوران): "هيا يا نوران، الاختبار في حقيبتك.. أخبريه الآن، انظري كيف ينتظرنا بشوق." نظرت نوران إلى أحمد. رأت في عينيه نظرة "المالك" الذي ينتظر وصول قطعته الثمينة. في تلك اللحظة، استرجعت شريط ذكرياتها؛ لم ترَ فيه زوجاً محباً، بل رأت المغتصب الذي استغل ضعفها، والوحش الذي أحرق منزل صديقه رامي لينفرد بها. توقفت فجأة عن المشي. مدت يدها داخل حقيبتها، لكنها لم تخرج الاختبار لتعطيه له. بل سارت نحو سلة مهملات كبيرة عند البوابة، وألقت بالاختبار فيها وسط ذهول لمار التي كانت تراقبها. اقترب أحمد منهما، ونظراته تتنقل بين شحوب نوران وارتباك لمار. أحمد (بنبرة هادئة ومريبة): "ما بكما؟ تبدوان كأنكما شاهدتما شبحاً. لمار، لماذا أنتِ صامتة؟ ونوران.. هل انتهيتِ من حصصكِ لنتحدث في موضوع زفافنا؟" نظرت نوران في عينيه مباشرة، لأول مرة منذ ليلة الكوخ، كانت عيناها تقدحان شرراً وقوة نابعة من اليأس. نوران (بصوت صلب وقاطع): "أحمد.. لا داعي لكل هذا التمثيل أمام لمار. لقد أخبرتني لمار أنها تظنك ستحبني وتتغير، لكنني أعرفك جيداً." أحمد (يضيق عينيه): "عن ماذا تتحدثين؟" نوران (تقترب منه خطوة، وتهمس بصوت سمعه هو ولمار فقط): "أنا حامل.. نعم، نجحتَ في فعلتك القذرة. لكن اسمعني جيداً يا أحمد.. لن أفرحك بهذا الخبر، ولن أجعل هذا الجنين حجة لكي تملكني للأبد. أنا قررتُ أن أتخلص منه." تجمدت ملامح أحمد. تلاشت ابتسامته وحل محلها غضبٌ مكتوم وغيرة نرجسية مجنونة؛ فهو لا يهتم بالجنين كروح، بل يهتم به كأداة سيطرة. أحمد (يمسك ذراعها بقوة مهولة): "ماذا قلتِ؟ تتخلصين منه؟ هل جننتِ؟ هذا ابني!" نوران (ببرود يتحدى جنونه): "هذا ليس ابنك، هذا شاهدٌ على جريمتك، وأنا سأمحو هذا الشاهد. لن تملك عليّ أي ورقة ضغط بعد اليوم. اقتلني إن شئت، لكنني لن أمنحك شرف أن أكون أماً لطفل يحمل دمك الظالم." بقت لمار واقفة بينهما، ترتجف من هول الكلمات، تدرك الآن أن "الحب" الذي كانت تعتقده ليس إلا حرباً ، وأن نوران اختارت أن تحرق كل الجسور، حتى لو كلفها ذلك حياتها.